الحج على من استطاع السبيل

❓ الحج على من استطاع السبيل

📅 2026-06-13 👁 1,017 مشاهدة

نص السؤال:

كون الحج مقيدًا بالاستطاعة وكونه في المرتبة الخامسة من مراتب أركان الإسلام، قد يجعل المسلم يقول: إنَّني غير مستطيع الآن، فيظل يؤجِّل أو يسوِّف! فيا حبذا لو تلقون الضوء على هذا الجانب.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا شكَّ أنَّ الحج فريضة من أعظم فرائض الإسلام، وإحدى شعائره الكبرى، وقد ثبتت فرضيته بالقرآن والسُّنَّة والإجماع. أمَّا القرآن ففي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ[آل عمران: 97]، ﴿وَمَن كَفَرَ أي: من لم يحج، أو من أعرض عن الحج وقصد تركه، هنا وضع كلمة الكفر للتهديد والتخويف.
وهناك الأحاديث الكثيرة، منها الحديث الَّذي ذكرته ويحفظه أطفال المسلمين وكبارهم، حديث: «بُنِيَ الإسلامُ على خمس»(1)، وأحاديث كثيرة عن الحج، فقد قال النبيُّ  : «يا أيُّها الناس، إنَّ الله فرض عليكم الحجَّ فحُجُّوا». قالوا: يا رسولَ الله، أفي كلِّ عام؟ فقال: «لو قلتُ: نعم، لوجبتْ، ولما استطعتم»(2).
وقد أجمعت الأمة كلها على اختلاف مذاهبها ومدارسها وفرقها على أنَّ الحج فريضة على من استطاع إليه سبيلًا. ففرض الله الحج بالقرآن والسُّنَّة والإجماع.
ومن رحمة الله أنَّه لم يفرض علينا الحج إلَّا مرَّة واحدة في العمر، ولذلك كان السلف يسمُّون الصلوات الخمس: ميزان اليوم، ويسمُّون صلاة الجمعة: ميزان الأسبوع، ويسمُّون صيام رمضان: ميزان السنة، ويسمُّون الحج: ميزان العمر!
لماذا قيل في الحج:﴿مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؟
لأنَّ الحجَّ عبادة بدنيَّة وماليَّة معًا، والعلماء يقسمون العبادات إلى عبادات بدنية، أي أنَّ الإنسان يقوم بها ببدنه مثل الصلاة، فالإنسان يغالب فيها الكسل والنوم، لكنَّه ما إن يسمع المؤذن ينادي: (الصلاة خير من النوم) في الفجر، حتَّى يترك فراشه الدافئ، ويتوضأ في البرد الشديد ويذهب إليها فهي بأذكارها وحركاتها عبادة بدنية، وكذلك الصوم فهو عبادة بدنية؛ وإن كانت عبادة تَرْكية، فالصلاة فعل والصوم ترك، إمساك عن شهوتي البطن والفرج، أو عن الطعام والشراب ومباشرة النساء، فالصلاة والصوم كلتاهما عبادة بدنية.
والزكاة عبادة مالية، الإنسان يبذل فيها المال وهو شقيق الروح!
أمَّا الحج فعبادة بدنيَّة وماليَّة معًا، فالمسلم يسافر ويفارق وطنه، ويركب المشقَّات، ويعيش حياة أشبه بحياة الكشافة، ينام في خيمة، وربَّما على الأرض، فهو يتحمَّل المشقة البدنية من ناحية، ويبذل المال والنفقات من ناحية أخرى؛ لأنَّه يحتاج أن يتنقل من بلده إلى البلد الحرام، حيث المناسك هناك؛ ولأجل هذا قيل:﴿مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
جاء في بعض الأحاديث في تفسير الاستطاعة أو السبيل: أنَّها الزاد والراحلة، بمعنى أن تكون عنده مقدرة على أن يهيِّئ زادًا يكفيه مدة السفر والإقامة، والراحلة الَّتي يركب عليها، وهذا يدل على أنَّ الله لم يكلِّفه أن يحجَّ ماشيًا، بل راكبًا، ولكنَّ الركوب يحتاج إلى مال، فإذا أردنا أن نعبر عن الزاد والراحلة بلغتنا العصرية قلنا: نفقات السفر والإقامة، أن يملك الإنسان النفقات لسفره، بما يلائم حاله، فهناك من يحتاج إلى أن يكون عنده أجرة الحافلة (الباص)، وآخر يحتاج إلى سيارة صغيرة، وآخر يقول: أنا لا أستطيع أن أسافر إلَّا بالطائرة، وآخر يكفيه أن يسافر في الباخرة، فكلٌّ حسب حاله واستطاعته، هذا بالنسبة لنفقات السفر.
ثم هناك نفقات الإقامة، فهناك من يحتاج إلى أن يقيم في فندق، أو في بيت يستأجره، ويدخل في هذا ما يدفع للمطوِّف أو للمتعهد، فهذه نفقات السفر والإقامة، بالإضافة إلى ما يكفي أهله حتَّى يعود، فلا يترك أهله بلا زاد ـ كما يقولون: على الحديدة ـ فهذا غير مقبول!
هذا معنى الاستطاعة، والصلاة ليس مطلوبًا فيها مثل هذا ولا الصيام، إنَّما هذا مطلوب في الحج؛ لأنَّه هجرة إلى الله وارتحال، ويحتاج إلى هذه النفقات، ولذلك قال:﴿مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة