تعدُّد الزوجات وميراث الذكر ضعف الأنثى وأمثال هذه القضايا هل...

❓ تعدُّد الزوجات وميراث الذكر ضعف الأنثى وأمثال هذه القضايا هل هي مسائل تاريخية انتهى حكمها؟

📅 2026-06-13 👁 1,027 مشاهدة

نص السؤال:

هناك دكتورة عِلمانية معروفة، ظهرت في بعض القنوات الفضائية وقالت: إن قضية: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ[النساء: 11]. في الميراث، قضية تاريخية انتهت، وانتهى حكمها، وانتهى وقتها، وإنَّما كان ذلك حينما كانت المرأة تابعة للرجل، ولم يكن لها استقلال اقتصادي، والآن المرأة تعلّمت وعملت وتوظّفت، وأصبح لها مكانة في المجتمع، فلم يعد هذا الحكم قائمًا.
وثانية تظهر على قناة أخرى فتقول عن تعدُّد الزوجات: هذا حكم قد مضى زمانه، ولم يعد قائمًا الآن، فهناك من أحكام القرآن ما هو مؤقت لفترة من الزمن، وإذا انتهت هذه الفترة انتهى هذا الحكم، وبطل العمل به، ولم يعد شرعًا للنَّاس، وتحتجُّ بما فعل عمر بن الخطاب في سهم المؤلفة قلوبهم.
أريد معرفة رأي فضيلتكم، وكيفية الرد على أمثال هؤلاء.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا أمر في غاية الخطورة، أن تتجرَّأ هؤلاء النسوة على أحكام الله الثابتة بكتاب الله، بالقرآن الكريم، ممَّا هو قطعيُّ الثبوت، وقطعيُّ الدلالة، والعجيب أن هؤلاء جميعًا يتكئون على عمر بن الخطاب 3 ، ويقولون: إن عمر بن الخطاب عطّل بعض أحكام القرآن، فإذا كان عمر فعل ذلك فنحن نقتدي بعمر، وهو من الخلفاء الراشدين، وقد أُمرنا أن نستنّ بسنتهم، فقد قال رسول الله : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ»(1). وعمر عطَّل نصًّا في آية مصارف الصدقات، فالله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ[التوبة: 60]. وعمر قد عطَّل سهم المؤلفة قلوبهم، ولم يعطهم من الزكاة، فإذا كان عمر فعل ذلك وهو قريب عهد برسول الله ، فنحن أولى أن نفعل هذا منه، فقد تغيَّر الزمن عمَّا كان عليه في عهد عمر.
وقالوا كذلك: أوقف عمر حدَّ السرقة في عام المجاعة، رغم قول الله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ[المائدة: 38]. فعمر في عام المجاعة أوقف حدَّ السرقة، فإذا كان عمر فعل ذلك فنحن أيضًا نستطيع أن نفعل ذلك في بعض أحكام القرآن الأخرى.
وبعضهنَّ قالت في آية تعدُّد الزوجات: كما أبطلنا قول الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ[النساء: 3]. وهذا حكم ثابت بالقرآن نبطل قول الله:﴿فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ[النساء: 3].
هذا أمر في غاية الخطورة.
كان عمر وقَّافًا عند كتاب الله:
وأقول: أولًا عمر 3 لم يعطِّل نصًّا من القرآن، ولا يمكن لعمر ولا لغير عمر أن يعطِّل نصًّا ثابتًا من كتاب الله، ولو تجرَّأ على ذلك عمر لوقف الصحابة دون ذلك ولقاتلوه عليه.
وعمر 3 كان وقَّافًا عند كتاب الله، روى البخاريُّ في صحيحه، أنَّ ابن عبَّاس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان الحُرُّ من النفر الَّذين يدنيهم عمر، فقال عيينة لابن أخيه الحر بن قيس: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأذن له عمر، فلمَّا دخل عليه قال: هِي يا ابنَ الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتَّى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ[الأعراف: 199]، وإنَّ هذا من الجاهلين. قال ابن عبَّاس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله(2).
