المقالات

❓ سبُّ الصحابة رضي الله عنهم

📅 2026-06-05 👁 921 مشاهدة

نص السؤال:

نعرف أنَّ سماحتكم من دعاة التقريب بين الفرق والمذاهب الإسلاميَّة، ولا سيما بين السنَّة والشيعة الإمامية الاثني عشرية، ونريد هنا أن نسأل سماحتكم سؤالًا صريحًا، نرجو أن تجيبوا عنه بصراحة بعيدة عن الدبلوماسية، وهو: كيف يتَّفق التقريب بين الفريقين، مع كراهية الشيعة للصحابة @ ، وسبهم ولعنهم؟ وخصوصًا أبا بكر وعمر وعثمان، وعائشة والزبير وطلحة @ ، ولهذا لا يسمون أولادهم بهذه الأسماء أبدًا، إلَّا أن يوصف ذلك لامرأة لا يعيش لها ولد، أو نحو ذلك.
فما حكم سبِّ هؤلاء الصحابة الكرام، الَّذين أيد الله بهم رسوله، ونصر بهم دينه، وهل هذا يعتبر من الكفر البواح، ولا سيما أنه مخالف لصريح القرآن؛ الَّذي أثنى عليهم فأحسن الثناء؟
وهذا الموضوع من أهم أسباب الخلاف بيننا وبينهم.
نرجو أن تبينوا لنا حقيقة هذا الموضوع، بما حباكم الله به من علم وقوة حجة، ومن معرفة بالتاريخ والواقع، وشجاعة في قول الحق. زادكم الله توفيقا، ونفع بكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فأشكر للأخ الكريم سؤاله الهام، فقد أثار نقطة حساسة، بل في غاية الحساسية بيننا وبين الشيعة، وهي موقفهم من الصحابة الكرام، وكراهيتهم وسوء الظن بهم، واتهامهم بكل نقيصة. وهي القضية الحية والساخنة دائمًا في كل لقاءاتنا التقريبية مع الشيعة، وكانت هي إحدى النُّقطتين(1) اللَّتين أثارتا من التوتر ما أثارتا بيني وبين الشيعة خلال شهر رمضان 1429هـ (سبتمبر 2008). وطالما تحدثت مع علمائهم كلما التقينا حول هذه القضية، وطالما سمعتهم يوافقونني على ما أطرحه، ولا أريد أن أتهمهم بأنَّهم يقولون ذلك تقية منهم، ولكن أرى أن التربية الشيعية السائدة تتجاوز ما يقوله العلماء في الملتقيات، فهذا إفراز تاريخ طويل، وإفراز واقع مشحون بالغضب والحقد والتهويل.
على أنِّي أقول: إن من عرف أساس مذهب الشيعة، لم يصعب عليه تفهم موقفهم من الصحابة، ولا سيما الكبار منهم.
ذلك أنَّ أساس مذهب الشيعة الَّذي لا يختلفون عليه: أنَّ النَّبيَّ نص أن يكون علي 3 الخليفة من بعده، ولكن الصحابة أجمعوا على أن يُخفوا هذه الحقيقة، وأن يخالفوا رسول الله عمدًا، وأن يجفوه في أهله الَّذين أوصى بهم خيرا!
اتفق على ذلك الكبار الَّذين كانوا أقرب النَّاس إلى رسول الله، وأحبهم إليه، وأخلصهم له، وأكثرهم بذلا في سبيل نصرته، ولا غرو أن قربهم إليه، وأثنى عليهم جماعة، وأثنى عليهم أفرادًا، واستفاضت بذلك صحاح الأحاديث في بيان فضائلهم، وتواترت الوقائع والقصص الَّتي تؤكد فضلهم، وعلو مكانتهم، وحسن تأثيرهم في نصرة الله ورسوله ودينه!
