صرف الزكاة لإقامة المساجد

❓ صرف الزكاة لإقامة المساجد

📅 2026-06-13 👁 967 مشاهدة

نص السؤال:

أنا رجلٌ مسلم آتاني الله من فـضله ما أعجز عن شكره مهما عملت، فإنَّ عملي نفسه نعمة منه تستوجب الشكر.
وبعض فـضل الله علي هو المال، وهو بحمد الله كثير، وأنا أزكِّيه في كل عام، وآخذ برأيك في تزكية إيراد العمارات الَّتي أملكها كل شهر عند قبضها ودون انتظار حولان الحول، وبنسبة نصف العشر من إجمال الإيراد.
والسؤال الَّذي أطرحه عليك اليوم هو صرف الزكاة لعمارة المساجد، حتَّى تقام فيها الصلوات، وحلقات العلم وتجمع المسلمين على طاعة الله تعالى.
فكثيرًا ما يأتينا ـ ونحن في بلاد الخليج ـ إخوة لنا من البلاد الفقيرة في آسيا وإفريقيا، والَّتي تعاني من البؤس وقلة الموارد، وكثرة البشر، وتوالي النوازل، مع ضغط الفئات المعادية للإسلام عليها، من الغرب والشرق من الصليبيين والشيوعيين وغيرهم.
فهل لي أن أدفع من زكاتي لهؤلاء الإخوة من المسلمين الفقراء المهددين في دينهم ودنياهم أو أنَّ ذلك لا يجوز؟ فقد اختلف عليَّ المُفتون ما بين مانع ومجوِّز، ولن أطمئن إلَّا بجوابكم.
سدَّد الله خطاكم وأعزكم، وأعزَّ بكم.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
بارك الله للأخ الكريم صاحب السؤال فيما أعطاه، وأتم عليه نعمته، وأعانه على ذكره وشكره، وحسن عبادته، وقد سرَّني منه أداؤه لزكاة العمارات على الوجه الَّذي رجَّحته، دون انتظار أن يمرَّ على إيرادها الحول، ولعله ينفق كله أو بعضه.
أمَّا دفع الزكاة لبناء المساجد وعمارتها، حتَّى يذكر فيها اسم الله، وتقام شعائره وتؤدَّى الصلوات، وتلقى المواعظ، فهو من المصارف الَّتي اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا: أتعتبر «في سبيل الله» فتكون بذلك داخلة في مصارف الصدقات الثمانية، الَّتي نصَّت عليها الآية الكريمة من سورة التوبة:﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ[التوبة: 60].
أم أنَّ «سبيل الله» مقصورة على «الجهاد» كما هو رأي الجمهور(1)؟
وقد فصَّلت الكلام عن هذا الموضوع في كتابي: «فقه الزكاة» ممَّا لا يتسع المجال لذكره هنا.
وقد أيَّدت هناك رأي الجمهور مع توسيع معنى الجهاد، بحيث يشمل الجهاد العسكري، وهو المتبادر إلى الذهن، والجهاد الفكري والتربوي والدعوى والديني ونحوها من كل ما من شأنه حماية الوجود الإسلامي، والمحافظة على الشخصية الإسلاميَّة من الهجمات الشرسة الَّتي تريد أن تقتلعها من الجذور، سواء كان هذا الهجوم من المؤسسات الصليبية التنصيرية، أم من القوى الماركسيَّة الشيوعيَّة، أم من التيارات الماسونية والصهيونية، أم من عملاء هؤلاء أو أولئك من الفرق المنشقة عن الإسلام من بهائية وقاديانية وباطنية، ومثلهم دعاة العلمانية واللادينيَّة في عالمنا العربي والإسلامي.
وبناءً على هذا أقول: إنَّ البلاد الغنية الَّتي تستطيع الدولة ووزارات الأوقاف فيها أن تنشئ ما تحتاج إليه من المساجد، مثل بلاد الخليج، لا ينبغي أن تصرف الزكاة فيها لبناء المساجد؛ لأنَّها في غير حاجة إلى ذلك، ولوجود مصارف أخرى متفق عليها، لا تجد من يدفع لها من الزكاة أو من غير الزكاة.
ثم إنَّ إقامة مسجد واحد في أحد أقطار الخليج تبلغ نفقاته ما يكفي لبناء عشرة مساجد أو أكثر في الأقطار المسلمة الفقيرة، والكثيفة السكان، حتَّى إنَّ المسجد الواحد يخدم عشرات الآلاف.
ومن هنا أرى مطمئنًّا جواز دفع الزكاة لإقامة المساجد في البلاد الفقيرة المعرَّضة لخطر الغزو التنصيري أو الشيوعي، أو اليهودي، أو غيرها، كالغزو القادياني والباطني، وأمثالهما، بل قد يكون دفع الزكاة في هذه الحال أفضل من غيرها من المصارف.
وحُجَّتي في جواز ذلك أمران:
أولًا: أنَّ القوم فقراء، ويجب أن تتمَّ لهم كفايتهم بسدِّ الحاجات الأساسية الَّتي لا بدَّ للإنسان منها حتَّى يحيا حياة كريمة تليق بإنسانٍ مسلم.
والمسجد من الحاجات الأساسية للجماعة المسلمة، فإذا لم يكن لديها ما تقيم به مسجدًا من موارد الدولة، أو من تبرعات الأفراد ومن أهل الخير، فليس هناك ما يمنع من إقامته من مال الزكاة، بل الواجب أن يقام، حتَّى لا يبقى القوم بلا مسجد.
وكما يحتاج المسلم الفرد إلى الطعام والشراب لجسمه ليعيش، تحتاج الجماعة المسلمة إلى المسجد لروحها وإيمانها.
ولهذا كان أوَّل مشروع أقامه النبيّ في المدينة، بعد هجرته إليها، هو تأسيس مسجده الشريف، الَّذي كان محور النشاط الإسلامي في ذلك العهد.
ثانيًا: أنَّ المسجد في حالة البلاد المعرَّضة لخطر الغزو، أو الواقعة تحت تأثيره بالفعل، ليس مجرَّد دار للعبادة، بل هو مركز للمقاومة، ومنطلق للتعبئة والجهاد، وقلعة للدفاع عن الهوية الإسلاميَّة، والحفاظ على الشخصية الإسلاميَّة.
وأقرب دليل على ذلك دور المسجد في بعث حركة المقاومة الشعبية الإسلاميَّة في فلسطين الَّتي يعبر عنها بـ «الانتفاضة» وقد كانوا في أوَّل الأمر يسمُّونها: «انتفاضة المساجد»، ثمَّ حوَّلتها أجهزة الإعلام إلى «انتفاضة الحجارة» خشية أن ترتبط بالإسلام، الَّذي يرعب ذكره اليهود ومن وراءهم.
والخلاصة:
أنَّ الصرف إلى المساجد في مثل هذه الأحوال هو صرف «في سبيل الله» وفي إعلاء كلمته، ونصرة دِينِه وأُمَّته، وكل صرف في عمل تكون نتيجته أن تكون «كلمة الله هي العليا» فهو في سبيل الله.
وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 3- الزكاة والصدقات