2026-06-13
999
حكم الرجوع في الصدقة أو الهبة
قصَّتي أنِّي كنتُ يتيمًا، وتربيتُ مع أخي الَّذي هو أكبر مني، ولقد تصدَّق عليَّ أخي في ذلك الوقت بقطعة أرض، كنت أعاونه في زراعتها ورعايتها، فأعطاني نصفها هبة، وهي ما زالت عندي، ولديّ فيها منزل، وأخي الآن عاد يسيطر على الأرض كاملة، ويمنعني من حقي، ويريد أن يسترد هذه الصدقة أو الهبة، بعد ما أنفقت عليها مصاريف كثيرة، فهل يجوز أن يستردَّ هذه الهبة أو هذه الصدقة؟ وأنا لا أستطيع أن أرجعها إليه؛ لأنِّي أنفقت عليها كثيرًا، وكنت أعاونه كثيرًا منذ صغري، أريد أن أعرف ما هو حقي في الشرع الإسلامي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أولًا إن كانت صدقة، فلا يجوز الرجوع في الصدقة، إذا اعتبرك أخوك فقيرًا وأعطاك هذه الأرض صدقة منه، فالصدقة لا رجوع فيها بحالٍ من الأحوال؛ لأنَّها خرجت من ملك المتصدق إلى ملك الفقير، وبخاصَّة أنَّه أخوه، والنبي ﷺ قال: «الصدقةُ على المسكين صدقة، وهي على ذي القرابة اثنتان: صلة، وصدقة»(1). فصدقة الأخ على أخيه صدقتان، صدقة من ناحية أنَّه فقير، وهي صلة رحم من ناحية القرابة، وإذا تصدق الأخ على أخيه، فالصدقة لا يجوز الرجوع فيها، سواء أكانت صدقة مفروضة وهي الزكاة، أم صدقة تطوعيَّة، إحسانًا منه إلى أخيه.
ولو كان ما أعطاه لك هبة، فالهبة أيضًا لا يجوز الرجوع فيها، وخصوصًا بعد أن تُمَلَّك، وهنا الأخ أخذ الأرض وملكها، وبنى فيها منزلًا، وسكن فيه، والنبي ﷺ يقول: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثمَّ يعود في قَيْئه»(2). شبَّهه النبيّ ﷺ بالكلب يتقيَّأ، ويستفرغ ما في بطنه، ثمَّ يعود فيلحس ما تقيَّأه، شبَّهه هذا التشبيه الرديء تنفيرًا من هذا الأمر.
وجمهور العلماء على أنَّ الرجوع في الهبة حرام، والأحناف يجيزون الرجوع في الهبة إذا لم يُجْز الواهب أو المُهْدي منها، واستثنوا حالات معينة، منها: الهدية للفقير، ومنها هبة الإنسان لأقاربه، فلا يجوز الرجوع في هبة الإنسان لأقاربه، لما في ذلك من إفساد لصلة الرحم والقطيعة لها، فلا يجوز للإنسان إذا وهب قريبًا له أن يرجع في هبته، وهذا وهب أخاه، فالرجوع في الهبة لا يجوز، حتَّى عند الأحناف الَّذين يجيزون الرجوع في الهبة.
فسواء كانت هذه الأرض صدقة منه على أخيه الفقير، أو هبة منه؛ لا يجوز له الرجوع فيها، والظاهر أنَّها صدقة؛ لأنَّ الأخ الصغير هذا لم يكن يملك شيئًا في ذلك الوقت، وما دام فقيرًا فهي صدقة.
ثم إنَّ هذا الأخ السائل يقول: إنَّه ساعد أخاه الكبير، فمن العدل أن يكون له قسم ونصيب وحظ في ماله؛ لأنَّه ساعده ووقف بجانبه، وبذل جهده معه.
فهذا الأخ لا يجوز له ـ على كلِّ حال ـ أن يستردَّ هذه الأرض الَّتي وهبها لأخيه، وأعتقد أنَّ الأخ إذا أصرَّ على هذا، يستطيع الأخ الصغير أن يرفع دعوى على أخيه الكبير، وأعتقد أنَّ القضاء الشرعي يحكم له بهذا، سواء اعتبرناها هبة مُلكت بالقبض فعلًا؛ لأنَّه ملكها، وقبضُ كلِّ شيء بحسبه، فقد أخذها وانتفع بها، وبنى فيها منزلًا، وسكن في هذا المنزل، فهذا هو القبض إن كانت هدية، ولو اعتبرناها صدقة؛ فلا يجوز للإنسان أن يعود في صدقته.
فنرجو من الأخ الأكبر أن يترك هذه الأرض لأخيه، ولا يطمع فيها بعد أن وهبه إياها، فالإنسان أحيانًا تكون نفسه طيبة ومنشرحة، ثمَّ يغلب عليه الشيطان، فيريد أن يستردَّ ما وهب، أو ما تصدّق به، لا يجوز أن يطيع الشيطان في هذا،﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ﴾[البقرة: 268].
(1) سبق تخريجه صـ 456.
(2) متَّفَق عليه: رواه البخاري في الهبة (2589)، ومسلم في الهبات (1622)، عن ابن عباس.