2026-06-13
1,029
الحج على الفور أم على التراخي؟
ما حكم من يمتلك القدرة البدنية والاستطاعة المالية، ولا يؤدي الفريضة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
العلماء مختلفون بالنسبة للحج، هل الحج واجب على الفور أو على التراخي؟ الذين قالوا: الحج على الفور، استدلوا ببعض الأحاديث الَّتي قالت: «تعجَّلوا إلى الحجِّ؛ فإنَّ أحدَكم لا يدري ما يَعْرِضُ له»(1).
وآخر يقول: «قد يمرضُ الصحيحُ وتضلُّ الراحلة»(2). أي أنَّ الأمور تتغير؛ فالصحيح قد يمرض، والشاب يشيخ، والحي يموت، والموت يأتي بغتة، فالأولى أن يبرئ الإنسان ذمته، ويؤدي ما عليه بمجرد أن تتحقق الاستطاعة، ولا يوجد مانع.. هذا رأي.
وهناك رأي آخر يقول: هذه الأحاديث تدلُّ على استحباب التعجيل؛ كقوله تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾[البقرة: 148]، وقوله:﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ﴾[آل عمران: 133]، ولكن ليس هناك دليل على فرضية الفورية، بدليل أنَّ النبيَّ ﷺ لم يحج إلَّا في آخر سنة من حياته، في السنة العاشرة من الهجرة، ولم يحج مثلًا مع أبي بكر 3 .
ومع أنَّ الحج فُرض في السنة السادسة للهجرة، فلم يمكن الذهاب إليه؛ فمكة لم تكن فُتحت بعد، ولهذا ذهب عدد من العلماء إلى أنَّ الحج واجب على التراخي، ورغم أنَّه واجب على التراخي، قالوا: إنَّ الَّذي تراخى في الحج يتحمل المسؤولية؛ بحيث لو أتيحت له الفرصة وتمكن من الحج، ثم تراخى وقصَّر وتكاسل، ثم ضاعت هذه الفرصة بعد ذلك (كان غنيًّا فافتقر، أو صحيحًا فمرض) فهو المسؤول، أي يقع عليه الإثم، يقول الإمام الغزالي في «الإحياء» في كتاب الحج: عِبَادة العُمرِ وختام الأمر وتمام الإسلام، إلخ(3).
وكان النَّاس في الزمن الماضي يختمون حياتهم بالحج، أمَّا الآن في زمن الصحوة الإسلاميَّة، تجد مواسم الحج والعمرة حافلة بالشباب، جمهور الحجاج وجمهور المعتمرين في شهر رمضان تجدهما من الشبان والشابات والحمد لله.
وهذا دليل خير بالنسبة للأمة الإسلاميَّة، وأنا أرى أنَّ التعجيل بالحج أولى؛ لأنَّ الإنسان لا يضمن صحته ولا حياته ولا العوائق الَّتي قد تعوق، فالأولى أن يستبق الخيرات، ويعجل بهذا، ويبرئ ذمته ويستريح.
(1) رواه أحمد (2867)، وقال مخرِّجوه: حديث حسن. عن ابن عبَّاس.
(2) رواه أحمد (1834)، وقال مخرِّجوه: حديث حسن. وابن ماجه في المناسك (2883)، عن ابن عبَّاس.
(3) إحياء علوم الدين (1/239)، نشر دار المعرفة، بيروت.