2026-06-05
913
حقيقة موقفي في مؤتمر الدوحة للتقريب بين المذاهب
كنَّا ـ نحن الشيعة الإمامية ـ في إيران نعدك من أوائل الدعاة إلى وحدة الأمَّة، والتقريب بين مذاهبها وطوائفها، والمقاومين لمثيري الفتنة، ودعاة التفرقة المذهبية والطائفية والعرقية وغيرها.
وأعتقد أنَّك لمست ما لك من منزلة كبيرة وتقدير عظيم لدى المسؤولين في الجمهورية الإسلاميَّة، ابتداء من رئيس الجمهورية السيد محمَّد خاتمي، الَّذي استقبلك في مكتبه استقبالًا حافلًا، وأبرزت الصحف كلها والإذاعة والتلفاز وكل وسائل الإعلام زيارتك إبرازًا غير عادي، وتحدث الجميع عن أهميتها.
وكذلك كان استقبال آيات الله واحتفاؤهم بك وثناؤهم عليك في طهران، وفي قم، وفي مشهد، وفي أصبهان، وفي كل مكان زرته في طهران.
ولكننا فوجئنا من فضيلتك بموقف جديد، مغاير لمواقفك السابقة، وفيه إشارات، بل اتهامات للشيعة، ولفكرة التقريب، ومؤتمرات التقريب، والتشكيك في إنجازاتها، وهو ما يعتبره الإيرانيون بصفة خاصة، والشيعة بصفة عامة، انقلابًا على اتِّجاهك السابق، وأفكارك الوحدوية والتقريبية السابقة، والمعروفة للجميع.
وهو ما جعل عددًا من الشيعة هنا، وفي كثير من البلاد يهاجمونك، وينتقدونك انتقادًا، ربَّما خرج في بعض الأحيان، وبعض المواضع عن الحدود اللائقة.
ورسالتي هذه تخاطب فيك القرضاوي رجل الوحدة الإسلاميَّة، وعالم الأمَّة الإسلاميَّة بكل طوائفها، وكل مذاهبها، لا رجل فئة واحدة، أو مدرسة معيَّنة، راجيًا أن تشرح لنا ولكل متسائل: حقيقة موقفك في مؤتمر الدوحة؟ وهل هو تغير في الموقف أو ماذا؟ فلا زلنا نظنُّ بك خيرًا.
محمد علي
كاتب من إيران
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فأود أن أشير هنا إلى عدَّة نقاط، تبين حقيقة موقفي من قضية التقريب بين المذاهب، والفرق الإسلاميَّة، في ضوء هذه الأمور:
1 ـ أنَّني أومن بوحدة «أهل القِبْلة» وهم الَّذين يُشكِّلون «الأمَّة الإسلاميَّة»، و«الأمَّة الإسلاميَّة» عندي حقيقة وليست وهمًا، وأنَّ اختلاف الأمَّة بين فرق ومذاهب مختلفة لا يمنع أنَّها أُمَّة واحدة، فإن بينها من الجوامع أكبر ممَّا أرى بينها من المفرّقات. فربُّها واحد، ونبيها واحد، وكتابها واحد، وعقائدها الأساسية واحدة، ومصيرها واحد، وعدوها واحد، ومصلحتها واحدة.
2 ـ أنَّني ضد دعاة التفرقة بين أبناء هذه الأمَّة الواحدة، سواء كانت تفرقة طائفية «فِرْقيَّة» أو مذهبيَّة أو عرقيَّة، أو غيرها. وأرى أنَّ الَّذين يوجِّهون هذه التيارات هم أعداء الأمَّة، الَّذين كان شعارهم: فرِّقْ تَسُدْ.
3 ـ أنَّني منذ اشتركت في مؤتمرات التقريب؛ تبنيتُ التأكيد على أشياء مهمة لا يصلح تقريب، ولا يكون إذا أهملت، أو لم تُعط حقها. وهو ما أكدته بكل وضوح في زيارتي لإيران منذ أكثر من عشر سنوات. وركزت هنا على أمور ثلاثة:
أولها: الاتفاق على اجتناب سبِّ الصحابة؛ إذ لا يمكن أن نلتقي أو نتقارب وأنا أقول: رضي الله عنهم. وأنت تقول: لعنهم الله. فما أعظم الفارق بين الرضى من الله، واللعنة من الله.
ثانيها: عدم محاولة نشر المذهب في البلاد الخالصة للمذهب الآخر. وهو ما رأيت العلامة محمَّد مهدي شمس الدين يعبر عنه بالتبشير بالمذهب.
ثالثها: مراعاة حقّ الأقلية، ولا سيما إذا كانت أقلية معتبرة.
وقد قدمت إلى مؤتمر التقريب في مملكة البحرين بحثًا نشرته بعد ذلك عنوانه: «مبادئ في الحوار والتقريب بين الفرق والمذاهب الإسلاميَّة» ضمنته مقترحاتي النظرية والعمليَّة، ليقوم التقريب على أساس متين، وعلى ركائز قوية.
فهذا موقفي؛ لم أكن يومًا من دعاة «التمييع» أو من المهرولين للتقريب دون شروط وقيود. ولما رأيت هذه المؤتمرات تجتمع وتنفض، ولا تحل مشكلة، ولا تواجه عقبة، وإنَّما هي مجاملات تقابل مجاملات، ولا شيء بعد ذلك؛ أخذت على عاتقي أن أصارح جماهير المسلمين بما في نفسي، وألا أكتم عنهم ما أراه ضروريًّا في العلاقة والتعامل، وهذا من مقتضى الأمانة والمسؤولية والميثاق الَّذي أخذه الله على العلماء: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ﴾ [آل عمران: 187].
وقد بدأت ذلك بتصريح مطول في نقابة الصحفيين في القاهرة؛ إجابة عن سؤال، ثمَّ بينت ذلك في مؤتمر الدوحة(1).
وما قلته في مؤتمر الدوحة خشيتُ أن يُحرَّف، أو يفسَّر على غير ما قصدتُ، وإن كان مسجَّلًا، فأردتُ أن أدوِّنه مكتوبًا محرَّرًا بقلمي، ونشرته، وهذا هو مجال إعلانه على الأمَّة، إحقاقًا للحقِّ، وإبطالًا للباطل.
ولا يجوز لإخواني من علماء الشيعة وتلاميذهم وصحفيِّيهم أن يهاجموني لهذا البيان، حتَّى إن بعضهم سماني: «الشيخ الطائفي!» وما كنتُ يومًا ـ ولن أكون إن شاء الله ـ طائفيًّا، ولن أكون إلَّا للأمَّة كلها، وللإسلام وحده، وأرى من التعصُّب الممقوت أن يُعلي المرء الطائفة على الأُمَّة، والمذهب على الإسلام، وكتب المذهب على صريح القرآن والسُّنَّة.
