2026-06-13
1,017
موافقة اليهود في صيام عاشوراء
جاء في الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فصام وأمر بصيامه، فكيف يتفق هذا مع أمره بمخالفة أهل الكتاب في أمور كثيرة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحديث الَّذي يشير إليه السائل حديث متفق عليه، عن ابن عبَّاس قال: قدم النبيّ ﷺ فرأى اليهود تصوم عاشوراء؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح، نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى، فقال: «أنا أحقَّ بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه(1).
ولا عجب أن يسأل المسلم: كيف وافق النبيّ اليهود في صيام عاشوراء مع حرصه على مخالفة الَّذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وأمره بذلك في أحاديث شتَّى: «خالفوا اليهود والنَّصارى»(2)، «خالفوا المشركين»(3) إلخ.
ولكنَّ المتتبِّع للأحاديث المروية في صيام عاشوراء، يرى أنَّ النبيَّ ! كان يصوم هذا اليوم قبل الهجرة، بل كانت العرب في الجاهلية تصومه وتعظِّمه، وتكسو فيه الكعبة، وقيل: إنَّهم تلقوا ذلك من الشرع السالف، وروي عن عكرمة أنَّ قريشًا أذنبت ذنبًا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك عنكم»(4).
وإذن، فالنبي 0 : لم يبتدئ صومه في المدينة، ولم يصمه اقتداءً باليهود، وإنَّما قال ما قال: «نحن أحقُّ بموسى منكم» وأمر بما أمر، تقريرًا لتعظيمه، وتأكيدًا وتعليمًا لليهود أنَّ دين الله واحد في جميع الأزمان، وأنَّ الأنبياء إخوة، وضِعَ كلٌّ منهم لبنةً في بناء الحق، وأنَّ المسلمين أولى بكل نبيٍّ ممَّن يدعون اتباعه. وقد حرفوا كتابه، وبدلوا دينه فإذا كان يوم عاشوراء يوم هلاك لفرعون وانتصار لموسى؛ فهو كذلك انتصار للحق الَّذي بعث الله به محمدًا، وإذا صامه موسى شكرًا لله؛ فالمسلمون أحق أن يقتدوا به من اليهود.
هذا إلى أنَّ عاشوراء يوم ميمون تحقَّق فيه أكثر من انتصار للحق على الباطل، وللإيمان على الكفر، فقد أخرج أحمد، عن ابن عبَّاس: أنَّ السفينة استوت على الجودي فيه، فصامه نوح شكرًا لله تعالى(5).
على أنَّ موافقة النبيِّ لليهود في أصل الصيام كانت في أوائل العهد المدني إذ كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه استمالةً لهم، وتألُّفًا لقلوبهم، فلمَّا استقرت الجماعة الإسلاميَّة، وتبيَّنت عداوة أهل الكتاب للإسلام ونبيه وأهله؛ أمر بمخالفتهم في تفاصيل الصوم، مع الإبقاء على أصله احتفالًا بالمعنى العظيم الَّذي ذكرناه، فقال ! : «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا»(6).
وقد داخل الصحابة أنفسهم ـ في أواخر العهد المدني ـ ما داخل السائل من موافقة أهل الكتاب مع حرصه ! على تميز أمته عن مخالفيهم في العقيدة؛ ويتجلى هذا فيما رواه مسلم عن ابن عبَّاس قال: لمَّا صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنَّه يوم تعظِّمه اليهود والنَّصارى! فقال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأتِ العام المقبل حتَّى توفي رسول الله ﷺ (7).
والراجح الَّذي يفهم من هذا الجواب ومن الآثار الأخرى، أنَّه 0 : لن يقتصر على اليوم العاشر، بل يضيف إليه التاسع؛ مخالفة لليهود والنَّصارى.
قال ابن القيِّم: «فمراتب صومه ثلاث: أكملها أن يُصام قبلَه يومٌ وبعده يوم، ويلي ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم»(8).
(1) متَّفَق عليه: رواه البخاري (2004)، ومسلم (1130)، كلاهما في الصيام.
(2) ثبت في أحاديث منها، حديث: «إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم». متَّفَق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3462) ومسلم في اللباس والزينة (2103)، عن أبي هريرة.
(3) ثبت في أحاديث منها حديث: «خالفوا المشركين وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب». وقد سبق تخريجه صـ 102.
(4) ذكره ابن حجر في فتح الباري (4/246).
(5) فتح الباري (4/246). ولم أقف عليه في المسند من حديث ابن عباس. إنما رواه من حديث أبي هريرة (8717)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف.
(6) رواه أحمد (2154)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والبزار (5238)، وابن خزيمة في الصوم (2095)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5134): فيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام. وضعفه البوصيري في الإتحاف (3/81)، عن ابن عباس.
(7) رواه مسلم (1134)، وأبو داود (2445)، كلاهما في الصيام.
(8) زاد المعاد في هدي خير العباد (2/72).