ولا ريب أنَّ هذا من ثمرة غرس النَّبيّ ، وحسن تربيته لهم، ومتابعته الدقيقة لأقوالهم وأعمالهم، ومواقفهم، ومثل ذلك متابعة الوحي الإلهي المتمثل في القرآن، يزكي ما حسن من أعمالهم، وينتقد ما يقع من هفواتهم، ليراجعوا أنفسهم، ويتوبوا إلى بارئهم، ويحسنوا من عملهم، حتَّى كانوا بحق:﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[آل عمران: 110]، وجسَّدوا الأمَّة الوسط الَّتي جعلها الله شهيدة على النَّاس.
واستحقوا بذلك أن يُنزّل القرآن من فوق سبع سماوات ينوه بفضلهم؛ مهاجرين:﴿أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ[الحشر: 8].
وأنصارًا نذروا أنفسهم للدفاع عن رسول الله ودعوته بأنفسهم وأموالهم، وهم الَّذين نزل فيهم:﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ[الحشر: 9].
هذه هي الصورة الَّتي رسمها أهل السُّنَّة للصحابة، وهي تستمد أجزاءها ومقوماتها من القرآن العظيم، ومن السُّنَّة الصحيحة، ومن وقائع السيرة، ومن شهادة الواقع التاريخي، على خلاف الصورة الَّتي رسمها الشيعة للصحابة. فهي مناقضة تماما لهذه الصورة، وهي لا تُستمد من قرآن ولا سنَّة، ولا سيرة ولا واقع. وهذا ما وضَّحه شيخنا وحبيبنا العلامة السيد أبو الحسن الندوي 5 في رسالته الموجزة المركَّزة: «صورتان متناقضتان».
خلاصة الصورة الأولى عند الشيعة: أنَّ الرسول لم يحسن تربية تلاميذه، وأنه خُدع فيهم، وأنَّهم خانوه وضيعوا وصيته من بعده، وغدروا بآل بيته، وجحدوهم حقهم في الخلافة، وتآمروا عليهم.
وخلاصة الصورة الثانية عند السنة: أنَّ الرسول كان نعم المربي، ونعم الأستاذ، وأنه كان أعرف النَّاس بتلاميذه، الَّذين قربهم منه، ورشحهم للخلافة من بعده، عن طريق الاستخلاف في الصلاة، وغير ذلك.
هذه هي النقطة العمليَّة الَّتي يحصل فيها الصدام المباشر بيننا نحن أهل السُّنَّة مع الشيعة: أن نقول نحن: أبو بكر 3 ، وهم يقولون: لعنه الله. نقول: عمر 3 . ويقولون: لعنه الله. ونقول: عائشة # ، ويقولون: لعنها الله. وقد برأها الله في آيات خالدة تُتلى ويتعبد بها النَّاس في سورة النور من كتابه العزيز.
ولقد ساءني أن إخواننا من جنود «حزب الله» في أحداث بيروت الأخيرة (2008م) كانوا يدخلون بيوت السنَّة، وهم يهتفون: لعنة الله على الثلاثة! يعنون بذلك الخلفاء الثلاثة: أبا بكر وعمر وعثمان!
وهذا ما حدثني به الثقات الأثبات وهم شهود عيان!
ولقد كتبت في رسالتي «مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلاميَّة» الَّتي سردت فيها مبادئ أو أصولًا عشرة للحوار أو التقريب، وكان منها: اجتناب «المستفزَّات».
وأعني بها الأشياء الَّتي تستفز الآخرين، وتستثير نفوسهم، وتضعهم أمام تحدٍّ يصعب قبوله. وكان في طليعة هذه «المستفِزَّات»: سبُّ الصحابة @ .
ولا بأس أن أنقل هنا بعض ما كتبت هناك، لما فيه من عبرة وعظة، وما يحمل من بيان تقوم به الحجة على كل معاند ومكابر.