وحينما أراد عمر أن يضع حدًّا أعلى للصداق والمهر، خطب 3 الناس، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: ألا لا تُغالوا في صَداق النساء، فإنَّه لا يبلغني عن أحدٍ ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله أو سيق إليه إلَّا جعلت فضل ذلك في بيت المال. ثمَّ نزل، فعرضت له امرأةٌ من قريب، وقالت له: يا أمير المؤمنين، أكتاب الله تعالى أحقُّ أن يُتَّبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله تعالى، فما ذاك؟ قالت: نهيتَ النَّاس آنفًا أن يُغالوا في صَداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 20]. فقال عمر: كلُّ أحدٍ أفقهُ من عمر، أصابت المرأة وأخطأ عمر(3).
فعمر 3 كان وقَّافًا عند حدود الله رجَّاعًا للحقِّ، عندما يأتيه نصٌّ من كتاب الله يرجع عن رأيه إلى كتاب الله، والأمثلة على هذا كثيرة.
لم يعطِّل عمر سهم المؤلفة قلوبهم:
فكيف يقال: إنَّ عمر عطَّل نصًّا من كتاب الله؟! عمر في مسألة المؤلفة قلوبهم لم يعطِّل النصَّ، كلُّ ما في الأمر أنَّ هناك ناسًا كان يتألَّفهم النبيُّ في عصر النبوة من زعماء القبائل العربية، مثل الأقرع بن حابس التَّمِيمي، ومثل عُيَينة بن حصن الفزاري، وغيرهم من زعماء قبائل العربية، أسلموا وكان إسلامهم ضعيفًا، وأسلمت قبائلهم ولم ترسخ أقدامهم في الإسلام. فالنبيُّ تألَّفهم بلُعاعةٍ من الدنيا، أعطاهم ليتألَّف قلوبهم على الإسلام، واستمرَّ الحال في عهد أبي بكر، ورأى عمر أنَّ هؤلاء لم يعد المسلمون في حاجة إليهم حتَّى يتألف قلوبهم.
هل المؤلَّف يبقى مؤلَّفًا أبد الدهر؟! لا. هل الفقير يجب أن يبقى فقيرًا طوال العمر؟! إذا كان إنسان فقيرًا هذه السنة، فهل يظل فقيرًا السنة القادمة والسنة الَّتي بعدها، وهكذا؟! لا. ممكن أن نعطيه من الزكاة ما يغنيه هذا العام، أو يرزقه الله مالًا أو عملًا يكفيه، أو يظهر له ميراث، فيصير غنيًّا غير مستحقٍّ للزكاة.
فسيدنا عمر لمّا جاءه عُيَيْنة بن حِصْن والأقرع بن حابِس يطالبان بسهمهما من الزكاة، قال لهما: إنَّ الله أعزَّ الإسلام وأغنى عنكم. لقد رسخ إسلامهما وإسلام قبيلتيهما، فلم تعد هناك حاجة إلى تأليف قلوبهم، لذلك عمر رأى أنَّه انتهى استحقاقهم من الأخذ من هذا السهم من الزكاة، هذا هو الَّذي فعله أمير المؤمنين عمر.
وأضرب لما فعله عمر مثلًا فأقول: لو أنَّنا خصصنا بندًا في ميزانية إحدى الجامعات للطلاب المتفوقين، واشترطنا أن يحصل الطالب على خمس وثمانين في المائة ليستحق أن يدخل ضمن هذا البند، ثمَّ في سنة من السنوات، لم نجد طالبًا حصل على هذه النسبة، فتوقف البند، فهل يعني هذا أن البند تعطَّل أو بطل؟! وهل يعني ذلك أنَّنا قد ألغينا البند نهائيًّا؟! لا، لم يتعطل البند ولم نلغه، وإنَّما لم يوجد من يستحق البند، صفة الاستحقاق لم توجد.