وقد نسي هؤلاء مواقف لي، ينبغي ألَّا تُنسى، مثل رَدِّي على فتوى العلامة الشيخ ابن جبرين، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية: أنَّه لا يجوز تأييد حزب الله في حربه ضد إسرائيل، ولا يجوز الانضمام إليه، ولا مجرد الدعاء له.
وقد كنت في ذلك الوقت في إجازتي في القاهرة، فتصديت للرد عليه في «قناة الجزيرة» وفنّدت مقولته بالأدلة الشرعيَّة والعلمية. ثمَّ رأيت أن أكتبها وأنشرها، وهي موجودة مع هذه الفتاوى.
وهذه خلاصة لما قلته في افتتاح واختتام مؤتمر الدوحة للتقريب، ليحيا من حيّ عن بينة، ويَهْلِك من هلك عن بيِّنة(2):
لقد كان أهل السُّنَّة ـ وهم جمهور المسلمين ـ هم المبادرين بـ «التقريب» والداعين إليه، والمرحبين به. ومن العجب أن يبدأ ذلك في القاهرة، وأن يكون المبادرون من كبار رجال الأزهر المشهود لهم، مثل: الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمَّد المدني، والشيخ عبد العزيز عيسى، وغيرهم. وكان ممَّن يؤيد وجهتهم الإمام الشهيد حسن البنا، رحمهم الله جميعًا.
وقد أُنشئت «دار التقريب» في بلد الأزهر، وقبلة الثقافة الإسلاميَّة: القاهرة، وكان الأمين العام لهذه الدار، أو هذه المؤسسة هو العالم الجعفري الشهير الشيخ تقي الدين القُمّي، أي الَّذي ينتمي إلى الحوزة العلمية في «قُمّ». وقد أصدرت هذه الدار مجلة «الرسالة» الفصلية، الَّتي كان يكتب فيها كبار علماء أهل السُّنَّة، وكتب فيها الشيخ شلتوت مقالاته في التفسير، الَّتي جمعت وظهرت في تفسيره للأجزاء العشرة الأولى.
ولقد استقبل المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة في عهد الإمام البنا: الشيخ القمي، ورحَّب به.
كما استقبل ـ في عهد الأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني ـ بعد سنوات زعيمًا شيعيًّا معروفًا، لم يكن من رجال الحوزة، ولكن من رجال الجهاد، هو: «نواب صفوي» زعيم جماعة «فدائيان إسلام» الَّذي كان معارضًا لحكم الشاه، ومغضوبًا عليه منه.
وفي الستينيات من القرن العشرين أصدر العلامة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر: فتوى بجواز التعبد بالمذهب الجعفري. على أساس أنَّه ـ في الجانب الفقهي ـ قريب من مذاهب أهل السُّنَّة، إلَّا في أشياء قليلة، لا تخرجه عن جواز التعبد به في الجملة: في الصَّلاة والصيام، والزكاة والحج، والمعاملات. وهذه الفتوى لم أرها في نص مكتوب.
على أنَّ فتوى شلتوت ـ كما تذكر ـ لم تتدخل في قضية العقائد والأصول، الَّتي فيها الخلاف الحقيقي بين السُّنة والشيعة، مثل: قضية الإمامة والأئمَّة الاثني عشر وعصمتهم وعلمهم بالغيب، ومنزلتهم الَّتي لم يصل إليها ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، واعتقاد أنَّها أصل مهم من أصول الدين، لا يصلح إيمان، ولا يقبل إسلام إلَّا بها، ومنكرها كافر، مخلد في النَّار، ومثل عقيدتهم في الصحابة، وغير ذلك ممَّا يعتقدونه من أصل دينهم.
ومع هذا لم نرَ من الشيعة من جزى الحسنة بالحسنة، ومن رد التحية بأحسن منها، أو بمثلها، فلم يصدر مرجع شيعي ـ فـي منزلة شلتوت من أهل السُّنَّة ـ في «قمّ» أو «النجف»: فتوى تجيز لأتباعهم التعبد بمذاهب أهل السُّنَّة! على أنَّهم ليسوا في حاجة إلى ذلك. بل رأينا عكس ذلك.
بين الأكثرية والأقلية:
لقد كان الشيعة طوال تاريخهم أقلية تعيش في كنف الأكثرية السنية، آمنة مستقرة، تجمع أتباعها، وتؤلف كتبها، وتنتصر لمذهبها، وتنشر ذلك بين جمهور أهل السُّنَّة، ولم يتعرض لهم أحد بأذى أو محاولة تصفية، رغم ما في كتبهم من طعن شديد، وتجريح قاسٍ لأهل السُّنَّة، إلى حدّ التكفير، وإخراجهم من الملة. حتَّى الأئمَّة الأربعة لم يسلموا من طعنهم.
هكذا عاشوا في سلطان الدولة العباسية، في عصرها الأول، وعصرها الثاني.
وهكذا عاشوا في عصر الدولة العثمانية، إلَّا ما كان بينها وبين الصفويين من صراع معروف.
بل هكذا عاشوا في عصرنا في ظل الدولة «الوهَّابية» المعروفة بموقفها النظري من الشيعة. فها هم الشيعة في المنطقة الشرقية من المملكة يقومون بأنشطتهم الدينية والدعوية، ولم تفكر الدولة في القضاء عليهم، أو تقليم أظافرهم.
وهكذا عاشوا في الخليج العربي عامة، برغم أنَّ حُكَّامها جميعًا من أهل السُّنَّة. ولهم ثروتهم الاقتصادية، ومكانتهم الاجتماعية، ومشاركتهم السياسية، فمنهم نواب ووزراء وسفراء ومديرو دوائر، ورؤساء جامعات، وعمداء كليات، وشخصيات مؤثرة في المجتمع.
ولم يحاول أهل السُّنَّة في عصر من العصور ـ بوصفهم الأكثرية الساحقة في الأمَّة ـ أن يسحقوا الأقلية الشيعية، أو يضيقوا عليها في شعائرها ومواريثها الدينية المذهبية. مع أن بعض شعائرهم تصادم الحس الديني عند السُّنة، مثل قولهم في الأذان: وأشهد أن عليًّا ولي الله! فأهل السُّنَّة لا يعرفون إلَّا شهادتين لا غير(3).
وإذا كان هذا موقف الأكثرية السُّنية بالأمس واليوم، فما لنا نرى الأقلية الشيعية تستثير الأكثرية السنية، وتتحرش بها، وتستفزها بصورة مكشوفة، وبطريقة تهيج غضب الحليم، ولو استجيب لأحلامها وتطلعاتها، وأطلق العنان لغرائز الغضب والثورة: لوقع خطر كبير، وشر مستطير.