ومما قلته: ولذلك تبقى المشكلة في «سبِّ الصحابة» من قِبَل الشيعة، وخصوصًا الكبار منهم، الَّذين توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ، مثل الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان، @ ، ومن كان من العشرة المبشرة بالجنة مثل: طلحة والزبير، وهؤلاء جميعًا من السابقين الأولين من المهاجرين، الَّذين كان لهم فضل السبق إلى الإيمان برسول الله، فصدقوه حيث كذبه النَّاس، وآمنوا به حيث كفر به النَّاس، ولذا أثنى عليهم الله تعالى في كتابه، ورضي الله عنهم ورضوا عنه، قال تعالى:﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ[التوبة: 100].
ومثل ذلك: من برّأها الله من فوق سبع سماوات: الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين عائشة # ، فقد نزلت فيها الآيات الكريمة من سورة النور:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌۭ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ[النور: 11].
وكذلك غيرهم من الصحابة الَّذين هم دون هؤلاء في المنزلة، ولكنهم سعدوا بصحبة محمَّد ، وكلهم على خير، كما قال تعالى:﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَٰتَلَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةًۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ[الحديد: 10].
وهذه هي النقطة الحساسة، بل الشديدة الحساسية بيننا وبين إخواننا من الشيعة، فليس يمكن أن نتفاهم ونتقارب فيما بيننا، وأنا أقول: أبو بكر 3 ، وأنت تقول: أبو بكر لعنه الله! فكم من الفرق البعيد بين الترضي عن شخص وقذفه باللعنة.
وقد تحدثت مع عدد من علماء الشيعة؛ ممَّن أعرفهم من ذوي الأناة والحكمة، وقلت لهم: إنَّ هذه القضية هي الحاجز الأول أمام التقارب، ولا بدَّ للعقلاء أن يحاصروها، أو على الأقل يخففوا من آثارها، فإنَّها إذا تركت لغرائز العوام المشحونة بالغضب والحقد: جديرة بأن تأكل الأخضر واليابس، ولا تدع لأهل العلم والحكمة فرصة في التوحيد أو التقريب.
والحق أقول: إنَّ هؤلاء العقلاء ـ أمثال: آية الله محمَّد علي التسخيري، وآية الله واعظ زاده وغيرهما ـ وافقوني تمامًا على ذلك، وأكدوا لي أن هذا الاتجاه يقوى عندهم، وينتشر شيئًا فشيئًا، حتَّى إن المناهج الدراسية الجديدة في إيران تذكر في بعض كتبها مواقف تاريخية لأبي بكر وعمر، فيها تمجيد لهما وثناء عليهما.
قلت لهم: هذا ما يجب أن يُتبنى ويتوسع فيه في مؤسسات التربية الحكومية، وفي مجال التربية الأسرية الخاص، فإنَّ الثقافة الشيعيَّة الشعبيَّة كثيرًا ما تُحمَّل بأوهامٍ ومبالغاتٍ وخزعبلات، لا تثبت أمام النقد العلمي، ولكنها عند العامَّة حقائق ـ أو معتقدات ـ تحرك سواكنهم، وتثير كوامنهم.
والحقيقة أنَّ هذه القضية الخطيرة في حاجة إلى تمحيص ومصارحة، لتصفيتها، وجلاء الغبار عنها، أو على الأقل للوقوف موقفًا إيجابيًّا حكيمًا منها.
تنبيهات حول سبِّ الصحابة:
وأحبُّ أن أضع هذه النقاط أمام إخواني الشيعة، لا أقصد بها إلَّا ابتغاء وجه الله، وخدمة دينه، وجمع الأمَّة كلِّها عليه.
أولًا: أنَّ هذا الَّذي حدث بين الصحابة بعضهم وبعض من خلاف ـ وإن دخلته المبالغات، ولوّثته الأهواء، وضخَّمته أجواء الفتن ـ قد أصبح تاريخًا انتهى وطويت صفحاته بحلوه ومُرِّه، وخيره وشرِّه، وسيسأل الله أصحابه ويجزيهم بأعمالهم ونياتهم، وأولى بنا أن ندع ذلك إلى الله، ولا نكلف أنفسنا حسابهم. وقد قال تعالى:﴿تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ[البقرة: 134].
