معنى الاستطاعة في الحج

❓ معنى الاستطاعة في الحج

📅 2026-06-13 👁 1,117 مشاهدة

نص السؤال:

يقول الله تعالى:﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا[آل عمران: 97]. فكيف تتحقَّق الاستطاعة؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحج واجب على المسلم البالغ العاقل المستطيع سبيلًا إلى الحج.
والحج عبادة متميزة؛ فهي عبادة بدنيَّة وماليَّة؛ لأنَّ الإنسان يبذل فيه جهدًا ببدنه، ويبذل فيه من ماله؛ لأنَّه يسافر ويرحل، فيحتاج لنفقات، لذلك فالحجُّ هو الفريضة الَّتي قرن الله وجوبها بالاستطاعة فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا[آل عمران: 97]. والنبي حينما ذكر أركان الإسلام الخمسة منها: «حجُّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»(1).
فليس كل إنسان قادرًا على أن يذهب إلى الأرض المقدسة، لذلك كان من رحمة الله 4 أن جعله مرَّة واحدة في العمر؛ لأنَّ الله سبحانه لا يريد أن يكلف عباده شططًا، ولا أن يرهقهم من أمرهم عُسْرًا، يريد الله بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، وما جعل عليهم في الدين من حرج، فالتكليف في الإسلام بحسب الوسع:﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة: 286].
وعن أبي هُرَيْرة، قال: خطبنا رسول الله فقال: «أيها الناس، إنَّ الله قد فرض عليكم الحج فحُجُّوا». فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله : «لو قلتُ: نعم. لوجبت، ولما استطعتم». ثمَّ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنَّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ، فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ، فدعوه»(2).
ولمَّا كان الإنسان لا يستطيع أن يؤدِّي الحجَّ في كلِّ عام، أوجبه الله سبحانه مرَّة في العمر للمستطيع، فهذا تخفيف من ربِّنا، ورحمة منه عز وجل.
معنى الاستطاعة في الحج:
ومعنى استطاعة السبيل كما جاء في بعض الأحاديث الَّتي يقوِّي بعضها بعضًا، أن يملك الزاد والراحلة: زاد الطريق، والراحلة الَّتي يركبها. وبلغة عصرنا: يملك نفقات السفر للبيت الحرام، ونفقات الإقامة هناك على ما يليق بحاله. فواحد يمكنه أن يركب الحافلة (الباص)، وآخر يتعبه الباص ويحتاج لسيارة خاصة، وثالث تناسبه الطائرة. وكذلك في الإقامة في مكة؛ يكون معه ما يكفيه لإقامة مناسبة لحاله، فالسكن والإقامة مستويات، وقد يصلح للشابِّ ما لا يصلح للعجوز.
وليس مطلوبًا من المسلم أن يَسْتدين ليحجَّ، بل إن كان عليه دَيْن فليس عليه أن يحجَّ حتَّى يسدِّد دَيْنه، بل لا يجوز له أن يسافر للحجِّ إلَّا بعد أن يسدِّد دَيْنه، أو على الأقل يطلب من الدائن السماح له بالحجِّ، وأن يكون واثقًا من قدرته على الوفاء بهذا الدَّيْن.
وليس على المسلم أن يطلب من أحد أن يساعده، أو يتبرَّع له، أو يطلب سلفة، ليحُجَّ، وليس مطلوبًا منه أن يذهب إلى شخص ما ويقول له: اصطحبني معك للحجِّ. الله تعالى لم يكلِّفه هذا، بل لو عرض عليه أحد النَّاس أن يتكفَّل بنفقات حجِّه، بأن قال له: حجَّ معي، وعليَّ نفقتك. لم يلزمه أن يقبل هذا العرض ليسقط عن نفسه فريضة الإسلام، الإسلام لم يلزمه أن يقبل؛ لأنَّ من فعل معه هذا قد يمنُّ عليه، والإسلام لا يكلِّف المسلم قبول ما فيه منَّة، له أن يقبل إن لم يرَ في ذلك حرجًا، لكنَّه غير مأمور بأن يقبل، فالله لم يكلِّف المسلم بالحج، حتَّى يكون ذا قدرة ويسار واستطاعة أن يحجَّ من مال نفسه.
ومع الزاد والراحلة هناك أمور أخرى يجب توفرها ليكون الإنسان مستطيعًا، منها: أن يكون الطريق آمنًا. ففي السابق كان الطريق للحج محفوفًا بالمخاطر، قبل مجيء الملك عبد العزيز بن سعود 5 للحكم، كان النَّاس مثلًا في مصر يقولون: «الذاهب مفقود والراجع مولود». ولذلك كان النَّاس يبشرون بعودة الحجاج، ورأيت وأنا صغير البشير يأتي من السويس قبل أن يأتي الحجيج يبشر بعودة الحجيج.
ومنها: أن يكون صحيحًا، عنده القدرة البدنيَّة، فلو أنَّ إنسانًا عنده مال، ولكن ليست عنده الصحة، كأن أصيب ـ مثلًا ـ بشلل أو مرض يمنعه من الذهاب للحجِّ، فلا يجب عليه الحج، وإن كان متشوِّقًّا إلى الحج، ويجوز أن يوكِّل أحدًا أن يحجَّ عنه من ماله، ولو حجّ عنه أحد من أولاده يكون أفضل.
وفي هذه الأيام أُضِيفَ أمرٌ جديد، وهو الحصول على تأشيرة الحج، بأن يخرج اسمه في قرعة الحج، وذلك مُطَبَّق في معظم البلدان؛ لأنَّ الحج الآن لا يسمح فيه إلّا بعدد معين لكلّ بلد، حتَّى لا يحدث زحام شديد إن فُتِح الباب على مصراعيه، قد يعرض الحجيج للخطر أو للموت تحت الأقدام من شدَّة الزحام، فقامت المملكة السعودية بتخصيص نسبةٍ معيَّنة وعددًا معيَّنًا لكلِّ بلد، وفي العادة النَّاس الَّذين يطلبون الحج عددهم أكبر من الَّذين يسمح لهم، فلا بدَّ من عمل القرعة، فنقول له: إنَّ من الشروط أن تصيبه القرعة.
وأقول: إن أمكن تحديد عدد الحجاج من داخل المملكة العربية السعودية، فهذا أمر جيد، وأكثر عدلًا، والله تعالى قال في شأن البيت: ﴿وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ[الحج: 25]. أي المقيم بمكة، والمسافر لها. وقد خطت المملكة منذ عدة سنوات خطوات في هذا السبيل، فقد أصبح لا يسمح للسعودي أن يحجَّ إلّا كل خمس سنوات، وفي هذا تخفيف كثير عن الحجاج من خارج المملكة، وإتاحة الفرصة لعدد أكبر منهم. والله الموفق.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة