2026-06-13
1,029
حكم زكاة الدَّيْن
لي دَيْن على شخص يُقدَّر بمبلغ ثلاثمائة دينار، وكان طالبًا وقد تخرج، وهو الآن عاطل عن العمل، وقد دفعت إليه الزكاة الواجبة في ذلك المبلغ، فهل يجوز ذلك، وهل أنا مطالب فعلًا بإخراج الزكاة عن المبلغ المذكور، وهو لا يزال دينًا عليه؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إذا كان الدَّين حيًّا ـ أي أنَّ المدين معترفٌ به غيرُ جاحدٍ له، وهناك أمل بسداده يجب أن تخرج عنه الزكاة، لأنَّ هذا الدَّين مملوك لصاحبه، لم يمُت، والزكاة تجب عن كلِّ مالٍ مملوك(1).
وزكاة مثل هذا الدَّين المرجوِّ واجبةٌ كلَّ عام.
وبعض الأئمَّة يرى تأجيل دفع زكاته إلى حين قبضه، والبعض الآخر يقول بتزكيته في الحال.
والجمهور على وجوب تزكيته كلما حال عليه الحول(2).
وإذا كان الدين ميتًا، ميؤوسًا منه، لا يرجى من المدين قضاؤه كأن يجحده مثلًا ولا بيِّنة عليه، فمثل هذا الدين لا زكاة فيه، إلَّا حين القبض، وعندئذٍ يزكِّيه لسنة واحدة. وبعضهم يرى ألَّا زكاة فيه إلَّا بعد مرور عام على قبضه(3).
والسائل يرجو الوفاء بدينه عندما يحصل المدين على عمل يمكنه من قضاء دينه، فيعتبر دَيْنه حيًّا مرجوًّا، تجب فيه الزكاة.
وإذا دفع الأخ السائل زكاته لمثل ذلك الطالب الَّذي انقطع عن أهله وعن موارد رزقه فزكاته صحيحة، لأنَّ الطالب في هذه الحالة إمَّا فقير أو مسكين، وإمَّا ابن سبيل انقطع عن ماله، وإمَّا من الغارمين، أي المدينين.
وبعد تخرجه أيضًا يجوز دفع الزكاة إليه إذا كان عاطلًا عن العمل؛ لأنَّ الشهادة الَّتي حصل عليها لا تجعله غنيًّا بذاتها، ولا تطعمه من جوع، أو تكسوه من عري، والزكاة إنَّما تحرم على الغني بماله أو بكسبه، وهو محروم من هذا وذاك، فهو من أهل الاستحقاق للزكاة حتَّى يجد عملًا لائقًا بمثله يكتسب منه تمام كفايته، فالزكاة عليه جائزة من أكثر من وجه.
بل يجوز إسقاط الدين عنه واحتسابه من الزكاة، كما هو رأي بعض الفقهاء(4).
والله أعلم.
(1) اختلفت أقوال الفقهاء في حكم زكاة الديون، فذهب ابن عمر وعائشة وابن عباس وغيرهم إلى أنه لا تجب الزكاة في الدين، وأما جمهور الفقهاء فيفرقون بين دينٍ حالٍّ يرجى أداؤه، ودينٍ حالٍّ لا يرجى أداؤه، فأما الحال المرجو أداؤه فتخرج زكاته عند نهاية كل حول حتى ولو لم يقبض، وهو اختيار الشافعية، وعند الحنفية والحنابلة تخرج زكاته فقط عند القبض. أما الدين الحال غير المرجو أداؤه، فهو ما كان على معسر أو مماطل أو جاحد، فلا تجب زكاته عند أبي حنيفة وقول عند الحنابلة ومقابل للأظهر عند الشافعية، والقول الثاني: أنه يزكيه عن كل عام إذا قبضه. وأما المالكية فيرون وجوب زكاة الدين الحال المرجو الأداء على التفصيل، فمنه ما يزكى كل عام وهو دين التاجر المدير عن ثمن بضاعة تجارية باعها، ومنه ما يزكى لحول من أصله لسنة واحدة عند قبضه ولو أقام عند المدين سنين، وهو ما أقرضه لغيره من نقد، ومنه ما لا زكاة فيه، وهو ما لم يقبض من نحو هبة أو مهر. انظر: بدائع الصنائع (2/9)، وحاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي (2/50، 51)، نشر دار الفكر، بيروت، 1415هـ ـ 1995م، والمغني لابن قدامة (3/71).
(2) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (23/238).
(3) المصدر السابق.
(4) وهذا رأي الشافعية في قول، وأشهب من المالكية. وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء؛ لأنه لو دفع إليه زكاته ثم أخذها منه عن دينه جاز، فكذا هذا. وأما الجمهور فاختاروا المنع. انظر: المجموع شرح المهذب (6/211)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/494).