وهذا ما جعل الخليفة الراشد المرضيّ عمر بن عبد العزيز يقول حينما سئل عن تلك الفتن وما جرى فيها: تلك دماء طهَّر الله منها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتا(2)!
ثانيًا: إنَّ من قواعد التسامح بين المختلفين من أهل الديانات: أن حساب الضال منَّا على ضلاله، والكافر على كفره، إنَّما هو إلى الله تعالى، وليس إلينا، وأن موعد هذا الحساب إنَّما هو في الآخرة، وليس في هذه الدنيا، كما قال تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ[الحج: 17].
وقال سبحانه لرسوله:﴿فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ[الشورى: 15].
فإذا كان هذا شأن المختلفين من أهل الديانات المتباينة، فكيف بالمختلفين من أهل الدين الواحد؟
ثالثًا: إنَّ الأجدر بنا هنا أن نكل هؤلاء المختلفين إلى نياتهم وسرائرهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا.
على أنَّ هؤلاء الصحابة لو سلمنا أنَّهم أخطؤوا أو أذنبوا، لكان لهم من صحبتهم لرسول الله، ومن جهادهم معه ما يشفع لهم عند الله، كما قال الرسول لعمر في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وقد قام بعمل من أعمال التجسس لحساب قريش، قبيل فتح مكة، فقال عمر لرسول الله: دعني أضرب عنقه فقد نافق. فقال رسول الله وقد شهد بدرًا: «وما يدريك يا عمر، لعلَّ الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»(3).
وقد قال الإمام القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن»:
«لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به؛ إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمَّة، وقد تعبّدنا بالكف عمَّا شجر بينهم، وألا نذكرهم إلَّا بحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النَّبيِّ عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من الإخبار من طرق مختلفة عن النَّبيِّ : أنَّ طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانًا لم يكن بالقتل فيه شهيدًا. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرًا في الواجب عليه؛ لأنَّ الشهادة لا تكون إلَّا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيَّنَّاه.
ومما يدلُّ على ذلك ما قد صحَّ وانتشر من إخبار عليّ بأن قاتل ابن صفية في النَّار. وقوله: سمعت رسول الله يقول: «بشِّر قاتل ابن صفيَّة(4) بالنَّار»(5).
وإذا كانت كذلك، فقد ثبت أنَّ طلحة والزُّبَير غير عاصين ولا آثمين بالقتال؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك لم يقل النَّبيُّ في طلحة: «شهيد». ولم يخبر أنَّ قاتل الزبير في النَّار.
وكذلك من قعد ـ أي: عن القتال مع أحد الفريقين ـ غير مخطئ في التأويل، بل صواب أداهم إليه الاجتهاد. وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين، @ .
وقد سُئل بعضهم عن الدماء الَّتي أُريقت فيما بينهم فقال:﴿تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ[البقرة: 134].
وسُئل بعضهم عنها أيضًا فقال: تلك دماء قد طهَّر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبًا فيه.
قال ابن فُورك: ومن أصحابنا من قال: إنَّ سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثمَّ إنَّهم لم يخرجوا بذلك عن حدّ الولاية والنبوة، فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة.
وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم. وقد سُئل الحسن البصري عن قتالهم، فقال: قتال شهده أصحاب محمَّد وغِبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عند ما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنَّهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل؛ إذ كانوا غير متّهمين في الدين. ونسأل الله التوفيق»(6) انتهى.
رابعًا: ثمَّ إن علينا ـ من ناحية أخرى ـ أن نشتغل بحاضرنا، بدل أن يشغلنا ماضينا، وحاضرنا مليء بالمصاعب والآفات والعقبات الَّتي تقف في وجوه المصلحين والمجددين، وهي تحتاج منَّا إلى جهود مضنية، كفيلة بأن تشغل عقولنا وقلوبنا وسواعدنا. ولا سيما في هذه المرحلة الَّتي اجتمع علينا فيها المكر الصهيوني، والتجبر الأمريكي.
