2026-06-13
997
حكم دفع الزكاة للزوجة والإخوة الأغنياء
هل يجوز دفع الزكاة للزوجة، ومن تلزمه نفقته، والإخوة الأغنياء؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا الزوجة فلا يجوز أن تدفع لها الزكاة بالإجماع؛ لأنَّ زوجة الإنسان جزء منه كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً﴾[الروم: 21]. فزوجة الإنسان جزء منه وبيت الزوجية بيت لها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ﴾[الطلاق: 1]، فبيوتهن هي بيت الزوجية، بيت المرأة، ومال الرجل هو مال المرأة، فإذا أعطاها فكأنَّما يعطي في الحقيقة نفسه، وهل يجوز للإنسان أن يعطي نفسه؟!
ولهذا اتفق العلماء على أنَّه لا يجوز للزوج أن يعطي زوجته من مال زكاته أبدًا، وكذلك لا يجوز له أن يعطي أولاده فإنَّهم جزء منه أيضًا، كما
جاء في الحديث: «أولادُكم من كَسْبِكم»(1)، وكذلك أبواه فهو جزء منهما(2)، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية 5 أجاز للولد إذا كان أبواه فقيرين؛ وكان لا يستطيع أن يقوم بنفقتهما أجاز للولد أن يعطي زكاته لأبويه في تلك الحال(3). وهذا لا بأس به أيضًا.
أمَّا الإخوة، فإذا كانوا فقراء وكانت نفقتُهم تلزمه، هل يعطيهم أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك(4)، والصحيح الَّذي أرجِّحه أنَّه يجوز للأخ أن يعطي إخوته الفقراء من زكاة ماله لعموم النصوص، وإذا أخرجنا من هذا العموم الزوجة والأولاد والوالدين فالإخوة باقون على العموم، يجوز للأخ أن يعطي لإخوته من زكاته، وإن كانت تلزمه نفقتهم. أمَّا الأقارب الآخرون، مثل الخالة والعمَّة، وبنت الخال وبنت الخالة، وبنت العمَّة وغير ذلك، فهم يُعطَون من الزكاة ولا حرج بالإجماع.
أمَّا الإخوة الأغنياء ـ كما يقول السائل ـ فهؤلاء لا يجوز أبدًا أن يعطوا من الزكاة، لا يجوز أن يعطى من الزكاة غني، سواء كان أخًا أو غير أخ، فقد قال النبيُّ ﷺ : «لا تحلُّ الصدقة لغنيٍّ ولا لذي مِرَّة سويٍّ»(5). أي لذي قوَّة سليم الأعضاء مستوي الجسم. وقد جاء عن النبيِّ ﷺ في وصف الزكاة أنَّها «تؤخذ من أغنيائهم، وتُرَدُّ على فقرائهم»(6). فإعطاء الغنيِّ منها يُخِلُّ بحكمة الشارع وقصده من شرعيَّتها.
(1) رواه أحمد (25296)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره. وأبو داود في البيوع (3528)، والترمذي في الأحكام (1358) وقال: حسن. والنسائي في البيوع (4449)، وابن ماجه في التجارات (2137)، وصححه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (50)، عن عائشة.
(2) وهو موضع اتفاق الفقهاء في منع إعطاء الزكاة لمن تلزمه نفقته، وإن اختلفوا في تحديد من تلزمه نفقته من أقاربه ومن لا، ولكن اتفقوا جميعًا في الزوجة، والوالدين، والأولاد. انظر: المغني لابن قدامة (6/488)، والمجموع شرح المهذب (6/229)، وحاشية الدسوقي (1/498، 499).
(3) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (5/373): ويجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء، وهو عاجز عن نفقتهم لوجود المقتضي السالم عن المعارض المقاوم؛ وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وكذا إن كانوا غارمين أو مكاتبين أو أبناء السبيل، وهو أحد القولين أيضًا في مذهب أحمد.
(4) ذهب الحنفية ـ وهو قول عند الحنابلة ـ إلى جواز أداء الزكاة للحواشي؛ ممن لا تصلهم مع المزكي علاقة الولادة، وهو الأصح في مذهب الشافعية؛ على خلاف فيه. وعند المالكية والشافعية في قول، إنما يجوز أداء الزكاة إلى القريب إذا كانت لا تلزمه نفقته. انظر: المجموع شرح المهذب (6/191)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/498، 499).
(5) رواه أحمد (6530)، وقال مخرِّجوه: إسناده قوي. وأبو داود (1634)، والترمذي (652)، وقال: حسن. كلاهما في الزكاة، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1444)، عن عبد الله بن عمرو.
(6) متَّفَق عليه: رواه البخاري في الزكاة (1395)، ومسلم في الإيمان (19)، عن ابن عباس.