الإنفاق على الجهود التعليميَّة من الزكاة

❓ الإنفاق على الجهود التعليميَّة من الزكاة

📅 2026-06-13 👁 971 مشاهدة

نص السؤال:

إنَّ من أولى أولويَّات الأمَّة هو إعداد الإنسان القادر على مواجهة التحديات الَّتي تواجهها في هذا العصر، ورغبة منَّا في دعم أحد هذه المشاريع والَّتي تصبُّ في هذا الهدف فإنَّنا نستفتي فضيلتكم بجواز دعمه ماديًّا من مصارف الزكاة أم لا؟ ويقوم هذا المشروع على استكشاف وتبني الطلبة المتميزين؛ والذي يهدف إلى انتقاء الموهوبين منهم، والعمل على تشجيعهم وصقل مهاراتهم وقدراتهم الفكرية والمعرفية؛ من خلال تطرقهم للمناهج الدراسية الفريدة، وخوضهم في تجربة المشاركة بجهودهم وتحقيق أهدافهم. وتستند فكرة هذا البرنامج على توفير بيئة فكرية خصبة واستثنائية للطالب تساعده على استكشاف إمكاناته وميوله الفكرية، وتحقيق أهدافه وتطلعاته، وتعزيز دوافعه الذاتية لتطوير وصقل كافة مهاراته؛ مثل التفكير النقدي، والعمل المجتمعي، وتعزيز استفساراته العلمية، وتيسير سبل آليات البحث والتحليل؛ في إطار من علوم الشريعة والعلوم الإنسانية. وذلك من خلال المناهج الدراسية والتخصصات المتعددة الَّتي يتم خلالها إعداد الطالب لمواجهة العالم المتغيِّر الَّذي هو جزء منه.
ويُسهم هذا البرنامج في تخريج طلبة على مستوى عالٍ في المجال العلمي والبحثي، ولديهم قدرة عالية على التواصل بكفاءة باللغتين
العربية والإنجليزية، شفويًّا وكتابيًّا، في المجالات الشرعيَّة والإنسانية، هذا بالإضافة إلى تطبيق مستوى استثنائي من التفكير النقدي ومهارات حل المشكلات وتجاوز الصعوبات.
ويحتوي هذا البرنامج على إجراء الأبحاث واستقدام العلماء والمفكرين لملازمة الطالب وسكن الطلبة ومعيشتهم ومحاكاة المؤتمرات وجلسات النقاش والورش والدروس التعليمية، وغيرها.
سائلين الله 8 القبول، والرفعة لهذه الأمَّة.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فكما يحتاج الفرد المسلم إلى الطعام والشراب لجسمه ليعيش، يحتاج إلى العلم والدين ليحيا عقله وقلبه وضميره. وقد ذكر الإمام الراغب الأصفهاني: أنَّ لخلق الإنسان مقاصد ثلاثة:
الأول: العبادة لله، وإليها يشير قوله تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات: 56].
فالإنسان خُلق للخلود، وإنَّما يعد في هذه الدار بالعبادة للبقاء في دار القرار. يقول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا﴾ [الملك: 2]، ويقول 8 : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾ [المؤمنون: 115 ـ 116]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ مِنَ النَّارِ ❁ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [صۤ: 27 ـ 28]. 
إنَّ كدح الإنسان في هذه الدار الفانية ليس ضائعًا، إنَّه غرس يجتني ثمره يوم يلاقي ربه، وهو ملاقيه لا محالة، فيجزيه الجزاء الأوفى، وهو ما قررته كتب السماء، وأكَّده القرآن: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ٣٨ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩ وَأَنَّ سَعْيَهُۥ سَوْفَ يُرَىٰ ٤٠ ثُمَّ يُجْزَىٰهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلْأَوْفَىٰ ٤١ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 38 ـ 42].