وقد سمعت شيخنا محمَّد الغزالي 5 يرد على رجل يجادله فيما كان بين الصحابة، ويثير سؤالًا لا معنى له: أيهما كان أحق بالخلافة: أبو بكر أم علي؟
فقال له الشيخ: لقد ذهب أبو بكر وذهب علي، وذهبت الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، وألغيت الخلافة نهائيًّا من ديار الإسلام، وأصبح الَّذين يتحكمون فينا هم الخواجات الأجانب، لا أبو بكر ولا علي، فإلى متى نظل في هذه المفاضلات الحمقاء؟
خامسًا: إنَّ مسألة «السبِّ» في ذاتها ليست محمودة شرعًا، فالمؤمن ليس سبَّابًا ولا لعَّانًا، والقرآن ينهى عن سب الأصنام، خشية أن يثير ذلك المشركين، فيسبُّوا الله تعالى دفاعًا عن آلهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ﴾ [الأنعام: 108].
ومن قرأ السنة النبويَّة وجد جملة من الأحاديث تنهى عن السب، ففي صحيح الجامع الصغير وزيادته، تقرأ عدَّة أحاديث كلها تنهى عن السب من رقم (7309) إلى (7322)(7) ومنها:
«لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه»(8).
«لا تسبُّوا الأموات؛ فإنَّهم أفضوا إلى ما قدَّموا»(9).
«لا تسبُّوا الدهر؛ فإنَّ الله هو الدهر»(10).
«لا تسبُّوا الدِّيك؛ فإنَّه يوقظ للصلاة»(11).
«لا تسبُّوا الريح؛ فإنَّها من رَوْح الله»(12).
«لا تَسُبِّي الحمَّى؛ فإنَّها تُذهب خطايا بني آدم»(13).
وأعجب هذه الأحاديث قوله : «لا تسبُّوا الشيطان، وتعوَّذوا بالله من شرِّه»(14). حتَّى الشيطان الرجيم لا ينبغي أن نشتغل بسبه، ولكن نتعوَّذ بالله من شرِّه؛ لأن السبَّ عمل سلبي، والاستعاذة من شر الشيطان عمل إيجابي.
والغربيُّون يقولون: بدل أن تسبَّ الظلام أضئْ شمعة. أي أن سب الظلام ولعنه لا يغير من الواقع شيئًا، وخير منه أن تعمل شيئًا يضيء لك الطريق في الظلام، ولو كان شمعة صغيرة.
ثم إنَّ عدم السب واللعن مطلقًا لا يحمل أية مسؤولية، فليس سبّ الأشرار أو الكفَّار ولعنهم واجبًا دينيًّا، إذا لم يقم به المكلَّف كان معاقبًا عليه أمام الله.
حتى قال بعض الأئمَّة: لو عاش إنسان طول عمره، دون أن يلعن فرعون، أو أبا جهل، أو إبليس، ما كان محاسبًا يوم القيامة على ذلك. ولو أنه لعن مرة واحدة من لا يستحق اللعنة، لكان محاسبًا أمام الله تعالى يوم الدين: لماذا لعنه؟
ولذا قال الإمام الغزالي: المؤمن ليس بلعان، فلا ينبغي أن يُطلق اللسان باللعنة إلَّا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم، دون الأشخاص المعيَّنين، فالاشتغال بذكر الله أولى، فإن لم يكن؛ ففي السكوت سلامة.
قال مكِّيُّ بن إبراهيم: كنَّا عند ابن عون، فذكروا بلال بن أبي بُردة (الوالي) فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه، وابن عون ساكت، فقالوا: يا ابن عون، إنَّما نذكره لما ارتكب منك! فقال: إنَّما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة: «لا إله إلَّا الله»، «ولعن الله فلانًا»، فلأنْ يخرج من صحيفتي «لا إله إلَّا الله» أحبُّ إليَّ من أن يخرج منها «لعن الله فلانًا»(15).
