2026-06-13
931
دفع الزكاة للمرشحين الإسلاميين
هل يجوز إعطاء جزء من مال الزكاة لتأييد المرشحين الإسلاميين لمجلس الشعب أو النواب، الَّذين لا يملكون من المال ما يستطيعون به أن يجهِّزوا حملتهم الانتخابية، ولا غنى لهم عن معاونة إخوانهم؛ ليواجهوا المنافسين من العلمانيِّين واليساريِّين ودعاة الانحلال وغيرهم؛ الَّذين تتوافر لهم الأموال الكثيرة من مصادر شتى؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أولًا: من القواعد الشرعيَّة المقررة: أنَّ الأمور بمقاصدها(1)، وهذه وسائل، والوسائل لا حكم لها في ذاتها، ولكن يحكم عليها عادة باعتبار ما تستخدم له، وما قلناه في مشروعيَّة التلفزيون والإنترنت وأمثالهما من الوسائل: يقال هنا.
فإذا كنَّا نستخدمها في نصرة الحقِّ وإشاعة الخير، فهذا مطلوب طلب استحباب أو طلب وجوب، حسب درجة الحاجة إلى هذه الوسيلة، وأهمية الدور الَّذي تؤديه.
وإذا كانت الانتخابات وسيلة لتوصيل المرشحين الإسلاميِّين إلى المجالس النيابية والتشريعية، أي إلى الموطن الَّذي من شأنه أن يصدر التشريعات والقوانين المختلفة؛ على مستوى الفرد والأسرة، والمجتمع والدولة.. وكثيرًا ما لا تتقيد هذه القوانين بالشريعة الإسلاميَّة؛ فتحل الحرام، وتحرِّم الحلال، وتقرُّ المنكر، وتطرد المعروف، كما شاهدنا ذلك بأعيننا، وكان نجاح هؤلاء المرشحين الإسلاميِّين السبيل الوحيد لإيجاد قوَّة في المجالس التشريعية؛ تستطيع بها أن تقاوم القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلاميَّة، وأن تفرض القوانين الموافقة لشرائع الإسلام وقيمه، فإنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب(2)، ومن ذلك معاونتهم بالمال اللازم لهم.
ولا سيَّما أنَّ خصوم هؤلاء يجدون من القوى المحلية والإقليميَّة والدولية المختلفة، من يشدُّ أزرهم ويعينهم بالأموال الطائلة؛ فأولى بالملتزمين من أبناء الإسلام أن يعينوا هؤلاء الَّذين لا سند لهم بعد الله تعالى غير هؤلاء الملتزمين.
وهذا يعتبر لونًا من التعاون على البرِّ والتقوى الَّذي أمرنا الله تعالى به حين قال:﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ﴾[المائدة: 2].
وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيانِ المرصوص يشدُّ بعضُه بعضًا»(3).
ولا شكَّ أنَّ إقامة أحكام الشريعة الإسلاميَّة، وإعلاء كلمتها في بلاد الإسلام، وفي مجتمعات المسلمين: فريضة على الأمة كلها بالتضامن فيما بين أبنائها، كل بما يقدر عليه؛ قد يؤيد أحدهم هؤلاء ببيانه ولسانه وقلمه، وآخر يؤيدهم بجهده وخبرته الفنية، وآخر يؤيدهم بماله وثروته.
وبالنسبة للسؤال عن صرف جزء من الزكاة لتأييد هؤلاء: يجب أن نذكر هنا أنَّ الأصل أن ينفق المرشح على حملته الانتخابية من ماله الخاص، إذا كان من أهل الأموال، أمَّا إذا لم يكن من أهل المال وكان ثقة في دينه وكفايته (القوي الأمين) فالواجب على من يهمهم أمر الدين وانتصار الحق على الباطل، والخير على الشر، والفضيلة على الرذيلة: أن يمدُّوا يد العون لأخيهم هذا، لأنَّ المؤمنين كالجسد الواحد، وكالأسرة الواحدة؛ يأخذ كلٌّ منهم بيد أخيه، «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا»(4).
والأولى أن يكون ذلك من الهبات والصدقات التطوعية، إذا كان فيها متَّسع لتمويل مثل هذه الأمور، فإذا ضاقت صدقات التطوُّع عن هذا الأمر، فيمكن للفرد المسلم أن يعطي من الزكاة ما يؤدي هذه المهمة في نصرة دعاة الإيمان والحقِّ والخير، لأنَّ الزكاة كما نرى في مصارفها الثمانية: إنَّما جعلت لتحقيق مصالح المسلمين، فهي إمَّا لمن يحتاج من المسلمين كالفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل، وإما لمن يعاون المسلمين، كالعاملين عليها وفي سبيل الله، وخصوصًا مصرف «في سبيل الله»، الَّذي يتَّسع ـ على ما رجَّحه المحقِّقون ـ لكل عمل تعلو به كلمة الله، وترتفع به راية الإسلام.
وأرى أن يكون هذا محصورًا في دائرة الأفراد الَّذين يعطون من زكاة أموالهم الخاصة، ولا يؤخذ من صناديق الزكاة العامة ومؤسساتها لهذا الغرض، لما قد يشوبه من شوائب، ويدخل فيه من تلاعب.
على أنَّه من الواجب شدَّة التدقيق فيما يصرف من مال الزكاة في هذا المجال، حتَّى يُطمأنَّ إلى أنَّه قد صُرِفَ في مَحلِّه، وبغير إسرافٍ ولا تجاوز.
فلا يجوز بحالٍ من الأحوال أن ينفق شيء من هذه الأموال في مصالح خاصَّة، سواء للمرشحين، أم لغيرهم ممَّن يقوم على خدمة حملتهم.
وما بقي من هذا المال بعد انتهاء الحملة الانتخابية يجب أن يردَّ إلى المصارف المستحقة من أهل الزكاة المعروفين؛ من الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، إلخ.
والله أعلم.
(1) انظر: الأشباه والنظائر للسبكي (1/54).
(2) انظر: شرح الورقات في أصول الفقه (1/109).
(3) متَّفَق عليه: رواه البخاري في الصلاة (481)، ومسلم في البر والصلة (2585)، عن أبي موسى.
(4) هو الحديث السابق.