في جائزة الملك فيصل عدَّة جوائز، لعدد من الموضوعات؛ في التفسير الموضوعي للقرآن مثلًا، ويساهم المشتركون كلٌّ منهم ببحث، أو بكتاب، أو بدراسة، وقد تقول اللجنة: لا مستحقّ للجائزة هذا العام. أما الجائزة فلم تُلْغ، الجائزة موجودة، لكن لم يوجد من يستحقها.
والمستحقون للزكاة مصارف ثمانية، وممكن في بعض الأوقات ألا يوجد من يستحق بعض الأسهم، مثلًا الآن: لا يوجد من يستحق سهم: ﴿وَفِى ٱلرِّقَابِ[التوبة: 60]. أي: في عتق الرقاب، والآن لا يوجد عبيد ولا إماء، فهل يقال: إنَّنا ألغينا النصَّ؟! لا يقال هذا، وإنَّما يقال: لا مستحق لهذا السهم.
أيضًا من مصارف الزكاة: ﴿وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا، أي: الَّذين تولِّيهم الدولة جمع الزكاة من أرباب الأموال، وتفريقها على المستحقين، فإذا لم تفعل الدولة ذلك ينعدم مصرف العاملين عليها، وليس معنى ذلك أنَّنا ألغينا النص.
في عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز لم يجد يحيى بن سعيد والِيه على إفريقية ـ وإفريقية هي: تونس وما حولها ـ فقراء، يقول: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيرًا، ولم نجد من يأخذها منِّي، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريتُ بها رقابًا، فأعتقتهم، وولاؤهم للمسلمين(4).
لما لم يجد صنف الفقراء والمساكين حوَّلها لمصرف آخر من مصارف الزكاة، حوَّلها إلى مصرف:﴿وَفِى ٱلرِّقَابِ.
سهم المؤلفة قلوبهم باقٍ إلى يوم القيامة:
فلا يقال: إنَّ عمر ألغى النص. القول الصحيح ـ وقد ذكرتُ هذا في كتابي: «فقه الزكاة» ـ هو الَّذي قال به المالكيَّة والحنابلة وعدد من الشافعيَّة أنَّ سهم المؤلفة قلوبهم باقٍ إلى يوم القيامة. قد يأتي وقت ونؤلف القلوب، بل نحن الآن في حاجة إلى أن نؤلِّف قلوب النَّاس على الإسلام، نستميلهم إلى الإسلام، أو نثبت قلوبهم على الإسلام، أو نؤلِّف قلوب الَّذين يدخلون الإسلام ويُحارَبون من أهليهم وذويهم وأسرهم، نعطيهم من سهم المؤلَّفة قلوبهم، لنثبتهم.
فسهم المؤلَّفة قلوبهم باقٍ إلى يوم القيامة، وهو أيضًا ليس مرتبطًا بحالة الضعف والقوة، بل على العكس، فقد أعطى النبيّ المؤلفة قلوبهم وهو في حال قوَّة وليس في حال ضعف، والآن البلاد والدول الَّتي تحاول أن تشتري ولاء الآخرين بمشروعات إعانية هي الدول القوية، أمريكا الآن تؤلِّف قلوب النَّاس حولها وتشتري ولاءهم، بمنحٍ وإعانات وما إلى ذلك.
فلذلك عمر لم يعطِّل سهم المؤلفة قلوبهم، ولا يستطيع أحد أن يعطِّل نصًّا من كتاب الله، لا يملك عمر ولا غير عمر ولا ألف عمر أن يعطلوا نصًّا ثابتًا من كتاب الله عز وجل، فهذه دعوى على عمر غير صحيحة بالمرَّة، إنَّما كل ما في الأمر أن مصرف المؤلفة قلوبهم، موكول للإمام، وفق ما يراه من مصلحة للإسلام والمسلمين، يتألف قلوب هؤلاء، أو يتألف غيرهم، يتألف هذا العام أو لا يتألف، في سنة يرى أن الأموال كثيرة فيتألف القلوب على الإسلام، وسنة أخرى يقول: إن الفقراء أهم من تأليف القلوب، وهكذا.