وقال ابن عمر: أبغض النَّاس إلى الله كل طعَّان لعَّان(16).
ثم إنَّ سبَّ الصحابة خاصَّة غير لائق بالمسلم، لصلتهم برسول الله ، فهم أصحابه وأخص النَّاس به، فهم قد تخرجوا من مدرسته، وتعلموا في حجره، واقتبسوا من مشكاة نبوته، وشاهدوا تنزيل القرآن، ووقائع السيرة، ومن الطبيعي والمنطقي أن ينالهم قبس من نور النبوة، وأن ينهلوا من فيض الرسالة، ومن سب أقرب تلاميذ الأستاذ إليه، فكأنَّما سب الأستاذ نفسه!
ولهذا كان التابعون أقرب في الفضل إليهم؛ لأنَّهم تتلمذوا عليهم، وأخذوا عنهم، ومَنْ بعد التابعين بعدوا عن نور النُّبوَّة أكثر، وكل عصر يبعد أكثر من غيره.
كما أثنى الرسول عليهم عمومًا وخصوصًا في أحاديث انتشرت واستفاضت وبلغت مبلغ التواتر.
والتاريخ شاهد صدق على فضل هؤلاء، فهم الَّذين حفظوا لنا القرآن ونقلوه إلينا بالتواتر، وهم الَّذين رووا لنا سنن النَّبيِّ وأقواله وأفعاله وتقريراته.
وهم الَّذين فتحوا الفتوح، ونشروا الإسلام في آفاق الأرض، فلولاهم ما كنَّا نحن اليوم مسلمين، فهم الَّذين علَّموا الأمم الإسلام، بعد أن تعلموه من رسولهم 0 :(17).
ومن قرأ سيرهم وتاريخهم وجد صحائف من البطولات الأخلاقية لا نظير لها في الأمم، خليقة أن تكون نماذج ومثلا لتربية الأجيال. وهذا ما تلمسه في كتاب «حياة الصحابة» المؤلف من عدَّة مجلدات، للشيخ محمَّد يوسف الكاندهلوي.
فضلًا عن الكتب الَّتي عنيت بتاريخهم مثل «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» لابن عبد البر، و«أسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير، و«الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر.
وأنصح بقراءة كتاب السيد محبِّ الدين الخطيب: «مع الرعيل الأول»، وفصل «جيل قرآني فريد» للشهيد سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق»، وعبقريات «العقَّاد» عن عدد من الصحابة، و«أخبار عمر» للشيخ علي الطنطاوي، وكتب د. علي الصلابي.
أما دعوى تكفير الشيعة بسبب موقفهم من الصحابة، فلا أرى ذلك؛ لأن إخراج من قال: «لا إله إلَّا الله». من الإسلام: أمر لا يقدم عليه عالم، فإنَّ «لا إله إلَّا الله» تعصمه من الكفر. وأنا من المتشدِّدين في التكفير، والتهمة وإن كانت كبيرة، فلهم من التأويلات والشبهات ما يمنع من القطع بكفرهم، وكل شكّ هنا يفسر لصالح المسلم الَّذي يجب حمل حاله على الصلاح.
مع دعائنا لهم أن يهديهم الله إلى الحق، ويتوب عليهم. إنه هو التواب الرحيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأمَّا من سبَّ أحدًا من أصحاب رسول الله من أهل بيته وغيرهم، فقد أطلق الإمام أحمد أنه يُضْرَب ضربًا نكالًا، وتَوَقَّفَ عن كفره وقتله». وقال عبد الله: سألت أبي: من الرافضة؟ فقال: الَّذين يشتمون ـ أو يسبُّون ـ أبا بكر أو عمر ^ .
