2026-06-13
1,021
فرض الحج مرَّة واحدة
ما مكانة الحج؟ ولم فرضه الله مرَّة واحدة على من استطاع إليه سبيلًا؟ وما المراد من «استطاعة السبيل»؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحج عبادة متميزة؛ لأنَّها عبادة بدنية ومالية.. فالصلاة والصيام عبادتان بدنيتان، والزكاة عبادة مالية، وأمَّا عبادة الحج فإنَّها تجمع بين البدنية والمالية؛ لأنَّ الإنسان يبذل فيها جهدًا ببدنه، ويبذل فيها نفقة من ماله في سفره ومكثه لأداء الشعائر؛ لذلك نرى الحج هو الفريضة الَّتي ذكر الله فيها من استطاع إليه سبيلًا:﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا﴾[آل عمران: 97].
والنبي ﷺ حينما ذكر أركان الإسلام الخمسة، ذكر حجَّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا(1)؛ لأنَّ كلَّ إنسان قادر على أن يصلِّي أو يصوم، لكن ليس كل إنسان قادرًا على أن يذهب إلى الأرض المقدسة، لذلك كان من رحمة الله 4 أن جعله مرَّة واحدة في العمر؛ لأنَّ الله سبحانه لا يريد أن يكلِّف عباده شططًا، ولا أن يرهقهم من أمرهم عسرًا، يريد الله بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وما جعل عليهم في الدين من حرج، فالتكليف في الإسلام بحسب الوسع، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
ولذلك عندما قال لهم النبي ﷺ : «أيُّها النَّاسُ، إنَّ الله قد كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا». قال قائل: أفي كل عام يا رسولَ الله؟ وسكت، وأعاد السؤال، والنبي ﷺ يسكت، حتَّى قال ! : «لو قلتُ نعم لوجبتْ ولما استطعتم»(2). فلا يستطيع الإنسان أن يؤدي الحج في كل عام، فأراده الله سبحانه مرَّة في العمر، فهذا تخفيف من ربنا ورحمة منه عز وجل.
ولم يكلف إلَّا من استطاع إليه سبيلًا، ومعنى استطاعة السبيل ـ كما جاء في بعض الأحاديث الَّتي يقوِّي بعضها بعضًا ـ أن يملك الزاد والراحلة(3): زاد الطريق، والراحلة الَّتي يركبها.. وبلغة عصرنا أن يملك نفقات السفر للبيت الحرام، ونفقات الإقامة هناك، كلٌّ على ما يليق بحاله، فواحد يمكنه أن يركب الحافلة (باص)، وآخر تتعبه الحافلة ويحتاج لسيارة خاصَّة، وثالث تناسبه الطائرة، كذلك الإقامة في مكة لها مستويات، كلٌّ على ما يليق بحاله، فمن يملك الزاد والراحلة، طبعًا مع الشروط الأخرى، مثل صحَّة البدن، وألَّا يكون هناك حائل معين، أي أن يكون الطريق آمنًا.
ففي بعض الأوقات كان الطريق للحج محفوفًا بالمخاطر؛ قبل مجيء الملك عبد العزيز آل سعود 5 للحكم، كان النَّاس مثلًا في مصر يقولون: «الذاهب مفقود، والراجع مولود». ولذلك كان النَّاس يبشِّرون بعودة الحجاج، وأذكر وأنا في صغري أحدهم يأتي من السويس، قبل أن يأتي الحجيج (اسمه البشير) يُبشِّر بعودة الحجيج.
في هذه الأيام أُضيفَ شرطٌ جديد، وهو أن يخرج إلى الحج بالقرعة، وذلك مطبَّق في معظم البلدان؛ لأنَّه الآن لا يسمح فيها إلَّا بعدد معين لكل بلد؛ لأنَّ الحج فيه زحام شديد جدًّا، ولو فتح الباب على مصراعيه لتوافد الملايين، ولمات النَّاس في الزحام تحت الأقدام، فخصصوا لكل بلد نسبة معينة، وفي العادة النَّاس الذين يطلبون الحج عددهم أكبر من الذين يسمح لهم، فلا بدَّ من عمل القرعة، فنقول له: إنَّ من الشروط أن يصيب القرعة. وأكثريَّة الحجاج هم من المملكة؛ لأنَّ الطريق مفتوح أمامهم، فالأغلبية تكون من الداخل، فلو أمكن تحديد هؤلاء ليفسح المجال لغيرهم يكون شيئًا طيبًا.
أقول: وهذا قد عُمِلَ به منذ عدة سنوات، وأصبح لا يُسْمَح للسعودي أن يحج إلَّا كل خمس سنوات، وفي هذا تخفيف كثير عن حجاج الخارج، وإتاحة الفرصة لعدد أكبر منهم. والله الموفق.
(1) سبق تخريجه صـ 17.
(2) رواه مسلم في الحج (1337)، وأحمد (10607)، والنَّسائي في الحج (2619)، عن أبي هريرة.
(3) رواه الترمذي في الحج (813)، وقال: حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم. وابن ماجه في المناسك (2896)، عن ابن عمر.