فهذه قضية المؤلَّفة قلوبُهم، الَّتي يطنطن بها المطنطنون، ويزعمون أنَّ عمر ألغى نصًّا من كتاب الله! كيف يفعل هذا؟! هل كتاب الله لعبة؟! إنَّه:﴿كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[هود: 1]، ﴿وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍۢ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ[الشورى: 10]. إنَّه كتاب:﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ[فصلت: 42]. وهو باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأحكامه باقية دائمة.
عمر لم يُسقط حدَّ السرقة:
والذين قالوا: إنَّ عمر أسقط حدَّ السرقة في عام الرمادة، وعطَّل قول الله: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ. أقول لهم: عمر لم يعطِّل النصَّ، ولم يسقط الحدَّ، أو يوقف الحدَّ، إنَّما كلُّ ما فعله عمر أنَّه رأى أنَّ الحدَّ لم يستوفِ شروطه، فلا بدَّ لإقامة الحدِّ من استيفاء شروطه، ومن هذه الشروط أن تنتفي الشبهة الَّتي تدرأ الحدَّ، قال رسول الله : «ادرؤوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم لمسلمٍ مخرجًا، فخلُّوا سبيله، فإنَّ الإمامَ أنْ يخطئ في العفو خيرٌ من أن يخطئ بالعقوبة»(5).
فسيدنا عمر وجد أنَّ هناك شبهة، هذه الشبهة أنَّ المجاعة قائمة، والمجاعة تضطر النَّاس أن يأخذوا من الأموال إذا لم يجدوا ما يأكلونه، وكما يقولون: الجوع لا يرحم، صوت المعدة أقوى من صوت الضمير.
لذلك عمر أوقف الحدَّ في عام المجاعة، لوجود الشبهة العامَّة، فعمر لم يُلْغِ الحدَّ، ولم يعطِّل العمل بالآية، بل الحدُّ لم يجب، للشبهة العامَّة، ولذلك كان هذا في البلاد الَّتي فيها المجاعة، في مكَّة والمدينة والحجاز، أما في مصر والعراق والشام فلم يقل أحد: إنَّ الحدَّ أوقف فيها. فهذا هو ما فعله عمر، وهو فقه قويٌّ من عمر 3 .
القرآن كتاب الزمن كلِّه:
هؤلاء الَّذين يريدون أن يأخذوا ما فعله عمر ويقولون: إنَّ هذا ينطبق على مسألة الميراث، الله تعالى يقول: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ[النساء: 11]. يقولون: هذا كان في الزمن السابق. فهل القرآن جاء لزمنٍ دون زمن؟ وعند أيِّ زمنٍ نوقفه؟ عند أيِّ سَنَةٍ نوقف القرآن، ونقول إلى هنا انتهى زمن القرآن والأخذ بأحكامه؟ سنة مائة أو سنة مائتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة؟ بأي معيار نقول: إن القرآن وقف عند هذا الحدِّ؟ هذا كلام غريب جدًّا.
الله تعالى أنزل هذا الكتاب ليُحْكم به، ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ[المائدة: 49]. احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، الله أنزل كتابه ليُحكم به كلِّه، كلِّ القرآن. وأنكر الله على بني إسرائيل، أنَّهم أخذوا ببعض ما في كتبهم من أحكام وتركوا بعضها، أخذوا بعض ما كُتِب عليهم وتركوا بعضًا، فقال:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[البقرة: 85].
لا يجوز أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، ولا يجوز أن نأخذ من القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]. ولا نأخذ منه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178].
الله تعالى يقول:﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: 110]. فلا يجوز أن نأخذ:﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ. ونترك:﴿وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ.
