2026-06-13
1,109
نسيان الحلق والتقصير بعد العمرة
أدَّيت العمرة في مكَّة المكرمة والحمد لله، وعدت إلى الفندق في جدة حيث كنت أقيم، وعند عودتي استقبلني بعض الأصدقاء فأخذوني إلى المطعم لتناول العشاء، وأنا بلباس الإحرام، وبعد العشاء، ذهبت إلى غرفتي، وخلعت ملابس الإحرام، ولبست ملابسي العادية، ونسيت أن أقصَّ أو آخذ شيئًا من شعري، وضاع هذا من ذهني تمامًا، ولم أتذكَّر ذلك إلّا بعد أن عدت إلى بلدتي بأيام، وذهبت إلى الحلاق.. وفي هذا الوقت تذكَّرت أنِّي لم أحلق ولم أقصِّر بعد العمرة.
فما الحل في هذه الحالة، وأعتقد أنِّي عاشرت زوجتي في تلك المدة، فماذا عليَّ أن أفعل في هذه الحالة؟ وهل عمرتي صحيحة؟ أو عليّ فدية؟ أفيدوني أفادكم الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
اختلف العلماء في الحلق والتقصير بعد العمرة أو بعد الحج: أهو نسك أم لا؟ وبعبارة أخرى: أهو نسك أم خروج من النسك؟ أي استباحة محظور.
القول المشهور الَّذي عليه جماهير العلماء(1): أنَّه نسك، لأنَّ الله تعالى ذكره في كتابه بقوله:﴿لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾[الفتح: 27].
ولأنَّ النبيَّ ﷺ دعا للمحلِّقين ثلاث مرات: أن يغفر الله لهم، ودعا للمقصِّرين مرَّة واحدة(2).
وفي قول للشافعي: إنَّه ليس بنُسُك، لأنَّه أمر محظور في الإحرام كالطيب والصيد ولبس المخيط، فهو معتبر من «المرفِّهات» أو «المجمِّلات» للإنسان، فحظر على المحرم في حالة الإحرام(3)، ليظلَّ أشعث أغبر من آثار الإحرام، فإذا شرع له الحلق فقد شرع له إباحة ما كان محظورًا عليه بالإحرام كالطيب والملابس.
وفي ظنِّي ـ والله أعلم ـ أنَّهم كانوا يعتبرون الحلق أبلغ في الخروج من النسك، وفي نظافة الرأس من التقصير. وكأنَّ بعضهم كانوا يتحرَّزون منه؛ فلذا دعا النبيُّ ﷺ للمحلِّقين ثلاثًا، ترغيبًا لهم في الحلق.
وذكر الإمام النووي 5 في «المجموع» مذاهب العلماء في الحلق: هل هو نسك أو لا؟ قال: ذكرنا أنَّ الصحيح في مذهبنا أنَّه نسك، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء. وظاهر كلام ابن المنذر والأصحاب: أنَّه لم يقل بأنَّه ليس بنسك أحد غير الشافعي في أحد قوليه. ولكن حكاه القاضي عياض عن عطاء، وأبي ثور، وأبي يوسف أيضًا(4).
وأضيف إلى ما ذكره النووي عن القاضي عياض: أنَّه رواية أيضًا عن الإمام أحمد، ذكرها الإمام ابن قدامة في «المغني» فبعد أن ذكر أنَّه نسك في ظاهر المذهب، قال: وعن أحمد: أنَّه ليس بنسك، وإنَّما هو إطلاق من محظور.
قال ابن قدامة: «والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، في ظاهر مذهب أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد أنَّه ليس بنسك، وإنَّما هو إطلاق من محظور كان محرَّمًا عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام. فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه، ويحصل الحل بدونه. ووجهها أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بالحل من العمرة قبله، فروى أبو موسى، قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقال لي: «بم أهللتَ؟». قال: قلت: لبَّيْكَ بإهلالٍ كإهلال رسول الله ﷺ . قال: «أحسنت». فأمرني فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثمَّ قال لي: «أحلَّ»(5)»(6).
ومن هذا يتبيَّن لنا: أنَّ القول بأنَّ الحلق ليس بنسك وإنَّما هو إطلاق من محظور، قول معتبر، قال به من ذكرنا من الأئمة، وهو قول في مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. فيسع المسلم أن يأخذ بهذا القول، ولا حرج عليه، وخصوصًا أنَّه فعل ما فعل ناسيًا، وقد علم الله تعالى المؤمنين أن يدعوا فيقولوا:
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[البقرة: 286]. وجاء في الصحيح أنَّ الله تعالى استجاب هذا الدعاء(7)، كما جاء في الحديث الآخر: «إنَّ الله وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه»(8). وعلى السائل أن يستغفر الله تعالى، فإنَّه غفور رحيم.
(1) المغني لابن قدامة المقدسي (3/387)، والمجموع للنووي (8/194)، والموسوعة الفقهية الكويتية (18/98)، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت.
(2) إشارة إلى الحديث المتفق عليه: «اللهم ارحم المحلقين». قالوا: والمقصِّرين، يا رسول الله. قال: «اللهم ارحم المحلقين». قالوا: والمقصِّرين، يا رسول الله. قال: «والمقصِّرين». وقال الليث: حدثني نافع: «رحم الله المحلقين». مرة أو مرتين. قال: وقال عبيد الله: حدثني نافع، وقال في الرابعة: «والمقصِّرين». رواه البخاري (1727)، ومسلم (1301) كلاهما في الحج، عن ابن عمر.
(3) انظر: المجموع للنووي (8/194).
(4) انظر: المجموع (8/208).
(5) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري (1724)، ومسلم (1221)، كلاهما في الحج.
(6) انظر: المغني (3/387).
(7) رواه مسلم في الإيمان (126)، وأحمد (2070)، عن ابن عبَّاس.
(8) رواه ابن ماجه في الطلاق (2045)، وابن حبان في مناقب الصحابة (7219)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري. والطبراني في الأوسط (2137)، والحاكم في الطلاق (2/198): وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه (1664)، عن ابن عبَّاس.