2026-06-13
975
المخاطب بالتكاليف: الفرد أم الجماعة؟
من المخاطب بالتكاليف: الفرد أم الجماعة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الَّذي ينظر إلى خطابات القرآن، يجد أصنافًا من المخاطبين وأصنافًا من الخطاب، فيجد من خطابات القرآن ما هو موجّه للناس جميعًا، كقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا﴾ [النساء: 1]. ومنها ما هو موجّه للمؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
ومنها ما هو موجه لأهل الكتاب من النَّصارى مثل: ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُواْ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا﴾ [النساء: 171].
ومنه ما خُصّ به بنو إسرائيل: ﴿يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ ٤٠ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُواْ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ﴾ [البقرة: 40 ـ 41]. وما بعدها من الآيات.
وهناك ما كان في القرآن خطابًا لنبيٍّ من الأنبياء كقوله 8 في شأن نبيِّ الله زكريا: ﴿يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّۭا﴾ [مريم: 7]. وقوله في شأن داود: ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [صۤ: 26]. وقوله سبحانه في شأن النبيِّ محمَّد ﷺ : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًۭا مُّنِيرًۭا﴾ [الأحزاب: 45 ـ 46]. وقوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ﴾ [الأحزاب: 1].
وقد يخاطب المنافقين والكافرين كقوله للكافرين:﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾[المائدة: 76]. وقوله للمنافقين:﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾[التوبة: 53].
ومع هذا التنوُّع في المخاطبين هناك تنوُّع أيضًا في أنواع الخطاب وتوجُّهه، فقد ذكر الزركشي في «البرهان» أربعين نوعًا من أنواع الخطاب في القرآن(1). نذكر منها:
الخطاب العام الَّذي يراد به العموم:﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓاْ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[غافر: 67].
وهناك خطاب خاص يراد به الخصوص، كقوله تعالى لرسوله الخاتم:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾[المائدة: 67].
وهناك خطاب خاصٌّ يراد به العامُّ، مثل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًۭا﴾[الطلاق: 1]. فالخطاب وإن كان للنبيِّ ﷺ ، إلَّا أن المراد به كل من يملك الطلاق.
وخطابات القرآن التكليفية الَّتي تقتضي تكليفًا من الله لعباده تأتي في الغالب بصيغة الجماعة، حتَّى وإن كان مرادًا بها الفرد، فالصلاة والزكاة مثلًا فروض عينية، لكن نجد الخطاب التكليفي فيها جاء بصيغة الجمع، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾[البقرة: 43]. فكل فرد مطالب بأن يقيم الصلاة وأن يؤتي الزكاة على حدته، ومع هذا فالخطاب جاء بصيغة الجمع، فالإسلام لا يتصوَّر الإنسان وحده، إنَّما يتصوَّره في مجتمع، ولهذا توجَّهت التكاليف إليه بصيغة الجماعة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، ولم يجئ في القرآن: «يا أيها المؤمن»، وذلك أنَّ تكاليف الإسلام تحتاج إلى التكاتف والتضامن في حملها والقيام بأعبائها، يستوي في ذلك العبادات والمعاملات.
فإذا نظرنا إلى فريضة كالصلاة، وجدنا أنَّها لا يمكن أن تقام كما يريد الإسلام، إلَّا بمسجد يتعاون الجميع على بنائه، ومؤذن يُعْلم النَّاس بمواقيت الصلاة، وإمام يؤمُّهم، وخطيب يخطبهم، ومعلِّم يعلِّمهم، وهذا كلُّه لا يقوم به الفرد، وإنَّما ينظِّمه المجتمع، ويُعدّ له من يقدر على القيام به.
وقد جعل القرآن أوَّل أعمال الدولة المسلمة إذا مُكِّن لها في الأرض: أن تقيم الصلاة. كما قال تعالى:﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾[الحج: 41].
ومثل ذلك يقال في فريضة الصوم، وضرورة ترتيب أمور الحياة في رمضان ترتيبًا يُعين على الصيام والقيام والسحور وغيرها.
ومن باب أولى: الزكاة، فالأصل فيها أنَّها تنظيم اجتماعي تُشرف عليه الدولة، بواسطة «العاملين عليها»، الَّذين نصَّ عليهم القرآن.
وكذلك كلُّ شعائر الإسلام وأركانه.
أضف إلى هذا أنَّ من خصائص هذه الأمة، ومن الفرائض الَّتي فرضها الله عليها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة في الدِّين، والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، والتواصي بالمرحمة، فالمجتمع المسلم يتضامن جميع أفراده على إقامة الدين وتكاليفه، فإذا تكاسل إنسان عن الصلاة وجد من المجتمع من ينصحه ومن يرغبه وينذره، وإذا لم يخرج الزكاة كذلك، بل قد يجد من يجبره على أداء الفرائض.
وهناك من التكليفات الشرعيَّة ما هو مسؤولية الدولة، وهي الحدود، كقول الله تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]. أو قوله: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ﴾ [المائدة: 38]، الأمة مخاطبة بهذه التكاليف والأحكام، ولكن هل الأُمَّة هي الَّتي تقطع يد السارق؟ أو هل هي الَّتي تجلد الزاني؟ لا، هذا عمل الحكومة، ولكنَّ الأمَّة مسؤولة عن الحكومة، فلو قصَّرت الحكومة، فالأمَّة مسؤولة أن تأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر، وأن تضغط عليها حتَّى تنفذ أوامر الله، وتحكِّم شرعه، وأن تعمل على أن تأتي بحكومة تقيم أوامر الله ونواهيه.
والخطاب التكليفيُّ قد يأتي في القرآن موجَّهًا لشخص رسول الله ﷺ ، وهذا النوع من الخطابات منه ما هو خاصٌّ بالنبيِّ كقوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةًۭ مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةًۭ لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾[الأحزاب: 50]. وقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٢ نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾[المزمل: 1 ـ 4]. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا﴾[الإسراء: 79]. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ﴾[الكهف: 110]. ومنه ما هو عام للأمة أو لمن يقوم مقام النبيِّ ﷺ ، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 84]. ومثل قوله تعالى:﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[البقرة: 91]، يقول أبو حيَّان: «أي: قلْ يا محمد، وقلْ يا من يريد جدالهم»(2). وهكذا كثير من الخطابات الموجَّهة للنبيِّ ﷺ في القرآن.
(1) البرهان في علوم القرآن (2/217)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر عيسى البابي الحلبي، ط 1، 1376هـ ـ 1957م.
(2) البحر المحيط لأبي حيان (1/492)، تحقيق صدقي محمد جميل، نشر دار الفكر، بيروت، 1420هـ .