لا يجوز أن نأخذ من القرآن:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ[المائدة: 6]؛ آية الطهارة، ولا نأخذ:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[البقرة: 278]. أو:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[المائدة: 90].
القرآن يؤخذ كلُّه، لا يجوز أن نجزِّئ القرآن، نأخذ منه ما يروق لنا، وندع ما لا يروق لنا.
القرآن جاء حكمًا عدلًا، وقولًا فصلًا، فلم يضع القرآن وأحكام القرآن الرجال حتَّى يتحيَّزوا ضدَّ النساء، ولا العكس، ولم يضعه الأغنياء حتَّى يتحيَّزوا ضد الفقراء، القرآن وضعه ربُّ الأغنياء والفقراء، وربُّ الرجال والنساء، وربُّ البيض والسود، وربُّ العرب والعجم، وربُّ الحكَّام والمحكومين، ولذلك القرآن للجميع، للنَّاس جميعًا،﴿قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا[الأعراف: 158]، ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَٰلَمِينَ نَذِيرًا[الفرقان: 1].
القرآن جاء للعالمين، جاء لكل الناس، وجاء لكل الأزمان، فالقرآن كتاب الزمن كلِّه، كتاب خالد، ليس بعده كتاب آخر، كما ليس بعد محمَّد رسول آخر، كما ليس بعد الإسلام رسالة ولا شريعة، ولذلك أحكامه باقية ودائمة، ولا يمكن أن تُنسخ أو تزول، من الَّذي ينسخها؟ عقل البشر ينسخ حكم الله؟ المخلوق ينسخ حكم الخالق؟ هذا أمرٌ عجيب.
لماذا كان للذكر مثل حظِّ الأنثيين؟
ولذلك أحكام القرآن باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وما قرَّره القرآن في المواريث باقٍ، والقرآن حين قرَّر أنَّ للذكر مثل حظِّ الأنثيين قرَّر ذلك بناءً على أنَّ الأعباء والتكاليف الَّتي وضعها على الرجل أكثر من الأعباء والتكاليف الَّتي وضعها على المرأة، الرجل مكلّف أن يدفع للمرأة إذا تزوجها مهرًا، وعليه أن يؤثِّث بيت الزوجية، وعليه أن ينفق على الأسرة، هذا هو النظام الإسلامي، الله تعالى يقول:﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ[النساء: 34].
فالرجل ينفق على الأسرة، يدفع مهرًا، ويؤثِّث بيتًا، ولذلك إذا هدم الأسرة تنهدم على أمِّ رأسه، ولذلك جعلت القوامة للرجل من هذه الناحية، فحينما نلغي مسألة الميراث لن نُلغيها وحدها، وإنَّما سنلغي مع الميراث مسؤولية الرجل عن الأسرة: «والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤولٌ عن رعيته»(6).
ومعنى أن نلغي قوامة الرجل على المرأة، ألَّا يدفع الرجل مهرًا للمرأة، وألَّا يتكفَّل الرجل بالنفقة على البيت! وفي هذا إلغاء لأحكام الشريعة الإسلاميَّة وإفساد للحياة!
لذلك لو أنَّ رجلًا توفِّي وترك مائة وخمسين ألفًا، وترك ابنًا وبنتًا، الابن يأخذ مائة ألف، والبنت تأخذ خمسين ألفًا، كلاهما يريد أن يتزوج، الابن إذا أراد أن يتزوج سيدفع مهرًا، ويؤثِّث بيت الزوجية، والبنت إذا أرادت أن تتزوج ستأخذ مهرًا، وهي غير مطالبة بتأثيث بيت الزوجية، ولذلك نصيبها يزداد، ونصيب الابن ينقص، هو ينقص ليذهب لامرأةٍ أيضًا، ولذلك في مسألة الزواج الله تعالى عدل، حكيم فيما شرع.
