أيُّ أموال التجَّار فيها الزكاة؟

❓ أيُّ أموال التجَّار فيها الزكاة؟

📅 2026-06-13 👁 989 مشاهدة

نص السؤال:

أصبحت الأموال (رأس المال) في عروض التجارة وخلافها تتخذ صورًا شتَّى: بعضها منقول: كالسيارات والجرارات، والآلات على اختلاف أنواعها، والبضائع التجارية من مطعومات وملبوسات وأشباهها.
وثوابت: كالمكاتب والسيارات المستعملة في تسيير دفة العمل، وأدوات الكتابة والحساب، وأجهزة البيع المختلفة، والأثاث المستعمل الَّذي يبلغ في مجموع قيمته أموالًا طائلة.
وعقارات: كالعمارات التجارية والمحلات والأراضي البيضاء.
وديون: ليست كلها على درجة واحدة، فبعضها يحصل على سنين، وبعضها معروف لأجل، والبعض الآخر يصطلح عليه بين رجال الحسابات «بالدَّيْن الميت».
ثم هناك المال المتمثِّل في بضائع الوكالات التجارية.
فكيف يُزكَّى كلُّ ذلك، فإنَّ بعض ما ذكر معروف أداء زكاته بالشروط المعروفة في كتب الفقه، أمَّا البعض الآخر ـ وبخاصَّة الديون المجمَّدة ـ فتحتاج إلى مزيد فقهٍ وزيادة بيان.
ولمَّا أنْ كانت الشركات وبعض أصحاب رؤوس الأموال، يريدون مخلصين تأدية زكاة أموالهم على وجه يكفل لهم أداء هذا الركن الإسلامي العظيم بطريقة شرعيَّة صحيحة؛ فقد وجدت لنفسي مخرجًا للسلامة باللجوء إلى صاحب كتاب «فقه الزكاة».
وعلَّني أحظى بجوابٍ منكم ينفعني وينفع المسلمين.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا القسم الأوَّل، وهو ما كان منقولًا من الأموال كالسيارات والجرارات والآلات على اختلاف أنواعها، والبضائع التجارية، فكله داخل فيما يسمِّيه الفقهاء «عروض التجارة» ويعنون به كل ما يُعد للبيع بقصد الربح من ورائه، فما دامت هذه الأشياء معدة للبيع، فهي عرض تجاري تجب فيه الزكاة(1).
وهذا بخلاف الأشياء الثابتة ممَّا ذكر السائل في القسم الثَّاني كالمكاتب والسيارات المستعملة في تسيير دفة العمل، وآلات الكتابة والحساب، والأثاث ونحوها. فهذه لا تدخل في عروض التجارة، لأنَّها ليست ممَّا يعد للبيع، بل هي معدَّة للاستعمال، وقد نصَّ الفقهاء على مثل ذلك فقالوا: «لا تُقوَّم الأواني الَّتي توضع فيها سلع التجارة والأقفاص والموازين والآلات... ولا دولاب العمل اللازم للتجارة، لبقاء عينها، فأشبهت العروض المقتناة»(2)، أي الممتلكات الشخصية الَّتي لا تعد للنماء. وفصّل بعضهم فقالوا: في الأواني الَّتي توضع فيها عروض التجارة كقوارير العطارين والغرائر والأكياس الَّتي يستعملها تاجر الحبوب، والسرج واللجم الَّتي يستعملها تاجر الخيل ونحوها: إن أريد بيعها مع هذه الأشياء فهي مال تجارة تُقوّم معها. وإن لم يرد بيعها ـ بل تباع العروض وتبقى هي للاستعمال ـ فلا تُقوّم، شأنها شأن «العروض المقتناة». وهذا ما يطلق عليه في العرف الضريبي والتجاري اسم «الأصول الثابتة».
وأما العقارات الَّتي مثّل لها السائل بالعمارات التجارية والمحلات والأراضي البيضاء، فإن السؤال لم يوضِّح حقيقتها والغرض منها تمامًا: هل هو يتاجر في هذه الأشياء؟ على معنى أنَّه يشتريها أو يبنيها على حسابه، ليقوم بعد ذلك ببيعها، ويكسب من ورائها. فإن كان هذا ما يفعله وما يقصد إليه، فهي أيضًا عروض تجارة، فيجب أن تُقوّم وتزكى زكاة عروض التجارة؛ بإخراج 2.5 % من قيمتها.
وإن كان يشتري أو يبني العمارة أو المحل ليستغله بالإيجار، فليس هذا بعرض تجاري تجب الزكاة في قيمته، وإنَّما تجب الزكاة فيما يغله من إيراد، قياسًا على الزكاة، فيما تغلُّه الأرض الزراعية.
أمَّا كم يجب في غَلَّته؟ أهو ربع العشر كما هي زكاة النقود، أم نصف العشر قياسًا على زرع الأرض المسقية بآلة؟ أم العشر من صافي الغلَّة بعد طرح النفقات ومقابل الاستهلاك وما إلى ذلك.
احتمالات، لعلَّ أوسطها هو أقربها، وإن كان الأوَّل أيسر وأقرب إلى نفوس النَّاس وإلى المتعارف لديهم، وله وجه.
وعلى كلِّ حال ينبغي للفرد المسلم أن يخرج زكاة ما تجمع في يده من غلة هذه الدور أو العمارات عقب قبضها أوَّل كل شهر، ولا ينتظر بها حولان الحول، أخذًا بعموم النصوص وإطلاقها، وقياسًا على الزرع الَّذي جاء فيه:﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ[الأنعام: 141].
وأمَّا الديون، فما كان مرجوًّا غير ميؤوس منه، فهو بمنزلة ما بيده، ويجب على الدائن تزكيته؛ لأنَّ الزكاة فرع الملك التام، وهذا لم يزل ملكه تامًّا عليه؛ فلهذا تجب عليه فيه الزكاة كلَّ حول، وما كان من الديون ميؤوسًا منه؛ بأن كان على مفلس، أو على جاحد، وليس مع الدائن بينة، أو نحو ذلك، ممَّا يجعله «دَيْنًا ميتًا» كما يقول السؤال، فهذا لا زكاة فيه؛ لأنَّه مال «ضِمار»(3) كما يقول الفقهاء. وملكه عليه ليس تامًّا. وليس مالًا ناميًا بالفعل، ولا بالقوة، فإذا فرض أنَّه قبضه بعد ذلك، فأرجح الأقوال أن يزكيه عند قبضه لسنة واحدة.
وأما أموال الوكالات التجارية، فهي إمَّا بمثابة أمانة ووديعة عند الوكيل، إن كانت يده عليها يد الأمين الَّذي لا يضمن هذه، وهذه لا زكاة فيها بيقين، وإما أن يكون له حق التصرف فيها كما يشاء، فهو ضامن لها. وإذن يكون مدينًا بثمنها. والراجح أن لا زكاة على المدين بقدر دينه، لأنَّ هذا القدر غير مملوك له على الحقيقة. ولا زكاة إلَّا فيما كان مملوكًا مِلْكًا تامًّا. والله أعلم.
← العودة لقسم 3- الزكاة والصدقات