صرف زكاة المال وزكاة الفطر لدعم حملة الغارمين

❓ صرف زكاة المال وزكاة الفطر لدعم حملة الغارمين

📅 2026-06-13 👁 989 مشاهدة

نص السؤال:

فضيلة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
هل يجوز صرف زكاة المال وزكاة الفطر لدعم حملة الغارمين الَّتي تتبنّاها جريدة الشرق بهدف إخراج عدد من المسجونين المعسرين من السجن؟
ولفضيلتكم جزيل الشكر.
جابر الحرمي
نائب رئيس تحرير جريدة الشرق
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ الإسلام حريص على أن يتخلَّص أبناؤه من ديونهم، فإنَّ الدَّين همٌّ بالليل ومذلَّة بالنهار، ولهذا كان النبيُّ يُكثر من الاستعاذة منه فيقول: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من المأثم والمغرم»(1)، والمأثم: المعصية، والمغرم: الدَّيْن.
وفي حديث آخر: «أعوذ بك من ضِلَع الدَّيْن»(2)، وضِلَع الدَّين: شدَّتُه وثقله؛ بحيث لا يجد المَدِين وفاءَ دَيْنه مع المطالبة.
كما علَّم أحد أصحابه أن يقول: «أعوذ بك من غلبةِ الدَّيْنِ وقهرِ الرجال»(3).
وقد رغَّب الإسلام في معاونة الغارمين، سواء بالصدقات التطوعية أو بالزكاة المفروضة، وذلك قضاءً لحق الأخوة، وأداءً لواجب التعاون، وابتغاءً لمثوبة الله، فبالصدقات التطوعية كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ، في ثمار ابتاعها فكثر دينه فأفلس، فقال رسول الله : «تصدَّقوا عليه». فتصدق النَّاس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله لغرمائه، «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلَّا ذلك»(4).
وبالزكاة المفروضة، كما في السهم الَّذي جعله القرآن في أموال الزكاة لسداد المغارم عن المدينين: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ[التوبة: 60].
وما عرف التاريخ إلى اليوم شريعة غير شريعة الإسلام تنصُّ في صلب دستورها على سداد الديون عن المدينين، وتجعل ذلك فريضةً من الله تعالى.
والغارمون هم المصرف السادس من مصارف الزكاة.
من هم الغارمون:
الغارم هو: من لزمه غُرم، أي ديْن. سواء كان ديْنًا لمصلحة نفسه، أو ديْنًا لمصلحة غيره.
ولهذا قسّم العلماء الغارمين إلى صنفين:
الأول: هو الغارم الَّذي استدان لمصلحة نفسه، أي ليقضي وطرًا لنفسه، من مأكل، أو ملبس، أو مركب، أو مسكن، أو دواء، أو زوَّج أحدًا من أبنائه أو بناته؛ لأنَّه لم يكن عنده من المال ما يكفي، فدفعته الحاجة إلى الاستدانة. ومعظم الغارمين (أو المدينين) كذلك.
والثاني: هو الغارم لمصلحة المجتمع، كما كان يفعل سراة الجاهلية وفضلاؤها، حين يتدخّلون بين القبائل المتنازعة لإصلاح ذات البين، وإيقاف القتال بينهم، ويتحمّلون الديات الَّتي تكون لإحدى القبائل على الأخرى، وقد تكون أحيانًا آلافًا من الإبل. فيتعهّد هذا القائم بالإصلاح أن يدفعها لمن يستحقُّونها، وكثيرًا ما تضيق ذات يده عن دفع هذه المقادير الكبيرة، فيعينه من كان مثله من أهل الشهامة والفضل. فلما جاء الإسلام أقرّ هذه المكارم، وجعل لها نصيبًا من مصارف الزكاة، حتَّى يستمرّ هذا الاتِّجاه الإيجابي من عمل الخير(5).
ولكلٍّ من هذين الصِّنْفين من الغارمين حقُّه في مصارف الزكاة.
شرطا إعطاء الغارم لمصلحة نفسه:
على أنَّه يشترط لإعطاء الصنف الأول، وهو الغارم لمصلحة نفسه شرطان:
1 ـ أن يكون غرمه في غير سفهٍ ولا معصية، حتَّى لا يُعان بمال الله على معصية الله. ومن المعصية: أن يكون قد استدان بالربا، وركبتْه ديون من جرَّاء ذلك. ما لم تبدُ منه توبة نصوح، ظهرت علاماتها في سلوكه، فـالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والله يحبُّ التوّابين ويحبُّ المتطهِّرين. فإذا كان يريد أن يتطهّر من المعاملات الربوية وآثارها، وأن يسدّ ديونه منها؛ حتَّى لا يعود إليها مرَّة أخرى، فمن المشروع أن نساعده على ذلك.
2 ـ أن يكون ذلك بعد أن يأخذ الفقراء والمساكين حقَّهم من الزكاة، ولا يُعطى الغارمون على حساب الجائعين، فليس من المعقول أن أسدَّ عن غارم مائة ألف أو نصف مليون أو أكثر، وعندي من صنف الفقراء من لا يجد في بيته ما يسد به رمقه.
ولذا أرى أن تبدأ الحملة بأصحاب المديونيات الصغيرة قبل أصحاب المديونيات الكبيرة؛ وذلك لإطلاق سراح أكبر عدد ممكن من الغارمين.
زكاة الفطر طعمة للمساكين:
أمَّا بالنسبة للسداد عن الغارمين من زكاة الفطر، فالأصل في زكاة الفطر أنَّها طعمة للمساكين، كما جاء في الحديث(6)، فهي إسعاف لهم في يوم العيد، وإغناء لهم عن السؤال في هذا اليوم.
ولكن لا مانع إذا تكاثرت أموال زكاة الفطر، وزادت عن حاجة الفقراء والمساكين: أن يؤخذ نصيب منها للغارمين ومعونتهم على الخروج من كربتهم.
وشكر الله لجريدة الشرق تبنِّيها لحملة تفريج كربة الغارمين، وسعيها لإطلاق سراحهم، وإدخال البسمة على أسرهم، والله 4 يقول: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة: 280]،  وجزى الله خيرًا كلَّ من ساهم في التنفيس عن المكروبين، والتيسير على المعسرين، وستر المسلمين، وإعانة المحتاجين.
والحمد لله ربِّ العالمين.
← العودة لقسم 4- زكاة الفطر