هل هناك تباعد حتَّى نحتاج إلى تقريب؟
والتقريب يعني: أنَّ هناك تباعدًا بين طرفين، ونحن نريد أن نقرب أحدهما من الآخر، أو نقرب كل واحد منهما من صاحبه.
فهل هناك تباعد بين الطوائف ـ أو الفرق ـ المختلفة حتَّى نحتاج للدعوة إلى التقريب بينهم؟ وخصوصًا بين الطائفتين الكبيرتين: السُّنة والشيعة؟
الحق: أنَّ التباعد موجود ـ إذا أردنا أن نصارح أنفسنا ـ على الساحة الفكرية، وعلى الساحة العمليَّة، وعلى الساحة السياسية.
فعلى الساحة الفكرية أو العقدية، فإنَّ التباعد قائم وخصوصًا في قضية «الإمامة» فهم يرونها من أصول العقيدة وأركانها. ونحن نراها من الفروع لا من الأصول، ومن العمليات لا من العقديات. وهي عندهم أساس المذهب كله، فهو يقوم على: الوصية والإمامة، والغيبة والرجعة.
والشيعة يذكرون أمر «الإمامة» بعبارات قويَّة، وأن من لم يؤمن بها إيمانهم، وأنَّها منصوص عليها من رسول الله ﷺ ، ابتداء من عليٍّ 3 ، فالأحد عشر إمامًا من بعده، فإنه لا يعد مؤمنًا.
من نصوص الشيعة في الإمامة:
جاء في أصول الكافي عن أبي جعفر (الباقر) أنَّه قال: بُني الإسلام على خمس، على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم ينادَ بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ النَّاس بأربع، وتركوا هذه ـ يعني الولاية(4).
ويروي الكليني بسنده عن الصادق أنه قال: أثافي الإسلام ثلاثة: الصَّلاة والزكاة والولاية، ولا تصح واحدة منهن إلَّا بصاحبتيها(5).
وعن زرارة عن أبي جعفر قال: بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. قال زرارة: قلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل؛ لأنَّها مفتاحهن(6).
والولاية لا رخصة فيها، فعن أبي عبد الله قال: إنَّ الله افترض على أمَّة محمَّد خمس فرائض: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وولايتنا، فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة، ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا، لا والله ما فيها رخصة(7)!
وفي رواية: بُنِيَ الإسلام على: شهادة أنَّ لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى البيت، وولاية علي بن أبي طالب.
بل هم في الواقع لا يقفون عند أمر الإمامة وحدها، بل يتعدونها إلى أمر «الألوهيَّة» فهم يرون أهل السُّنَّة غير مؤمنين بالإله الَّذي يؤمنون به. وهذه نقطة خلاف أساسيَّة أيضًا، فمن المعلوم: أنَّ الشيعة يتبنَّوْن في الإلهيَّات مذهب المعتزلة، الَّذين ينفون عن الله الصفات الثبوتية، مثل: العلم، والإرادة، والقدرة، وغيرها ويقولون: هو عالم بذاته، ولكن ليس له صفة اسمها العلم، وقادر بذاته، ولكن ليس له صفة اسمها القدرة، إلخ.
والمعركة بين المعتزلة وأهل السُّنَّة محتدمة حول هذه القضية، وأهل السُّنَّة يسمُّون المعتزلة «المعطِّلة» أي المعطلة لله تعالى من إثبات صفاته. والمعتزلة يتهمون السُّنة الَّذين يمثلهم الأشاعرة والماتريدية في وقتهم، بأنَّهم يثبتون «قدماء» مع الله سبحانه.
فأهل السُّنَّة جميعًا يعتبرون المعتزلة «مبتدعين» في اعتقادهم، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النَّار. ومن المقرر: أنَّ بدعة الأقوال أشد من بدعة الأفعال، بدعة الاعتقاد أشد من بدعة العمل. والمبتدع يعد «فاسقًا» ولكنَّه فسق تأويل، لا فسق سلوك وعمل.
ومعنى هذا: أنَّ الشيعة في نظر أهل السُّنَّة مبتدعون في عقيدتهم في شأن الألوهية. ولكن الاتجاه العام والسائد عند أهل السُّنَّة: أنَّهم لا يكفرون المبتدعين في العقائد، فلا يكفرون المعتزلة ولا المرجئة، ولا الجبرية، بل لا يُكفّرون الخوارج الَّذين صحت الأحاديث بأنَّهم يمرُقون من الدين كما يمرُق السهم من الرَّمِيَّة(8)، ويبقونهم على أصل الإسلام، ما داموا يقولون: لا إله إلَّا الله، محمَّد رسول الله، ويصلون إلى القبلة.
بل وجدنا من المحقِّقين من علماء السُّنَّة: من يعذر المجتهد إذا أخطأ، سواء في ذلك الأصول والفروع، في العقائد أو الأعمال، ما دام أهلا للاجتهاد، وما دام هو بذل جهده واستفرغ وسعه في تحري الحق وطلبه، ولكنَّه لم يهتدِ إليه. ولكن هذا وسعه؛ ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها.
بل هذا المجتهد عندهم مأجورٌ أجرًا واحدًا، لما بذله من جهد في الطلب، والله لا يُضِيع أجر من أحسن عملًا. وهذا هو رأي ابن تيمية ومن وافقه(9).
ولكن الشيعة ـ ولا سيما المتطرفين منهم ـ لا يكتفون بـ «تبديع» أهل السُّنَّة، أو «تفسيقهم» تفسيق التأويل، بل يكفّرونهم ويخرجونهم من الملة.
يقول نعمة الله الجزائري (ت: 1212هـ) في كتابه «الأنوار النُّعْمانيَّة» عن أهل السُّنَّة والجماعة: «إننا لم نجتمع معهم على إله، ولا على نبيٍّ، ولا على إمام. وذلك أنَّهم يقولون: إنَّ ربهم هو الَّذي كان محمد نبيَّه، وخليفته أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي. بل نقول: إنَّ الرب الَّذي خليفته (الصواب: خليفة نبيه) أبو بكر: ليس ربنا، ولا ذاك النَّبيّ نبينا»(10)!