فهؤلاء يريدون أن نهدم هذا كله من أجل أهواء بعض النسوة المتغربات، اللائي يردن أن يسلخن مجتمعنا من جلده، ليكون مجتمعًا متغرِّبًا، يتبع الغرب شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، يأخذ الحضارة الغربية بخيرها وشرِّها، وحلوها ومرِّها، أو كما قال بعضهم: نأخذ ما يُحبُّ منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب.
نحن لسنا عبيدًا للغرب، لسنا أذيالًا، وقد خلقنا الله رؤوسًا، لسنا عبيدًا، وقد ولدتنا أمهاتنا أحرارًا، للغرب دينه ولنا ديننا، للغرب قيمه ولنا قيمنا، للغرب شرائعه ولنا شريعتنا، فنحن لسنا ملزمين أن نتبع الغرب ولا غير الغرب، نحن مسلمون، لنا ديننا ولنا شريعتنا.
والمرأة مهما استقلَّت سيظلُّ الرجل هو الَّذي يدفع لها مهرًا، وعليه أن يؤثِّث بيت الزوجية، وعليه أن ينفق عليها ولو كانت من أغنى الأغنياء، ليست مسؤولة عن النفقة، لو أنفقت شيئًا على الأسرة فذلك من مكارم أخلاقها، وطواعية منها.
هذا هو الَّذي جاء به الإسلام في هذه القضية، فلا يجوز أن نقول هذه القضيَّة انتهى زمانها، وبطل حكمها، وإلَّا أصبح الإنسان ينسخ شرع الله بهواه ورأيه،﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ[المائدة: 50].
بالنسبة لقضية الميراث، هي وصية من الله، وفريضة من الله، في أوَّل آية الميراث يقول: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ[النساء: 11]. ثمَّ في آخر الآية يقول: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا[النساء: 11]. وفي الآية الثانية يقول: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ[النساء: 12]. فهي وصية من الله، وفريضة من الله، وفي الآية الثالثة بعد آيتي الميراث يقول:﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ، أي أحكامه المحدَّدة والمقدَّرة،﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٣ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ[النساء: 13 ـ 14].
فالمواريث قطعيَّة الثبوت وقطعيَّة الدلالة، حتَّى إنَّ القرآن هو الَّذي فصل أحكامها، لم يُترك للسُّنَّة فيها إلَّا شيئًا ضئيلًا، ومعظم أحكام الميراث جاءت في القرآن وحدَّدها بالنصف والربع والثمن والثلثين والثلث والسدس، بهذه المقادير الحسابية الرياضية، فلا مجال لأحدٍ بعد ذلك، كما قال الله في آخر سورة النساء: ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ[النساء: 176]. أي يبيِّن لكم هذه الأحكام، كراهة أن تضلوا، والله بكل شيء عليم، الله يعلم وأنتم لا تعلمون. فهل يصلح أن نتعالم على الله، وندعي أنَّنا أعلم من الله بعباده، وأرحم بخلقه منه؟ ﴿قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ[البقرة: 140]. لا شكَّ أنَّ الله هو الأعلم،﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ[الملك: 14].
الإسلام لم يستحدث الرِّقَّ:
أمَّا القضيَّة الأخرى وهي قضية تعدُّد الزوجات، والقول بأنَّ تعدُّد الزوجات قد مضى زمانه، وكما أبطلنا ملك اليمين ينبغي أن نبطل تعدُّد الزوجات، فأقول:
أولًا: بالنسبة لملك اليمين فإن الإسلام لم يشرع الرِّقَّ. لم يستحدث الرقَّ، الرقُّ كان موجودًا قبل الإسلام، والإسلام وسَّع أسباب العتق، ولذلك نحن ندرس الرِّقَّ في كتب الفقه تحت عنوان: «كتاب العتق». ومن أسباب العتق في الفقه الإسلامي العتق عن طريق التدبير، بأن يصير الرقيق حُرًّا بعد موت سيده. أو عن طريق أن تصير الأَمَة أمَّ ولد، بأن تحمل من سيِّدها، فإذا ولدت، لا يجوز لسيِّدها أن يبيعها، ولا يجوز له أن يهبها لغيره، ولا أن يتصرف في ملكيتها، وتتحرَّر بمجرَّد موت سيِّدها، أو عن طريق المكاتبة، كما قال تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ[النور: 33].
