الحكمة من رمي الجمرات

❓ الحكمة من رمي الجمرات

📅 2026-06-13 👁 985 مشاهدة

نص السؤال:

يتشابه رمي الجمرات في الحج مع بعض الديانات الإفريقية الَّتي تصنع أشياء لجلب الخير، وأخرى لدرء الشر، وهي أمور رمزية تتشابه في كلا الأمرين، فما الحكمة من رمي الجمرات في الحج؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المسلم لا يرمي الجمرات ليجلب خيرًا أو ليدفع شرًّا، لا، رمي الجمرات عملية فيها معنيان:
المعنى الأول: أنَّه تذكير بحادثة قديمة ذات معنى جليل، وهي حادثة إبراهيم 0 : وابنه إسماعيل.. شيخ كبير، اشتاق إلى الولد، ودعا ربَّه، فأوتيه على الكبر، وبشرته السماء بغلام حليم، فتعلَّق به قلبه، وأفرغ فيه كل ما لديه من حنان وحب، وظل ينمو، فينمو معه حبُّ أبيه، ويشب، فيشب معه الأمل والرجاء فيه، وإذا الحكمة الإلٰهية تأبى إلَّا أن تصهرهما في امتحانٍ قاسٍ عسير. أن يقرِّب الأب لله قربانًا، فيذبح ولده، ويذبح معه حبَّه ورجاءَه وأمله. فهل توقف الوالد عن الأمر؟ أو حتَّى تردَّد بين نداء العاطفة ونداء الإيمان؟ بين صوت الوحي من فوقه، وصوت الأبوة ينبثق من حناياه؟ وهل تمرَّد الابن على أمر يتعلق برقبته؟ أو حتَّى اصطرعت في نفسه العوامل المتضادة من حبِّ الحياة، والامتثال لأمر الله؟
كلا. لقد كان يقينهما أكبر من نوازع النفس، وعوامل التردد، فأسلم الوالد ولده. وأسلم الولد عنقه.
وجاء إبليس يريد أن يوسوس لإبراهيم أو لإسماعيل فرمياه بالجمر، إبراهيم أمسك بالحجارة وقذفه حتَّى اختفى، وكذا فعل إسماعيل.
فهذه حادثة تستحق التسجيل، فالمسلم حينما يرمي الجمار؛ فكأنَّما يتصوَّر ويتذكَّر قصَّة إبراهيم 0 : وهو يقذف الشيطان بالحجارة، حينما وسوس له أن يرجئ هذا الأمر أو يسوِّف فيه، أو يمهل فيه، فرجمه بالحجارة، وكأنه يقول له: ابتعد عنِّي أيها الشيطان الرجيم اللعين.
فهذه حادثة تستحق أن يتذكرها الناس، وقد خلَّدها الله في رمي الجمار، كما خلَّدها في الأضحية الَّتي يذبحها المسلمون يوم العيد.
رمي الجمرات تجسيد لمقاومة الشر:
المعنى الثاني لرمي الجمار ـ وهو معنى رمزي ـ: أنَّ الإنسان حينما يرمي الجمرة، فهذا يرمز إلى مقاومة الشر ومقاومة الفساد وإغواء الشيطان، فكأنَّ الشر والفساد وإغواء الشيطان، تجسَّدت كلها في صورة حسِّيَّة، هي الجمرات الثلاث، ويترجم الإنسان مقاومته وبغضه لها عن طريق رميها بالحصى، كأنَّه يعلن أنَّه مصمِّم على مقاومة الشر، وعلى مقاومة الفساد، وعلى مطاردة إبليس، وإبائه على إغوائه، ولذلك النَّاس يقولون عن الجمرة الصغرى: إبليس الصغير. وعن الجمرة الوسطى: إبليس الأوسط. وعن الجمرة الكبرى: إبليس الكبير. أو يقولون: إبليس الجد، وإبليس الابن، وإبليس الحفيد. كأنَّهم يتصوَّرون إبليس موجودًا، وكل منهم يرمي ويتخيل إبليس أمامه!
وأحيانًا بعض النَّاس لا يكتفي بالجمرات، فيخلع النعل، ويضرب به إبليس، وهذا غير مشروع، وغير وارد، إنَّما هذا يمثل المعنى الَّذي من أجله يرمي المسلم الجمرات، وهو: تجسيد التصميم على مقاومة إبليس وأعوانه وجنوده والشر المنتشر في الأرض.
ومثل هذه المعاني الرمزية موجودة في كل ديانة، ولا بأس أن يتشابه الإسلام في ذلك مع بعض المعتقدات؛ لأنَّ هناك قدرًا مشتركًا بين الديانات جميعًا، والحج عبادة قديمة موجودة منذ القدم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًۭٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦ وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ٢٧ لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ[الحج: 26 ـ 28]. وكذلك الصيام، قال تعالى:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ[البقرة: 183]. والصلاة كذلك.
فلا مانع من أن توجد أشياء مشتركة بين الأديان، لكنَّ الإسلام يتميَّز عن هذا كله بتجريد التوحيد لله 4 ، فالتلبية بعد أن كانوا في الجاهلية يقولون: لبَّيْكَ لا شريك لك، إلَّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. يعنون الأصنام، فجاء الإسلام بالتلبية المجرَّدة لله: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شريك لك لبَّيْكَ، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك(1).
فالإسلام جعل كل شيء لله، فالحاج يطوف باسم الله، ويرمي الجمرات قائلًا: باسم الله، والله أكبر. فليس هناك أي معنى من معاني الوثنية، ويذبح هديه لله، ويقول: باسم الله والله أكبر. لا يذبح لصنم، ولا لوثن.
فالحج عبادة خالصة لله من كل شوائب الوثنية، وليس فيها أي أثر للوثنية.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة