2026-06-13
1,007
جمع الزكاة بواسطة المؤسَّسات الخيريَّة
ما حكم جمع أموال الزكاة وتوزيعها في مصارفها الشرعيَّة؛ بواسطة المؤسسات الخيريَّة غير الحكومية؟ وهل يجوز لهذه المؤسسات أن تنفق جزءًا من هذا المال على المصروفات الإدارية الَّتي يستلزمها توزيع أموال الزكاة؟ علمًا بأنَّ هناك من يدَّعي عدم جواز «جمع وتوزيع أموال الزكاة بمعرفة المؤسسات الحالية» نظرًا لغياب الخلافة الإسلاميَّة صاحبة الحق الوحيد في القيام بهذا الدور.
مصطفى عثمان
مدير قسم المعلومات في مؤسسة الإغاثة الإسلاميَّة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الزكاة هي الركن الثَّالث من أركان الإسلام، وهي الركن المالي والاجتماعي، الَّذي يعالج أدواء الفقر والمسكنة، والغرم والتشريد، ويساهم في إعلاء كلمة الإسلام (في سبيل الله) فهي لمن يحتاج من المسلمين، ولمن يعاون المسلمين من العاملين عليها، ومن المجاهدين في سبيل الله.
والزكاة هي شقيقة الصلاة في القرآن والسُّنَّة، وقد قرنت بالصلاة في كتاب الله في ثمانية وعشرين موضعًا، كما قرنت بها في أحاديث شتى في السُّنَّة.
ولذا قال جابر بن زيد: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه(1)! يعني حين لم يفرِّق بين الصلاة والزكاة، وقال لمن قالوا بعد وفاة رسول الله ﷺ : نصلِّي ولا نزكِّي! قال: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة(2).
فإذا كانت الصلاة فريضة واجبة الأداء في كل مكان وزمان، وُجد الخليفة أم لم يُوجد، فإنَّ الزكاة فريضة لازمة، واجبة الأداء كذلك في كل مكان وزمان.
فهناك ثلاثة حراس على هذه الفريضة.
الأول: حارس السلطان، الَّذي يجب أن يأخذها من أغنيائهم ليردَّها على فقرائهم.
والثاني: حارس الضمير الاجتماعي للأمة المسلمة، الَّذي يتمثَّل في النصيحة في الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والثالث: حارس الإيمان في قلب المسلم، فإذا انتفى الحارس الأوَّل بقي الحارسان الآخران، وإذا انتفى الحارسان الأوَّل والثاني، بقي حارس الإيمان، الَّذي يدفع المؤمن إلى أداء الواجب، ولو لم يطالبه به أحد.
والأولى بالجماعة المسلمة إذا لم يوجد خليفة على رأس الأمة، ولم توجد سلطة شرعية إقليميَّة مسلمة: أن تنظِّم ما استطاعت: تحصيل الزكاة من أرباب المال، وتوزيعها على مستحقِّيها الثمانية، أو الموجودين منهم، فإذا لم يوجد مصرف «في الرقاب» تصرف على السبعة الباقين، وإذا لم يوجد مصرف «العاملين عليها» أو مصرف «المؤلفة قلوبهم» تصرف على من بقي من المصارف، كلٌّ حسب حجمه، وحسب حاجته، كما هو رأي جمهور الفقهاء.
وقد قال ! : «إذا كنتم ثلاثةً، فأمِّرُوا أحدَكم»(3). وهذا في السفر، إشارةً إلى ضرورة التنظيم في كلِّ الأمور، حتَّى لا تصبح الأمور فوضى.
ودعوى ترك جمع الزكاة وتنظيمها حتَّى يظهر الخليفة، وترك الفقراء يموتون جوعًا، حتَّى يظهر الخليفة: دعوى لا دليل عليها، وتعطيل للفرائض الركنية دون بيِّنة. والله تعالى يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: 16]. والرسول يقول: «إذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم»(4). فإذا لم نستطع إقامة الخلافة، واستطعنا أداء ما يخصنا من فرائض وواجبات، فعلينا أن نؤديها، كما أمر الله ورسوله، وسقوط بعض الواجبات عنَّا للعذر، لا يكون سببًا في إسقاط الكل.
وقد كان المسلمون في العهد المكِّي يؤتون الزكاة، الَّتي وصف الله بها المؤمنين والمحسنين في كتابه في السور المكية، وذلك قبل أن تقوم للإسلام دولة.
نقرأ في سورة النمل قوله تعالى: ﴿هُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾[الآية: 2، 3]، وفي سورة لقمان:﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾[الآية: 3، 4].
والزكاة هنا هي الزكاة المطلقة، غير المحدَّدة بالنُّصُب والمقادير والحول، بل هي موكولة إلى إيمان المسلم، وحاجة الدعوة والأفراد المسلمين.
بل وجدنا في القرآن المكي: التحذير الشديد من ترك إطعام المسكين، وترك الحضِّ على إطعامه، واعتبار ذلك من خصال الكفار، ومن موجبات دخول النار، كما قال تعالى على لسان المجرمين في سقر: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ٤٣ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ﴾[المدّثر: 43 ـ 44]، ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ١ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾[الماعون: 1 ـ 3]. وسورة أخرى رسمها القرآن المكي لمن أوتي كتابه بشماله من أهل الشقاوة، وفيه صدر الحكم الإلٰهي يوم القيامة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ ٣٢ إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ٣٣ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾[الحاقة: 30 ـ 34]. وقال تعالى في المجتمع الجاهلي: ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ ١٧ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾[الفجر: 17 ـ 18]. أي لا يحضُّ بعضكم بعضًا على إطعامه ورعاية حاجاته. قال الشيخ محمَّد عبده: في هذه الآية دليل على مشروعيَّة الجمعيَّات الخيريَّة الَّتي تعمل لصالح الفقراء والمساكين.
(1) تفسير الطبري (14/153).
(2) متَّفَق عليه: رواه البخاري في الزكاة (1399 ـ 1400)، ومسلم في الإيمان (20)، عن أبي هريرة.
(3) رواه أبو داود في الجهاد (2609)، وقال الألباني في صحيح أبي داود (2348): حسن صحيح. عن أبي هريرة، ولفظه: «إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم».
(4) سبق تخريجه صـ 364.