وقد يكون العتق عن طريق التطوُّع والتقرب لله 8 ، فالعتق من أعظم أبواب القربات إلى الله تعالى، قال سبحانه: ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ ١١ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ[البلد: 11 ـ 13]. ومن طرق العتق أنَّ الإسلام جعل العتق من الكفارات، فمن كفارة اليمين تحرير رقبة، ﴿فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ[المائدة: 89]. وفي كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ[النساء: 92]. وفي كفارة الظهار تحرير رقبة:﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا[المجادلة: 3].
وجاء في السُّنَّة عتق رقبة في كفارة الجماع في نهار رمضان: جاء رجلٌ إلى النبيِّ  ، فقال: يا رسول الله، هلكتُ. قال: «ما لك؟». قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله  : «هل تجد رقبة تُعْتِقُها؟»(7). وجعل النبيُّ كفارة من ضرب عبده أو ظلمه أن يُعتقه، قال  : «من ضرب عبدًا له حدًّا لم يأته، أو ظلمه، أو لطمه ـ شكَّ الراوي ـ فإنَّ كفارته أن يُعتقه»(8).
فالإسلام وسّع أسباب العتق، وضيّق منابع الرِّقِّ، فقد ألغى استرقاق المدين، كما كان يحدث في الجاهلية، وألغى أن يؤخذ الإنسان رقيقًا في جريمة، كما كان في مصر في عهد سيدنا يوسف، حينما يسرق الشخص شيئًا ويضبط عنده الشيء المسروق يؤخذ به، ويُسترقُّ به، كما قال إخوة يوسف: ﴿قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ[يوسف: 75]. الإسلام هو الَّذي أبطل هذا.
أبطل الإسلام كذلك أن يبيع الإنسان نفسه، أو أن يبيع امرأته، أو ولده، وأبطل النخاسة، وخطف الأولاد وبيعهم، وغارات القبائل بعضها على بعض، كل هذه الأشياء أبطلها وألغاها، وجعل الرِّقَّ خاصًّا فقط بالأسير في الحرب الشرعيَّة، وليس من الضروري أنَّ كل أسير في حرب شرعية نأخذه ونسترقه، القرآن ذكر أمرين في الأسرى، قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا[محمد: 4]. إمَّا أن تمنُّوا عليهم من غير فداء، وإما أن تفادوا أسيرًا بأسير، أو أسيرًا بمال، أو بخدمة كما فعل النبيِّ مع بعض أسارى بدر.
وجاء في السُّنَّة إمكان استرقاق بعض الأسرى، وذلك منه معاملة بالمثل، إذا كانوا يسترقُّون أسرانا نسترقُّ أسراهم، والنبيُّ لم يسترقَّ ذكرًا بالغًا قطُّ، كما قال ابن القيِّم في زاد المعاد(9)، واسترقَّ بعضَ النِّساء وبعض الأولاد ليكونوا في حضانة الأسر الإسلاميَّة؛ لأنَّ الرقيق يصبح كأنَّه عضو في الأسرة، الرسول سمَّاهم إخوانًا لنا، قال  : «إخوانُكم خَوَلُكم، جعلهم اللهُ تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه ممَّا يأكل، وليُلبِسْه ممَّا يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»(10). وقال  : «لا يقلْ أحدُكم: أطعمْ ربَّك، وضِّئ ربَّك، اسقِ ربَّك. وليقل: سيدي، مولاي. ولا يقلْ أحدُكم: عبدي، أَمَتي. وليقلْ: فتاي، وفتاتي، وغلامي»(11).