الثاني: الخلافة عن الله، وإليها يشير قوله:﴿إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ[البقرة: 30].
والثالث: العمارة للأرض، وإليها يشير قوله:﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[هود: 61]. وعمارة الأرض: بإصلاحها وإحيائها وإشاعة الحياة والنماء فيها.
وكل هذا لا يتأتى إلَّا بالتربية والتزكية، والتعليم والتهذيب. وهذا من مقومات الحياة الإسلاميَّة المعاصرة، حتَّى لا ينشأ أبناء المسلمين أُمِّيِّين وسط عالمٍ متغيِّر، أو متعلِّمين فارغي الرأس من ثقافة الإسلام، فارغي القلب من رحيق الإيمان.
وقد قصر كثير من العلماء مصرف «في سبيل الله» على جهاد أعداء الإسلام في ميدان القتال؛ للذود عن الإسلام ومقدساته، والدفاع عن المسلمين وأعراضهم، وتوسَّع فريق من العلماء ـ وأنا منهم ـ في ذلك المصرف (في سبيل الله) استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَجَٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًۭا كَبِيرًۭا﴾ [الفرقان: 52]. أي: بالقرآن؛ فجعله مخصصًا لكل ما تقوى به أمة القرآن، من الوسائل المختلفة؛ من أنواع الجهاد الثقافي والتعليمي، والتربوي والإعلامي؛ وكل ما فيه إعلاء كلمة الله، ورفع راية التوحيد، ورد أكاذيب المفترين، وشبهات المضلِّلين، وتعليم هذا الدين لأهله خاليًا من الزوائد، والشوائب. بشرط أن يكون جهادًا إسلاميًّا صحيحًا، يهدف إلى احتضان الشباب المسلم، وتوجيهه الوجهة الإسلاميَّة السليمة، وحمايته من الإلحاد في العقيدة، والانحراف في الفكر، والانحلال في السلوك؛ وكذلك الدعوة إلى الإسلام الصحيح، وتبليغ رسالته إلى غير المسلمين في كافة القارات.
وإنَّ إعداد رجال أقوياء أمناء مخلصين، للعمل في المجالات السابقة بهمَّة وغيرة، وتخطيط لخدمة هذا الدين، ومدِّ نوره في الآفاق، ورد كيد أعدائه المتربصين به، وإيقاظ أبنائه النائمين عنه، ومقاومة موجات التبشير والإلحاد والإباحية والعلمانية، جهاد في سبيل الله.
وإنَّ الإنفاق على هذه المجالات لهو أولى ما ينبغي أن يدفع فيه المسلم زكاته وفوق زكاته، فليس للإسلام ـ بعد الله ـ إلَّا أبناء الإسلام، وخاصَّة في عصر غربة الإسلام.
على أنَّه من المفروغ منه: أن يكون المدرِّسون في هذه المؤسسات مُثُلًا طيِّبة وأُسوة حسنة، للالتزام بالإسلام: عقيدة وثقافة، وشعورًا وسلوكًا، حتَّى يكون عملهم نوعًا من الجهاد، ويشترط لذلك أن تكون الأمة بحاجة إلى مثل هذا النوع من التعليم، وألَّا يكون هذا التعليم موجودًا في مؤسسات تحتضنها الدولة وتنفق عليها، على أن يراعى أن توجَّه هذه الخدمات المجانية إلى فقراء المسلمين دون أغنيائهم؛ إذا كان مصدرها أموال الزكاة؛ لأنَّ الزكاة إنَّما تؤخذ من أغنياء الأمة، لتردَّ إلى فقرائها. وفي الحديث: «لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ». ومن لا يجوز أن يُعطى من الزكاة، فلا مانع أن يُعطى من الموارد الأخرى، الَّتي لا يدقَّق في مصارفها، كما يدقَّق في أموال الزكاة.
وعلى ألَّا يتوسع القائمون على هذه الأنشطة في النفقات، وليعلموا أنَّ أيديهم على هذا المال يد أمانة، فلا يجوز التبذير في نفقة قد يغني أقل منها، أو التوسع في نشاط لا يحتاج إليه.
ومن هذا المنطلق، وبهذه الضوابط أرى مطمئنًّا جواز دفع الزكاة لهذا المشروع.
وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 3- الزكاة والصدقات