وإذا كان جمهور أهل السُّنَّة في العقيدة أشاعرة، كما هو معلوم، أي يتبعون الإمام أبا الحسن الأشعري (ت: 324هـ)، فإنَّ الأشاعرة في نظرهم ـ كما هي عبارة الشيخ الجزائري المذكور ـ لم يعرفوا ربَّهم بوجهٍ صحيح، بل عرفوه بوجهٍ غير صحيح، فلا فرق بين معرفتهم هذه ومعرفة باقي الكفار، فالأشاعرة ومتابعوهم: أسوأ حالًا في باب معرفة الصانع، من المشركين والنَّصارى. ولقد تباينا وانفصلنا عنهم في باب الربوبية. فربنا من تفرد بالقدم والأزل، وربهم من كان شركاؤه في القدم ثمانية!
يقصدون صفات المعاني الَّتي أثبتها الأشاعرة، والماتريدية لله، وهي: العلم والإرادة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام، وأضاف الماتريدية: صفة التكوين.
وما يردده الجزائري هنا: ردده قديمًا المعتزلة، وقالوا: إنَّ النَّصارى كفروا بإثبات ثلاثة قدماء، فكيف بمن أثبت ثمانية؟! وتمحيص هذا القول والرد عليه لا يتسع له هذا المجال، ومجاله علم الكلام.
تقريب بين المذاهب أو بين الفرق:
والتقريب المطلوب أو المنشود بين من يكون؟
عناوين جماعات التقريب ومؤتمرات التقريب، كلها تقول: التقريب بين «المذاهب الإسلاميَّة».
وأرى أن هذا التعبير غير دقيق في دلالته على المقصود؛ إذ إنَّ كلمة «المذاهب» أمست مصطلحًا دالًّا على «المدارس الفقهيَّة» مثل المدارس السنية الأربع المعروفة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، يُضاف إليها مذهب الظاهرية، ومثلها: مذاهب الزيدية، والجعفرية، والإباضية.
والاختلاف بين هذه المدارس أو المذاهب يدور كله حول الأحكام الفرعية والعمليَّة، ممَّا لا يتصل بالعقائد وأصول الإيمان، أو أصول الدين.
وليس أحد من علماء الأمَّة يقيم مشكلة من أجل الخلاف الفقهي، فقد اختلف الصحابة بعضهم مع بعض، واختلف تابعوهم بعضهم مع بعض، واختلف الأئمَّة المتبوعون بعضهم مع بعض، ولم يجرِّح أحد أحدًا، بل اختلفت آراؤهم، ولم تختلف قلوبهم، وصلى بعضهم وراء بعض، وقال منهم من قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. بل هناك من صوَّب رأي جميع المجتهدين في الفروع، ورأى أنَّ الصواب يمكن أن يتعدد. وهم الَّذين يسمونهم في أصول الفقه: «المُصَوِّبة»(11).
وأنا بالفعل قد صلى ورائي عدد من علماء الشيعة حينما زرت إيران في سنة 1998م، وصليت أنا وراءهم في مسجدهم بمدرسة الإمام الخميني في «قُم» حين قامت صلاة الجماعة.
فالاختلاف الفروعي أو الفقهي أو العملي ليس هو المؤثر في العلاقة بين السنَّة والشيعة، إنَّما هو «الخلاف العقدي» الَّذي تحدثنا عنه من قبل في كلامنا عن «التقريب». وهو الخلاف الَّذي بسببه نشأت «الفرق» المختلفة من معتزلة وجبرية، ومرجئة وشيعة، وخوارج وأشعرية، وماتريدية وسلفية وغيرهم.
ولهذا يجب أن يكون عملنا ـ إذا أمكن ذلك ـ هو «التقريب بين الفرق لا بين المذاهب» فالمذاهب لا تحتاج إلى تقريب. وإذا تساهلنا وقلنا: «المذاهب» فإنَّما نقصد «المذاهب الاعتقادية» لا الفقهيَّة.
وإن كان أساس هذه التسمية «الفرق» هو الحديث المشهور في افتراق الأمَّة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النَّار إلَّا واحدة. وهو لا يثبت عندي، لا سندًا ولا متنًا. وقد بينت ذلك في كتابي: «الصحوة الإسلاميَّة بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم». وفصلت أقوال عدد من المحقِّقين من علمائنا رووا الحديث، ولم يسلموا بقبوله. منهم: ابن حزم، وابن الوزير، والشوكاني وغيرهم.
وقال الإمام ابن حزم: إنَّ زيادة «كلُّها في النَّار إلَّا واحدة» موضوعة(12). وقال الإمام ابن الوزير: احذر زيادة «كلُّها في النَّار إلَّا واحدة» فإنَّها من دَسِيس الملاحدة(13).
ولكن الحديث شاع وانتشر، وألفت على أساسه كتب في «الفِرَق» و«الفَرْق بين الفِرق». وكان من المقررات الَّتي كنَّا ندرسها في كلية أصول الدين: تاريخ الفرق الإسلاميَّة. وحاول كثيرون إحصاء هذه الفرق الثلاث والسبعين، وتكلفوا ما تكلفوا في ذلك.
والمهم: أنَّ الحديث نسب جميع الفرق ـ حتَّى المنحرفة منها ـ إلى الأمَّة، «ستفترق أُمَّتي» فلا يجوز إخراج بعضها من الملَّة، إلَّا بقاطع شرعي.
ولهذا أرى أن التركيز ـ فيما يقوله بعض المتحدثين عن التقريب ـ على تدريس «الفقه المقارن» في الجامعات الدينية المختلفة، ليس هو الَّذي يحل المشكلة الفِرَقيَّة أو الطائفية، ويؤدي إلى التقارب أو التقريب الحقيقي، لا الشكلي أو الكلامي. وإنَّما هو أمر أبعد من ذلك، كما سنرى.
مفهوم التقريب الَّذي ننشده:
ما المراد إذن بكلمة «التقريب» حينما نذكرها؟
هل المراد بها: أن تترك كل جماعة معتقداتها ومفاهيمها الأساسية، وتتنازل عنها لتكسب الجماعة أو الجماعات المخالفة لها؟
وبعبارة أخرى: أن يتنازل الشيعي عن شيعيته واعتقاداته ومسلَّماته الدينية والفكرية من أجل خاطر أهل السُّنَّة؟ أو يتنازل السني عن معتقداته الدينية، ومسلّماته الفكرية، وأصوله العقدية، ليكسب قرب الشيعة منه، ووقوفهم إلى جانبه؟!
أعتقد أنَّ هذا التصور ليس واردًا في ذهن أحد من الفريقين: السنَّة أو الشيعة، وأن أحدًا منهما لا ولن يتنازل عن معتقداته ومسلماته لأي هدف كان. فإن المعتقدات الدينية يضحي الإنسان في سبيلها بنفسه وماله، وأهله ووطنه وكل عزيز عليه؛ دون أن يفرط فيها.