وقال في الرسالة الَّتي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري وغيره: «وخير الأمَّة بعد النَّبيّ : أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثمَّ أصحاب رسول الله بعد هؤلاء الأربعة خير النَّاس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قُبِلَ منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة، وخلَّده الحبس حتَّى يموت أو يراجع». وحكى الإمام أحمد هذا عمَّن أدركه من أهل العلم، وحكاه الكِرْمَاني عنه، وعن إسحاق، والحُمَيْدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم.
وهذا قول كثير من أصحابنا منهم ابن أبي موسى، قال: ومن سب السلف من الروافض فليس بكفء ولا يُزوَّج. ومن رمى عائشة # بما برَّأها الله منه، فقد مَرَقَ من الدين، ولم ينعقد له نكاحٌ على مسلمة؛ إلَّا أن يتوب ويُظهِر توبتَه.
وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز، وعاصم الأحول، وغيرهما من التابعين. وهو المشهور من مذهب مالك.
قال مالك: من شتم النَّبيّ قُتِل، ومن سبَّ أصحابَه أُدِّب.
وقال القاضي أبو يعلى: الَّذي عليه الفقهاء في سبِّ الصحابة: إن كان مستحلًّا لذلك، كَفَر، وإن لم يكن مستحلًّا فسق ولم يكفر، سواء كفَّرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم.
ثم من قال: لا أقتلُ بشتمِ غير النَّبيِّ ؛ فإنَّه يستدل بقصة أبي بكر 3 وهو أن رجلًا أغلظ له ـ وفي رواية: شتمه ـ فقال له أبو برزة: أقتله؟ فانتهره، وقال: ليس هذا لأحد بعد النَّبيّ (18). وبأنه كتب إلى المهاجر بن أبي أُمَيَّة: «إنَّ حدَّ الأنبياء ليس يشبه الحدود»، ولأن الله تعالى ميَّز بين مؤذي الله ورسوله ومؤذي المؤمنين؛ فجعل الأول ملعونا في الدنيا والآخرة، وقال في الثاني: ﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا[الأحزاب: 58]. ومطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل وإنَّما هو موجب للعقوبة في الجملة فتكون عليه عقوبة مطلقة، ولا يلزم من العقوبة جواز القتل، ولأن النَّبيَّ قال: «لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله إلَّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زِنًى بعد إحصان، أو رجل قتل نفسًا فيقتلُ بها»(19).
ومطلق السبِّ لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر؛ لأنَّ بعض من كان على عهد النَّبيّ ربَّما سبَّ بعضهم بعضًا، ولم يَكفر أحدٌ بذلك، ولأن أشخاص الصحابة لا يجب الإيمان بهم بأعيانهم؛ فسب الواحد لا يقدح في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
أمَّا من اقترن بسبِّه دعوى أن عليًّا إله أو أنه كان هو النبي، وإنَّما غلط جبرائيل في الرسالة، فهذا لا شكّ في كفره، بل لا شكّ في كفر من توقَّف في تكفيره.
وكذلك من زعم منهم أنَّ القرآن نُقص منه آيات وكُتِمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تُسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يُسمَّون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
وأما من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن، أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك؛ فهذا هو الَّذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يُكفرهم من أهل العلم.
وأما من لعن وقبَّح مطلقًا؛ فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنَّهم ارتدُّوا بعد رسول الله  ، إلَّا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنَّهم فسَّقوا عامَّتهم؛ فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ فإنَّه مكذِّب لما نصُّه القرآن في غير موضع: من الرِّضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسُّنَّة كفَّار أو فسَّاق، وأنَّ هذه الأُمَّة الَّتي هي: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]. وخيرها هو القرن الأول، كان عامَّتُهم كفَّارًا أو فسَّاقًا، ومضمونها أنَّ هذه الأمَّة شرُّ الأمم، وأن سابقي هذه الأمَّة هم شرارها، وكفر هذا ممَّا يعلم بالاضطرار من دين الإسلام.
وبالجملة فمن أصناف السَّابّة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من تردد فيه(20).
وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
← العودة لقسم 5- الفرق الإسلامية