2026-06-13
981
صرف فائض الزكاة لصالح المحتاج غير المسلم
الشيخ الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أدعو الله العلي القدير أن تصلكم هذه الرسالة وأنتم بخير حال وأتم صحَّة وعافية، وننتهز هذه الفرصة لنهنئكم بالشهر المفضّل، شهر الرحمة والغفران، سائلين الله أن يعيده عليكم وعلى الأمة الإسلاميَّة باليمن والبركة، أما بعد:
فأكتب لفضيلتكم وأرجو أن تتكرَّموا بتزويدنا بإجابة بعض الاستفسارات الَّتي نتعرَّض لها خلال عملنا في الميدان بمجال الإغاثة والتنمية.
ومن هذه الأسئلة:
ـ هل يجوز صرف فائض الزكاة المدفوعة من قبل المسلمين للإغاثة الإسلاميَّة لصالح المحتاج غير المسلم؟
ـ وهل يجوز إعطاء المحتاج غير المسلم من لحوم الأضاحي الَّتي تبرع بها المسلمون للإغاثة الإسلاميَّة؟
وتفضَّلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مدير قطاع تنمية الموارد
الإغاثة الإسلاميَّة ـ بريطانيا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فجمهور الفقهاء على أنَّ الزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين لتُرَدَّ على فقرائهم، كما نصَّ الحديثُ النبويُّ الشريف(1)، وإن كان من الفقهاء من أجاز إعطاء الزكاة لأهل الحاجة من غير المسلمين(2)، ولا سيَّما إذا كانت حصيلة الزكاة ضخمة، وفاضت عن حاجات المسلمين(3).
وقد استدلَّ بعضهم بفعل عمر بن الخطاب 3 حين رأى يهوديًّا يسأل الناس، فسأله: لماذا تسأل؟ فقال: أسأل الجزية، والحاجة، والسنَّ. فأمر خازن المال أن يفرض له ولأمثاله من بيت مال المسلمين ما يكفيه. ثمَّ تلا الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾[التوبة: 60]. وقال: هذا من المساكين من أهل الكتاب(4).
على أنَّ هناك اعتبارًا يجيز إعطاء الزكاة لغير المسلم، وذلك إذا أُعطي تأليفًا لقلبه، وتحبيبًا له في الإسلام، فمن المصارف المنصوص عليها في القرآن: مصرف «المؤلَّفة قلوبُهم» وإن كان الأصل في هذا التأليف: أنَّه عمل موكول إلى الدولة المسلمة وأولي الأمر فيها، فهو من أعمال السياسة الشرعيَّة.
ويمكن أن تقوم الجمعيَّات الخيريَّة الإسلاميَّة أو جمعيَّات الإغاثة الإسلاميَّة الكبيرة مقام الدولة في تأليف القلوب، وخصوصًا من يعيشون في الغرب، ويختلطون بغير المسلمين، ويعرفون الوسائل والأساليب الَّتي تؤثِّر فيهم وتقرِّبهم من الإسلام.
وممَّا يؤيِّد هذا الاتِّجاه: أنَّ جمعيَّات الإغاثة غير المسلمة لا تمتنع عن إعطاء المسلمين المحتاجين من مواردها، ونحن أولى بعمل الخير منهم.
أمَّا إعطاء المحتاج غير المسلم من لحوم الأضاحي الَّتي يتبرَّع بها المسلمون للإغاثة الإسلاميَّة، فلا بأس بذلك، فليس في لحوم الأضاحي من التشديد والتدقيق ما في مال الزكاة، باعتبار الزكاة فريضة ركنية لها خطرها، ولذا يجب التشديد والتدقيق في صرفها في مصارفها الشرعيَّة الَّتي نصَّ عليها القرآن في سورة التوبة:﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾[التوبة: 60].
ولم يمنع الإسلام الإحسان إلى غير المسلمين إذا كانوا من أهل الحاجة، كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًۭا وَيَتِيمًۭا وَأَسِيرًا﴾[الإنسان: 8]، وكان الأسير حينئذٍ من المشركين(5).
وقد أجاز بعض السلف إعطاء رهبان النَّصارى من صدقة الفطر. وقال العلَّامة ابن قدامة الحنبلي في شأن الأضحية: «ويجوز أن يطعم منها كافرًا. وبهذا قال الحسن، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال مالك: غيرهم أحبُّ إلينا. وكره مالك والليث إعطاءَ النصرانيِّ جلدَ الأضحية».
قال ابن قُدامة: «ولنا: أنَّه طعام له أكله، فجاز إطعامه الذميَّ كسائر طعامه؛ ولأنَّه صدقة تطوُّع. فأمَّا الصدقة الواجبة منها فلا يجزئ دفعها إلى كافر؛ لأنَّها صدقة واجبة فأشبهت الزكاة وكفَّارة اليمين»(6).
(1) سبق تخريجه صـ 454.
(2) انظر: المجموع للنووي (6/228)، والمبسوط (2/202).
(3) راجع كتابنا: فقه الزكاة (2/712 ـ 724)، موضوع: صرف الزكاة لغير المسلمين.
(4) انظر: محاسن التأويل للقاسمي (5/384)، تحقيق محمد باسل عيون السود، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418هـ .
(5) انظر: تفسير الطبري (24/97)، تحقيق محمود وأحمد شاكر، نشر دار التربية والتراث، مكة المكرمة.
(6) المغني لابن قدامة (9/450).