التقريب المنشود: هو تقريب أتباع المعتقدات أو المذاهب أو الفرق بعضهم من بعض، وغرس مفاهيم التسامح بينهم، وتوسيع نقاط الاتفاق بين الطرفين ما أمكن ذلك، وقد وضعت في كتابي «الصحوة الإسلاميَّة بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم» عدَّة مبادئ للتقريب بين المختلفين، كما وضعت في كتابي الآخر: «مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلاميَّة» عشرة مبادئ أو قواعد تؤسس وتؤصل لفكرة التقريب والإصلاح.
ومما قلته في مقدمة هذا الكتاب: ليس المقصود بالتقريب أن يتنازل السني عن سنيته، ويندمج في مذهب الشيعي، ولا أن يتنازل الشيعي عن شيعيته، ويندمج في مذهب السني؛ لأنَّ المذاهب ـ أي الاعتقادية ـ الَّتي استمرت منذ قرون، وتوارثها الأبناء عن الآباء، والأحفاد عن الأجداد، والخلف عن السلف، ونشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير: ليس من السهل أن يتخلى عنها أصحابها بمقالة تُقرأ، أو بخطبة تُلقى، أو ببحث يُكتب، أو بندوة تُعقد!
إنَّما المطلوب من الحوار والتقريب هنا: تصفية الأجواء ممَّا يكدرها من أسباب التوتر وسوء الظن، وفقدان الثقة بين الفريقين، ممَّا يمكن أن يؤدي ـ إذا تفاقم واستمر ـ إلى فساد ذات البين، وفساد ذات البين ـ كما جاء في الحديث ـ «هو الحالقة، لا تحلق الشَّعْر، ولكن تحلق الدِّين»(14).
ولا أحسب أحدًا ـ سنيًّا كان أم شيعيًّا ـ يحبُّ أن يحلق دِينَه كما يحلق الموسى الشَّعر، بل كل منهما يحبُّ أن يكون دينه محفوظًا موفورًا(15).
التقريب المنشود: ليس هو الَّذي يقوم على مبدأ «التَّقيَّة»:
وإن التقريب المنشود: ليس هو الَّذي يقوم على مبدأ «التَّقيَّة» المقرَّر عند إخواننا الشيعة؛ لأنَّ هذا إذا اتَّخذ أساسًا في التعامل بين دعاة «التقريب» لا يؤدِّي إلى الثقة والاطمئنان بين الأطراف بعضها وبعض، وخصوصًا بالنسبة لأهل السُّنَّة؛ إذ ما يدريني أنَّ الَّذي يُتَّفق معي عليه إنَّما تمَّ «تقيَّة»! إذ التقيَّة تجيز أن تُظهر غير ما تُبطن، وأن تُعلن عن شيء، وأنت غير مؤمن به على الإطلاق.
وأصل مبدأ «التقيَّة» مأخوذ من القرآن الكريم، في قوله تعالى:﴿لَا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾[آل عمران: 28].
ولكن القرآن ذكر التُّقاة ـ أو التقيَّة ـ مع الكفَّار لا مع المسلمين.
وجعلها رخصة على سبيل الاستثناء للضرورة، ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ﴾، وما جاء للضرورة وعلى سبيل الاستثناء لا يجوز أن يصبح مبدأً، أو قاعدة للتشريع أو للتربية والسلوك.
كما في قوله تعالى:﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾[النحل: 106].
التقريب المنشود: هو الَّذي يبتعد عن التكفير:
ولهذا لا يجوز أن ندعو إلى التقارب أو التضامن ـ بلْه الاتحاد ـ وبعضنا يؤمن بكفر الآخر كفرًا صريحًا، وكتبه تتضمَّن ذلك بوضوح وجلاء. فكيف أضع يدي في يدك، وأعتبرك أخًا لي، وتعتبرني أخًا لك: وأنت في قرارة نفسك تؤمن بأن لا رابطة بيني وبينك، وأن ما يجمعنا شيء واهٍ ضعيف، وأما ما يفرِّق بيننا فشيء كثير كثير، وكبير كبير، وأن المشرك أو اليهودي أو النصراني أقرب إليك مني؟!
إنَّ الفكر التكفيري فكر خطر، وهو أبعد ما يكون عن التقريب. فإن من يُكَفّر أحدًا يُخرجه من الملَّة، ويسلَخه من الأمَّة، فكيف يقترب منه؟
والتكفير موجود عند الطائفتين، وليس عند أهل السُّنَّة فقط، كما يذكر بعض الشيعة، بل إن التكفير عند الشيعة أبشع وأقوى ممَّا عند أهل السُّنَّة. وقد ذكرنا من قبل نموذجًا منه. وهناك نماذج أصرح وأقبح. ولا سيما ما يتعلق بإنكار الإمامة والعصمة.
وكان أبعد النَّاس عن التكفير: سيدنا علي بن أبي طالب 3 ، فلم يُكفّر أصحاب الجمل، ولم يُكفّر أهل صِفّين، ممَّن قاتلوه وبغوا عليه.
بل لم يُكفِّر الخوارج الَّذين كانوا يُكفِّرونه، واستباحوا أخيرًا دمَه. سُئل عنهم: هل هم كفَّار؟ قال: من الكفر فروا. قيل: هل هم منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلَّا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم(16)! فلم يصفهم بأكثر من البغي، 3 . ما كان أبلغه وأصدقه وأعظم إنصافه. وهذا شأن المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل.
التقريب المنشود: الَّذي يتبنى فكر أهل الوسط:
لا بدَّ لنا من أن نتبنى إشاعة فكر أهل الوسطية والاعتدال من الفريقين، مثل أفكار المرجع الشيعي المعروف العلامة السيد محمَّد حسن فضل الله، في تفسيره، وفي كتبه المختلفة، الَّذي يفنِّد فيها الروايات المكذوبة على الصحابة، وفي تفسير القرآن، ويردُّها بالمنطق العلمي الرصين، الَّذي يقوم على النقل الصحيح، وعلى العقل الصريح.
وإن كنَّا نأسف أن وجدنا من الشيعة مَن تخصص في الردِّ عليه، والتشويش على آرائه واتهامه بما لا يليق، حتَّى وجدنا موقعًا على الإنترنت، تحت عنوان «ضلال نت» يتعقَّب مقولات وآراء فضل الله بالتسفيه والردِّ والإنكار.
ومن ذلك: ردُّه على ما قيل من أنَّ السيدة فاطمة الزهراء # ماتت شهيدة مقتولة، وأنَّ الَّذي قتلها هو عمر بن الخطاب، ألصقها بالباب، فدخل مسمار في ظهرها، فكان هو سبب موتها، فأيّ باب هذا الَّذي فيه هذا المسمار؟ وهل كانت الأبواب في عصرهم على هذا النحو؟ إنَّما كانت ستورًا تُرخَى. ثمَّ كيف سكت زوجها سيدنا علي 3 على هذه الجريمة، وهو فارس الأمَّة المغوار، وسيف الإسلام البتَّار؟! بل كيف يصاهره بعد ذلك، ويزوجه من ابنته أم كلثوم وبنت فاطمة؟!