فالإسلام أوصى بالرقيق، وبما ملكت الأيمان، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا[النساء: 36]. كما تحسن للوالدين ولذي القربى واليتامى أحسن إلى ما ملكت يمينك.
وأقول: ليس في القرآن ولا في السُّنَّة نصٌّ يأمر بالاسترقاق، بل أجاز النبيُّ الاسترقاق وفعله وأقره؛ لأنَّه كان أمرًا واقعًا، وكان معاملة بالمثل، فإذا اتفقت البشرية على أن يمتنعوا عن الاسترقاق؛ فإنَّ الإسلام يرحِّبُ به، فقد جاء الإسلام بالدعوة إلى العتق، وسبق الغرب في الدعوة إلى ذلك.
لذلك فأقول: الاتِّفاق على إلغاء الرِّقِّ لم يكن إلغاءً لشيءٍ أمر به الإسلام، أو لنصٍّ في القرآن أو في السُّنَّة، لكن الَّذين يقولون نُلغي تعدُّد الزوجات كما ألغينا الرِّقَّ، أقول لهم: فكيف نفعل في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ [النساء: 3]؟ كيف نُلغي هذا النصَّ؟! فقياس هذا على هذا قياسٌ غريبٌ جدًّا.
قضيَّة تعدُّد الزوجات:
الاسترقاق ليس فيه نصٌّ، بينما هنا يوجد نصٌّ بإباحة تعدد الزوجات، ثمَّ إنَّ البشريَّة اتَّفقت على ألَّا تَسْتَرِقَّ، ولم تتَّفق على عدم التعدُّد، فالتعدُّد موجود في أنحاء العالم، حتَّى عند الغرب نفسه، كلُّ ما في الأمر أنَّ الغرب يعدِّد الخليلات، ونحن نعدِّد الحليلات، الغرب يُعدِّد بالفعل، ولكنَّه تعدُّد لا أخلاقي ولا إنساني، الرجل يعاشر عدَّة نساء، لكنَّه يعاشرهن في الحرام، في الخفاء، وليس عليه أي مسؤولية تجاههن، قد تحمل منه، ولكنَّه لا ينسب إليه هذا الولد، أمَّا في الإسلام فالرجل يعدِّد إلى أربع نسوة لكنَّه يعدِّد في الحلال، بعقدٍ شرعي، تصبح هذه المرأة زوجة له، ينفق عليها، ويعطيها مهرها، ويوفِّر لها المسكن، وينسب إليه ولده منها، وعليه نفقته وتربيته والعناية به.
والتعدُّد أمر شرعه الله لمصلحة البشر، لمصلحة الرجل، فقد تكون امرأته مدَّة حيضها طويلة وهو لا يصبر، وقد تكون مصابة ببرود جنسي، والرجل لا يطيق، وهو قادر على أن يتزوَّج، فمن مصلحة الرجل أن يتزوَّج في الحلال بدل أن يرتكب الحرام، يبقي زوجته في عصمته، ويتزوَّج بأخرى.
ثم هو من مصلحة المرأة كذلك، بعض النَّاس يطالبون بمنع التعدُّد بحجَّة أنَّه ضدُّ مصلحة المرأة، والحقُّ أنَّه ضد مصلحة المرأة الأولى، ولكن المرأة الثانية رضيتْ أن تتزوَّج برجل متزوِّج، فالرجل حين تزوَّج امرأة تزوَّجها برضاها، والمرأة الثانية لا شكَّ أنَّها رضيت أن تكون نصف زوجة، خيرًا من أن تعيش بلا زواج، بعض العوانس ممَّن فاتهنَّ قطار الزواج تقبل بأن تتزوَّج رجلًا متزوِّجًا، وترى أنَّ ذلك خيرٌ لها من أن تبقى بلا زواج، فالمرأة الثانية رضيت بذلك، فلْتثُرْن على أخواتكنَّ من النساء اللائي قبلن أن يتزوجنَّ من رجالٍ متزوجين.
← العودة لقسم 3- قضايا أصولية