2026-06-13
1,049
لا يجوز إلغاء سهم المؤلَّفة قلوبُهم
هل يجوز إلغاء الإمام دفع الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم، وقد نصَّ القرآن على أنَّهم من مصارف الزكاة؟ وما هو تفسير ما فعله سيدنا عمر 3 ، حين ألغى سهم المؤلفة قلوبهم؟ وهل نُجبر نحن المسلمين على اتِّباع رأي سيدنا عمر في ذلك؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
القرآن حدَّد مصارف الزكاة، في قوله تعالى:﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾[التوبة: 60].
وما فعله سيدنا عمر 3 تصرُّف صحيح، وهو لم يُلغِ سهم المؤلفة قلوبهم، وليس له هذا، وما كان عمر 3 ليفعل ذلك، فقد كان 3 وقَّافًا عند كتاب الله كما وصفوه، وردَّت عليه امرأة في قضية فقال: أصابت المرأة وأخطأ عمر(1)، في قضية كانت تحتمل النقاش، فما بالك بما لا يحتمل النقاش، فالذين قالوا: إنَّ عمر امتنع عن صرف الزكاة إلى بعض المؤلفة قلوبهم، وإنَّ هذا منه إلغاء لسهم المؤلفة قلوبهم، أو لمصرف من مصارف الزكاة: أخطؤوا الفهم، كل ما في الأمر: أنَّ عمر قال: إنَّ فلانًا وفلانًا وفلانًا، هؤلاء الَّذين كانوا يأخذون من سهم المؤلفة قلوبهم في عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر 3 لم يعودوا من المستحقِّين لسهم المؤلفة.
من هو المؤلَّف قلبُه؟ المؤلَّف قلبُه هو من يُستمال قلبه ليدخل في الإسلام، أو ليثبت على الإسلام، أو ليُثبِّت قومه وعشيرته على الإسلام، أو يستميلهم إليه، إن كان سيدهم، أو له كلمته فيهم، فإذا دخل في الإسلام وثبت عليه، وأصبح إسلامه قويًّا، وذاقت عشيرته حلاوة الإيمان، وبرد اليقين، لم يعد مؤلَّفًا قلبه، هل يبقى مؤلَّفًا أبد الدهر؟!
فهناك زعماء القبائل مثل الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، وغيرهما، كانوا يأخذون من الزكاة من سهم المؤلفة قلوبهم، ورأى عمر أنَّ الإسلام لم يعد محتاجًا إلى أن يتألَّفهم ويستميلهم، لماذا؟ إنَّ إسلامهم رسخ في قلوبهم، فلم يعد يُخشى عليهم، وأسلمت قبائلهم ورسخ الإسلام في قلوبهم، فلم يعد يُخاف على هذه القبائل أن ترتدَّ إذا ارتدَّ زعماؤهم ورؤساؤهم، ولأنَّ الإسلام انتصر على أكبر إمبراطوريتين في العالم، على كسرى وقيصر، أو على الفرس والروم، فما عاد هناك وجه ليبقى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وأمثالهما مؤلفة إلى أبد الدهر.
فكل ما عمله عمر أنَّه قال لهم: إنَّ الله أعزَّ الإسلام وأغنى عنكم(2).
فما فعله سيدنا عمر تصرُّف سليم تمامًا، فمن يؤلَّف في سنة، لا يعني ذلك أن يبقى مؤلَّفًا أبد الدهر.
مثلًا: كما تقول اللجنة المنظِّمة لجائزة الملك فيصل 5 : لم يوجد هذا العام من يستحق الجائزة، فتحجب الجائزة هذا العام، فلا يعني هذا أنَّ الجائزة أُلغيت، الجائزة موجودة، لكن لم يوجد من يستحقها، كذلك سهم المؤلفة قلوبهم موجود، ولكن لم يوجد في عهد عمر من يرى عمر أنَّه يستحق التأليف؛ لأنَّ التأليف هذا من حقِّ الإمام، قد يؤلِّف في وقت، وقد يرى أنَّه ليس في حاجة إلى التأليف في وقت آخر، قد يرى أنَّ هناك ما هو أهم من تأليف القلوب، كالجهاد مثلًا، أو إعطاء الفقراء، أو إعطاء أبناء السبيل، أو تحرير الرقاب، أو غير ذلك، فتأليف القلوب هو من شأن الإمام، ومن شأن الدولة ومؤسساتها، فممكن أن تلغيه جزئيًّا، أو تلغيه كليًّا، أو تُغيِّر مؤلَّفةً قلوبُهم بمؤلَّفة آخرين، فليس من الضروري أنَّ من أُلِّف قلبه مرَّة أو مرَّات أن يبقى مؤلَّفًا قلبه أبد الدهر.
ولذلك الَّذين اعتبروا أنَّ سيدنا عمر ألغى سهم المؤلفة قلوبهم فهمهم غير صحيح للقضية، وقد وضَّحتُ هذا في كتابي: «فقه الزكاة»، كما وضَّحتُه أيضًا بالتفصيل في كتابي: «السياسة الشرعيَّة بين نصوص الشريعة ومقاصدها».
(1) سبق تخريجه صـ 149.
(2) رواه البيهقي في قسم الصدقات (7/20)، عن عَبيدة السَّلماني.