ويسرني أن أسجل هنا كلمة حكيمة قالها أحد رجال الشيعة الواعين المخلصين، ذلكم هو الأستاذ «كامل مروّة» مؤسس صحيفة «الحياة» اللبنانية. فقد زارنا في قطر في أوائل السبعينيات من القرن الماضي (العشرين) والتقاني وعددًا من العلماء والدعاة في قطر، وتحدثنا عن الخلاف بين السنة والشيعة، وإمكانية التقريب بين الفئتين: هل هي مرجوة أو مستحيلة؟ وماذا يرى بحكم تجربته في الصحافة والسياسة واختلاطه بالفريقين؟
وكان جواب الرجل غاية في الحكمة وإصابة المحزّ، فقد قال: كنَّا أمَّة واحدة خلف رسول الله ﷺ ؛ لا سنة ولا شيعة ولا غيرها، حتَّى نزل قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا﴾[المائدة: 3]. ثم حدث الاختلاف بعد ذلك، أي بعد أن كمل الدين وتمت به نعمة الله على الأمَّة.
فخلافنا بعد ذلك، كان على التاريخ، من أحق ممّن؟ ونحو ذلك. وهذا كله تاريخ قد يفرقنا ولا يجمعنا، أمَّا الَّذي يجمعنا فهو القرآن الكريم، وتعاليم الإسلام العظيم، الَّذي نؤمن جميعًا بأنَّ الله جل شأنه أكمله لنا، وأتمَّ به النعمة علينا، ورضيه لنا دينا.
هذا ما قاله هذا الرجل الحكيم، وإنه لَحَقٌّ، فكل خلافاتنا إنَّما نشأت بعد إكمال الدين، وتمام نزول القرآن، وهي خلافات على أمور تاريخية، لم نشهدها ولم نشارك فيها، ويسعنا فيه قول الله تعالى:﴿تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[البقرة: 134].
لكي يؤتي التقريب أُكُلَه:
وأودُّ أن أبيِّن هنا بكلِّ جلاء: أنَّ التقريب ـ لكي يثمر ويؤتي أُكله ـ لا بدَّ فيه من المصارحة والمكاشفة، ووضع النقاط على الحروف، ووضع الأيدي على مواضع الجراح النازفة، وكشف المستور من الحقائق والوقائع، الَّتي تنخر في عظام التقارب الحقيقي، وتضع عوائق بين الفريقين يصعب تجاوزها.
وقد تحدثتُ عن ذلك في كتابي «مبادئ في الحوار والتقريب»، ولا بدَّ لي من تكرار الحديث عن هذا الأمر، وإن كنتُ ممَّن يكرهون التكرار. ولكن إذا كان في التكرار لفت الأنظار، وتأكيد الأفكار، وإشاعة الأنوار، فلا بأس به.
ومن ذلك:
• أن يتجنب بعضنا تكفير بعض، فتكفير المسلم خطيئة كبيرة، لا يجوز للمسلم أن يتورط فيها، إلَّا ما كان كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان.
والأصل: أنَّ من قال: «لا إله إلَّا الله، محمَّد رسول الله» فهو مسلم، وقد عصمت هذه الكلمة دمه وماله وحسابه على الله، كما صحَّ في الحديث(17). ومن دخل الإسلام بيقين لا يخرج منه إلَّا بيقين، واليقين لا يزال بالشك. فكيف يكفِّر المسلم المسلم، وهو يراه مصلِّيًا صائمًا مزكِّيًا حاجًّا، قارئًا للقرآن، ذاكرًا لربه. أليست هذه كلُّها دلائل على إسلامه؟!
ومما لا ينكره منكر: أنَّ هناك تكفيريين من أهل السُّنَّة، يكفرون الشيعة ويخرجونهم من الملة، لاعتبارات عندهم. ولكن هؤلاء التكفيريين ـ كما يسمونهم ـ لا يكتفون بتكفير الشيعة، بل يكفرون كثيرًا ممَّن يخالفونهم في وجهتهم من أهل السُّنَّة، ومن علمائهم. وربَّما أصابني وأصاب بعض إخواني شواظ من نارهم.
ولكنَّ هناك تكفيريِّين معروفين عند أهل الشيعة، يستمدُّون تكفيرهم من مصادرهم الشيعيَّة المعتمدة، ومن مراجعهم المعتبرين، وكثير منهم يكفرون أهل السُّنَّة، جملة وتفصيلًا. وبعضهم يعتبرهم «نجسًا» وأنَّهم أكفر من المشركين، ومن اليهود والنَّصارى.
فلا بد لدعاة التقريب من الشيعة: أن ينكروا هذه النزعة التكفيرية المغالية، وألَّا يجعلوا هؤلاء المكفِّرين مراجع لهم يعتمدون عليها، ويستندون إليها.
• ومن المصارحة المهمَّة هنا، ما ذكرتُه من قبل، وهو: البعد عن مبدأ «التقيَّة» الَّذي هو مبدأ شيعي أصيل في مذهبهم. لأن دخول «التقيَّة» في العلاقات الكبيرة، يُسقط الثقة بكل ما يُقال، وما يُتَّفق عليه؛ إذ ربَّما كان ذلك من باب التقيَّة!
• ومن المصارحة المطلوبة: أن نعترف بالحقائق القائمة على وجه الأرض، مثل ما يجري في العراق باسم: «فِرَق الموت»! الَّتي تقتل النَّاس على الهُويَّة، وتقتل كل من اسمه عمر أو عثمان! وتذبح النَّاس في بيوتهم، وتخطفهم من بين أهليهم، ويرى النَّاس رؤوسهم بعد ذلك في الخرائب أو في الطرقات.
وأدهى من ذلك وأمر: أن يرى النَّاس آثار «التعذيب» الوحشي في أجسادهم، بما تقشعر منه الأبدان. وإذا كان الإسلام قد نهى عن المثلة بالقتلى من المشركين في الحرب، فكيف نجيز التمثيل بأجساد الأحياء من المسلمين في غير حرب؟!
• ومثل محاولات الاختراق المتكررة للمجتمعات السنية بنشر المذهب الشيعي فيها. وهو غير ما نادى به الحكماء والعقلاء من علماء الفريقين، مثل الإمام محمَّد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، الَّذي دان هذا التوجه، وأنكره بشدة، وأعلن موقفه منه بصراحة وجلاء. 5 .
