المقالات

❓ فضائل الصحابة

📅 2026-06-05 👁 949 مشاهدة

نص السؤال:

نرجو أن تلقوا بعض الضوء على موضوع الفتنة الكبرى الَّتي وقعت بين الصحابة الكرام، وخصوصًا موقعة الجمل، وموقف كل من أم المؤمنين السيدة عائشة، والإمام علي، والصاحبين الجليلين طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين.
(س. م)
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أولًا: يجب أن نحسن الظن بالصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فهم الَّذين نقلوا الإسلام إلى العالم، ونقلوا العالم إلى الإسلام، هم تلاميذ المدرسة النبويَّة، تخرجوا في مدرسة رسول الله ، ورضعوا من لبانها، ونقلوا للأمَّة سننه ، ونقلوا إلينا القرآن الكريم، وهم الَّذين فتحوا الفتوح، وكان بسببهم دخول الإسلام إلى البلاد المختلفة.
الله تعالى علَّم رسوله  ، ورسوله علَّم الصحابة، والصحابة علموا الأمم والشعوب الإسلام، فالصحابة هم خط الدفاع الأول عن الإسلام، ولذلك الطعن في الصحابة أو إساءة الظن بهم: معناه إساءة الظن بتربية رسول الله  ، كأننا نقول للنبي  : أنت لم تحسن أن تربي أصحابك، حتَّى كبار أصحابك الَّذين أحسنتَ بهم الظن ومدحتَهم وأثنيتَ عليهم، لم يكونوا كما طننتَ.
لذا فعلينا أن نحسن الظن بالصحابة، وما وقع بينهم نحمله على الاجتهاد منهم، والمؤمن إذا تحرى واجتهد فهو مأجور على اجتهاده وإن أخطأ فيه، وإن لم يؤجر فهو معذور؛ لأنَّ خطأه نتيجة اجتهاد، خصوصًا في عصور الفتن الَّتي تختلط فيها الأمور وتلتبس بعضها ببعض، يلتبس الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، ولا تتبيَّن إلَّا بعد ذهابها.
والفتنة الَّتي كانت بين الصحابة دخل فيها عناصر معادية للإسلام، مثل عبد الله بن سبأ وغيره، فالذي أريد أن أؤكده: أن هؤلاء الصحابة هم خير أجيال الأمَّة، بل هم خير أجيال البشرية جميعًا، لم يعرف لنبي من الأنبياء أو لرسول من الرسل مثل هذا الجيل النموذجي المثالي، الَّذي للنبي محمَّد .
أصحاب موسى قالوا لموسى: ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ[المائدة: 24]. بينما أصحاب محمَّد قالوا له يوم بدر: والله يا رسولَ الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهبْ أنت وربك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا، إنَّا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، حتَّى يفتح الله عليك(1).
وقالوا: يا رسولَ الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسولَ الله لِمَا أردتَ فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه لخضناه معك ما تخلَّف منَّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنَّا لصُبُر في الحرب، صُدُق في اللقاء، لعلَّ الله يريك منَّا ما تقر به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله(2).
هؤلاء الصحابة الأبطال الَّذين لم ترَ عين الدنيا مثلهم، هم جيل نموذجي في مجموعه، نقرأ في «طبقات ابن سعد»، أو في كتب السير، أو في الأحاديث، أو في كتب الصحابة: «أسد الغابة»، أو «الإصابة»، أو «الاستيعاب»، أو في كتاب «حياة الصحابة» للكاندهلوي، فنرى نماذج رائعة، ولا عجب أن أثنى الله تعالى عليهم في كتابه في آيات شتَّى، ففي أواخر سورة الأنفال قال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٧٤ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنكُمْ[الأنفال: 74 ـ 75]. وفي سورة التوبة: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ[التوبة: 100]. حتَّى الَّذين اتبعوهم أصابهم قبس من نورهم، فكان لهم فضل، ولذلك نقول نحن: اللهمَّ ارضَ عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان. كما أمرنا الله في كتابه حين قال:﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ[الحشر: 10].
وفي آخر آية من سورة الفتح:﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًۭا سُجَّدًۭا يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۢا[الفتح: 29].
وفي سورة الحشر مدح المهاجرين والأنصار:﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ[الحشر: 8 ـ 9].
القرآن مليء بفضل الصحابة، فلا يمكن أن يثني القرآن على جماعة متهمين أو في موضع التهمة، هؤلاء هم خير أجيال الأمَّة، وكما جاء في الحديث الصحيح: «خير النَّاس قرني، ثمَّ الَّذين يلونهم، ثمَّ الَّذين يلونهم»(3). وهذا حديث مستفيض عن عدد من الصحابة.
فأقول للأخ السائل: يجب أن تعلم أن الصحابة هم أفضل الأمَّة، وما أخطؤوا فيه مغفور لهم، وتشفع لهم سوابقهم وحسناتهم، كما قال النَّبيُّ لعمر بن الخطاب حينما قال في شأن حاطب بن أبي بلتعة: دعني أضرب عنقه فقد نافق، حينما أرسل حاطب برسالة إلى أهل مكة يخبرهم أنَّ النَّبيَّ سيفتح مكة، وأنه قد أعد جيشًا عظيمًا، فقال سيدنا عمر: يا رسولَ الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النَّبيُّ لعمر: «إنَّه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعلَّ الله اطَّلع على من شهد بدرًا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!»(4). فما بالك بطلحة والزبير وهما من أهل بدر، ومن أهل أحد، ومن أهل بيعة الرضوان، الَّذين جاء فيهم قول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًۭا قَرِيبًۭا﴾ [الفتح: 18]. ومن العشرة المبشرين بالجنة؟!
فهؤلاء الصحابة في موضع المغفرة، وسوابقهم تشفع لهم، فهم السابقون الأولون.
وما بالكم بعائشة # أمُّ المؤمنين، الصديقة بنت الصِّدِّيق، حبيبة رسول الله ، المبرَّأة من فوق سبع سماوات؟
وهذه الفتنة ـ كما قلتُ ـ دخلت فيها عناصر معادية للإسلام ولأهله، وتسببت فيما حدث، ونحن نقول كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالي، حينما سئل عن هذه الفتن وما جرى فيها من دماء، فقال: تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتنا(5)،﴿تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ[البقرة: 134].
← العودة لقسم 5- الفرق الإسلامية