• ومن ذلك: وقف الحملات الإعلامية، الَّتي تهاجم السنة، وتدعو إلى التشيع علنًا، عن طريق القنوات الفضائية الكثيرة المنتشرة المدعومة! الَّتي لا هم لها إلَّا التشويش على الإسلام السني، الَّتي تدين به جماهير الأمَّة، وهي قنوات باتت معروفة لدى المتابعين.
التقريب على المحك:
وأود أن أصارح الجميع هنا بحقيقة لا يجوز إخفاؤها.
وهي أنَّ «التقريب» اليوم على المحك. التقريب في امتحان خطير.
أجل إنَّ فكرة التقريب، ودعاة التقريب، وجماعات التقريب، ومؤسسات التقريب: تواجه اليوم امتحانًا خطيرًا، قد ترسَّب فيه الفكرة وينتهي دورها، إذا لم يتدارك المؤمنون بها والمتحمسون لها أنفسهم ومؤسساتهم.
إنَّ «التقريب» على المحكِّ، فإمَّا أن يثبت وجوده على أرض الواقع، ويقوم بدور ملموس فيما قام لأجله، وينتصر على دعاة الطائفية والعصبية الجاهليَّة، وموقدي الفتن، ومشعلي الحرائق، وإمَّا أن تنفضّ سوقه، وتنطفئ شعلته، وتتفرق جماعته، ويصبح أثرًا بعد عين، أو خبرًا بعد أثر.
وكل المسلمين يطلبون من دعاة التقريب والمتحمِّسين له أمورًا عدَّة:
الأول: التكاتف لإخماد نار الفتنة العراقية، الَّتي تنذر بحرب طائفية لا تبقي ولا تذر، وقد يصعب إطفاؤها إذا اندلعت، وتطاير شررها، وامتد لهيبها، واشتعل أوارها، واتسع نطاقها.
وهذه الحرب ليس فيها منتصر ومنهزم، بل كلنا فيها منهزمون، حتَّى وإن ظن بعضنا أنه انتصر! المنتصر الوحيد في هذا المقام هو: الكيان الصهيوني (دولة إسرائيل) ومعه أمريكا وغيرها من القوى المعادية للإسلام وأمته وحضارته.
لقد عاش العراق شعبًا واحدًا، في وطن واحد، وفي ظل حكومة واحدة، قرونًا طويلة، وكانت العشيرة الواحدة تضمُّ في رجالها السنيَّ والشيعيَّ، بل كانت الأُسرة الواحدة تضمُّ الطرفين. فقد كانت المصاهرة متوارثة بينهم.
فما الَّذي جرى اليوم؟ هل كانت عهود العلمانيين أكثر تسامحًا، وأقل تشدُّدًا من الأحزاب الَّتي تنتسب إلى شعارات دينية، واتجاهات دينية. مثل المجلس الأعلى للثورة، ومثل التيار الصدري، ومثل حزب الدعوة، وغيرها من التجمعات الدينية الشيعية، الَّتي أصبحت متهمة لدى الكثيرين بأن لها عصابات مسلحة، تقتل النَّاس على الهوية، وكل من كان اسمه أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عائشة يقتل فورًا. وأكثر من ذلك أنَّها تعذبهم قبل موتهم بألوان من العذاب، لم يلقَ الصحابة مثله من طغاة المشركين وعتاة الكفار!
إنَّ «فِرَق الموت» الَّتي تقتل النَّاس في بيوتهم وعلى أسرة نومهم، أو تخطفهم، ثمَّ تلقي رؤوسهم في الشوارع أو الخرائب، ولهم في كل يوم ضحايا بالعشرات بل المئات: على من يحسبون، وإلى من يُنسبون؟ وهم يرتدون زي الشرطة، ومعهم أسلحة الشرطة، ولهم سطوة الشرطة، ولا أحد يقف في طريقهم، وكثيرًا ما يسوقون أسراهم إلى سجون الحكومة!
والثاني: التوقف عن التبشير بالمذهب في بلاد المذهب الآخر. وهذا ما ذكرته للإخوة في إيران حينما زرتهم سنة 1998م. وهو ما نادى به أهل العقل والحكمة من علمائهم الكبار ممَّن لهم وزنهم وقدرهم، مثل الإمام محمَّد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان 5 ، والعلامة السيد محمَّد حسين فضل الله، المرجع الشيعي الكبير.
ولقد قلت لعدد من مراجعهم في إيران أثناء زيارتي لها: لن يستقيم أمر التقريب بيننا وبينكم إذا كنتم تريدون أن تفتنوا أبناءنا عن عقيدتهم، أو نقوم نحن بتحويل أبنائكم عن عقيدتهم، فهذا يفسد الود بيننا، ويزرع المخاوف في الأفئدة، ولا يجعل الثقة تأخذ امتدادها بين الطرفين.
ثم ماذا يفيدكم أن تدخلوا بلدًا سنيًّا كاملًا، كل أهله شافعية أو مالكية، أو نحو ذلك، فتستدرجوا بعض أبنائه ـ بوسيلة أو أخرى ـ حتَّى يدخل في عقيدتكم، وإني أسألكم: كم تكسبون: عشرة أو عشرين؟ مائة أو مائتين؟ ألفًا أو ألفين؟ يمكن أن يقع ذلك بطرق لا تخفى على اللبيب، كما يفعل ذلك التبشير النصراني في بلاد المسلمين.
ولكن حينما يكتشف المجتمع السني ذلك: سيكرهكم ويحقد عليكم، ويصب جام غضبه عليكم، وسيذمكم ويلعنكم ويكيل لكم الاتهامات ما صحَّ منها وما لم يصح، في هذا الجو المشحون بالتوتر والسخط والثورة.
وقد كان صديقنا الشيخ آية الله التسخيري حاضرًا، وأيَّدني في هذا القول، وقال: صدقت، وحكى قصة مع الإخوة السودانيِّين (ثورة الإنقاذ) تدلُّ على خطر محاولة نشر التشيُّع في أوطان أهل السُّنَّة.
ومثل هذا قائم في نشر التسنن في بلاد الشيعة، ولكن هذا قد يحدث على مستوى فرديٍّ محدود، أمَّا ما يجري من نشر التشيع، فهو أمر مخطط، له رجاله، وله ماليته، وميزانيته المفتوحة، وله برامجه وأهدافه ووسائله، وهو أمر معروف لكل من له صلة بالثورة الإيرانية، وهو ملموس في خارج إيران.
والثالث: ما يتعلق بسبِّ الصحابة @ ، فقد قلت ولا أزال أقول: إن من المستحيل أن نتقارب، والمسافة بيننا شاسعة في النظر إلى الصحابة، وخصوصًا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، بنص القرآن الكريم في سورة التوبة: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]. حتَّى إن الآية الكريمة لم تقصر الثناء عليهم، بل أضافت إليهم «الذين اتَّبعوهم بإحسان» ولا ريب أن من هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين: أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير @ . وهم الَّذين جاء فيهم قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٥٨ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًۭا يَرْضَوْنَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌۭ﴾ [الحج: 58، 59]، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحشر: 8]. فهؤلاء هم الصادقون بنص القرآن، وقد أمرنا الله في كتابه أن نكون أبدًا مع الصادقين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
وهؤلاء هم الَّذين بايعوا النَّبيّ تحت الشجرة على الموت في سبيل الله، ونزل فيهم قوله تعالى:﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًۭا قَرِيبًۭا﴾[الفتح: 18].
وهم الَّذين شهدوا المشاهد مع رسول الله في بدر وفي أحد وفي تبوك وغيرها.
وهم الَّذين شهدت لهم سورة الأنفال:﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا﴾[الأنفال: 74].
وهم الَّذين ينطبق عليهم قوله تعالى:﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾[الأعراف: 157].
وهم الَّذين نزل فيهم قوله 8 :﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ ٦٢ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ﴾[الأنفال: 62، 63].
فهم المؤمنون الَّذين نصر الله بهم رسوله 0 : ، وأعز بهم دينه.
وهم الَّذين شهد القرآن لهم جميعًا بأن لهم الحسنى عند الله، وإن كان للسابقين فضل سبقهم، كما قال تعالى:﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَٰتَلَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةًۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعْدُ وَقَٰتَلُواْ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾[الحديد: 10].
حتى الَّذين وقع منهم خطأ في بعض الغزوات، مثل الَّذين فروا في أحد بعد إشاعة موت رسول الله: أعلن القرآن أن الله تعالى عفا عنهم، كما قال سبحانه:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ﴾[آل عمران: 155].
وهم الَّذين شهدت لهم الآية الأخيرة من سورة الفتح:﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًۭا سُجَّدًۭا يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا ...﴾[الفتح: 29].
هؤلاء الَّذين شهدت لهم آيات القرآن الكريم، وشهدت لهم أحاديث الرسول العظيم، شهد لهم التاريخ بما لم يشهد لمثلهم.
شهد لهم أنَّهم هم الَّذين حفظوا لنا القرآن المجيد، ونقلوه إلينا سالما من كل تحريف، محفوظًا من كل تبديل.
وهم الَّذين رووا لنا الأحاديث النبويَّة، والسنن القولية والفعليَّة والتقريرية، ونقلوا لنا سيرة الرسول وحياته جامعة مفصلة، بما لم يهيأ لنبي ولا لعظيم من قبله.
وهم الَّذين بلغوا الإسلام إلى العالم، وفتحوا الفتوح، وقاوموا بسيوفهم الجبابرة المتسلطين على الخلق، ونصرهم الله على الأكاسرة والقياصرة، لينشروا عدل الله في الأرض.
وهم ـ بمقتضى المنطق والفطرة ـ أقرب النَّاس إلى نور النبوة، والتتلمذ عليها، والاستمداد منها، والتأثر بها، والاقتداء بسناها، والاهتداء بهداها. وكان لهم في رسول الله الأسوة الحسنة، فكانوا نعم التلاميذ لنعم المعلّم. وحسبك أنَّهم التصقوا باسمه، فيقال: أصحاب محمد!
فكان هؤلاء الصحابة الكرام ـ بحكم القرآن والسُّنَّة والتاريخ والمنطق ـ أفضل جيل عرفه التاريخ، ولا ريب، فهم تلاميذ سيد البشر، وثمرة تربيته، وغرس يده، ومن طعن فيهم، فكأنَّما طعن في أستاذهم ومربيهم ﷺ ، وخصوصًا من كانوا أقرب إليه، وأخصهم به، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وقد قال الإمام مالك 5 عن القادحين والطاعنين فيهم: إنَّما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النَّبيّ عليه الصَّلاة والسلام؛ فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتَّى يُقال: رجل سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين(18).
فلا يمكن أن يتم تقريب فعلي بين السنَّة والشيعة، إذا ظلت عقدة البغض الأسود هي الَّتي توجه السلوك نحو أصحاب محمَّد عليه الصَّلاة والسلام.
نعم، لا يمكن أن نلتقي وأنا أقول: أبو بكر 3 ، وعمر 3 ، وأنت تقول: أبو بكر لعنه الله، وعمر لعنه الله؛ إذ ما أعظم الفرق بين «رضي الله عنه»، وبين «لعنه الله»!
وأختم كلمتي بهذا الدعاء:﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ﴾[الحشر: 10].
1. انعقد المؤتمر في 1 ـ 3 محرم 1428هـ الموافق 20 ـ 22 يناير 2007م.
2. راجع كتابنا: كلمات صريحة في التقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية صـ 8 ـ 39، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1، 1428هـ ـ 2007م.
3. علماء الشيعة المحققون يقررون أن هذه الشهادة لم تثبت عندهم، ولكنهم يسكتون عليها، خشية هياج العوام.
4. أصول الكافي للكليني (2/434)، نشر دار المرتضى، بيروت، ط 1، 1426هـ .
5. السابق (2/434).
6. السابق (2/435).
7. الكافي للكليني (8/271)، تحقيق على أكبر الغفاري، نشر دار الكتب الإسلامية بطهران، ط 3، 1388هـ .
8. سبق تخريجه صـ 170.
9. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/19 ـ 36).
10. الأنوار النعمانية (2/279)، نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت.
11. انظر: البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (8/292، 293)، نشر دار الكتبي، ط 1، 1414هـ ـ 1994م.
12. الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (3/138).
13. العواصم والقواصم لابن الوزير (3/170 ـ 172)، تحقيق شعيب الأرناؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3، 1415هـ ـ 1994م، وانظر: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم صـ 34 ـ 39.
14. رواه أحمد (1412)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف لانقطاعه. والتِّرْمِذي في صفة القيامة (2510)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2122)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/61): حسن لغيره. عن الزبير بن العوام.
15. انظر: مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب صـ 13، 14، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 2، 1428هـ ـ 2007م.
16. رواه ابن أبي شيبة في الجمل (38918)، والبيهقي في قتال أهل البغي (8/173).
17. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (1399)، ومسلم في الإيمان (20)، عن عمر.
18. انظر: الصارم المسلول لابن تيمية (1/581)، تحقيق محمد عبد الله الحلواني ومحمد شودري، نشر دار ابن حزم، بيروت، ط 1، 1417هـ .