2026-06-13
1,021
حكم المبيت بمِنى ليالي أيام التشريق
ما حكم المبيت بمنًى ليالي أيام التشريق، وخصوصًا مع كثرة الحجيج في هذه السنين، فلم تعد منى تتسع لمليونين أو أكثر كل عام، فهل يجزئ عن الحاج أن يرمي جمراته كل يوم، ولكنَّه يبيت بمكة أو في جدة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
قال ابن قدامة في «المغني»: السُّنَّة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى مِنًى، لما روى ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلَّى الظهر بمنى(1). وقالت عائشة: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلَّى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق(2).
قال ابن قدامة: وظاهر كلام «الخرقي»: أنَّ المبيت بمنى ليالي منى: واجب «لقوله: ولا يبيت بمكة ليالي منى». وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وقال ابن عباس: لا يبيتنَّ أحد من وراء العقبة ليلًا(3). وهو قول عروة وإبراهيم، ومجاهد وعطاء.
وروي ذلك عن عُمر بن الخطاب 3 ، وهو قول مالك والشافعي.
والثانية: ليس بواجب. رُوي ذلك عن الحسن، ورُوي عن ابن عباس: إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت(4).
قال: ولأنَّه قد حلَّ من حجه (أي تحلَّل التحلُّل النهائي) فلم يجب عليه المبيت بموضع معين، كليلة الحصبة (التي بعد أيام التشريق)(5) اهـ.
ولا شك أنَّ الرسول ﷺ بات بمنى ليالي أيام التشريق، وكان مبيته بها أمرًا طبيعيًّا؛ لأنَّه لم يكن له ولا لأصحابه بيوت في مكة، وهو محتاج إلى البقاء في مِنًى من أجل رمي الجمرات، فهو يبيت في المكان الَّذي يسهل عليه الرمي منه. ومن هنا كان المبيت بمنَى أسهل عليه وعلى أصحابه، ليظلّوا معًا في تجمع إسلامي فريد، بعد أداء المناسك، يرمون الجمرات، ويذكرون الله في أيام معدودات، ويأكلون ويشربون، ويتمتعون بما أحل الله لهم من أشياء كانت محظورة عليهم، ولهذا قال ! : «أيامُ مِنًى ـ أو أيام التشريق ـ أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذكرٍ لله تعالى»(6).
فمن لم يكن له حاجة ولا مصلحة في ترك المبيت بمنى، فيسن له أن يبقى بها تأسّيًا بالنبي ﷺ ؛ وهو تأسٍّ مطلوب طلب استحباب، وليس طلب الوجوب فيما أرى.
ومن كان يشقُّ عليه المبيت بمنى، أو كانت له حاجة أو مصلحة في عدم المبيت بمنًى، فلا حرج عليه في ذلك؛ إذ لا دليل يدل على الوجوب. وقوله ﷺ : «خذوا عَنِّي مناسِكَكم»(7) لا يدل على أنَّ كل أفعال الحج واجبة، ففيها الأركان والواجبات والمستحبات. والحديث أشبه بحديث: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»(8). ومع هذا يوجد في الصلاة ما هو فرض، وما هو واجب، وما هو مستحب.
وممَّا لا ينازع فيه أحد: أنَّ في مناسك الحج أمورًا كثيرة من باب المستحبات، مثل الاغتسال للإحرام، وصلاة ركعتين له، والتلبية ورفع الصوت بها، والأدعية والأذكار في الحج، وتقبيل الحجر الأسود أو استلامه أو الإشارة إليه.
وفي كتب الحنابلة ما يشدُّ أزر القائلين بالتيسير في أمر المبيت بمنى، وإجازة المبيت بمكة وما حولها، خصوصًا مع كثرة الحجاج، وضيق منى بهم، رغم تيسيرات الدولة السعودية.
قال المرداوي في «الإنصاف» فيمن ترك المبيت بمنى في لياليها: «الصحيح من المذهب: أنَّ عليه دمًا. نقله حنبل، وعليه أكثر الأصحاب. وعنه: يتصدق بشيء. نقله الجماعة عن أحمد. قاله القاضي. وعنه: لا شيء عليه. واختاره أبو بكر. قال: وهي مبنيَّة على أنَّ المبيت بمنى ليس بواجب»(9).
وقال ابن قدامة في «المغني»: فإن ترك المبيت بمنى، فعن أحمد: لا شيء عليه، وقد أساء. وهو قول أصحاب الرأي (أبي حنيفة وأصحابه).
وعنه: يُطْعِمُ شيئًا، وخفَّفه (قلله). ثم قال: قد قال بعضهم: ليس عليه، وقال إبراهيم: عليه دم. وضحك، ثم قال: دم بمرَّة، شدَّدتموه! قلت: ليس إلَّا أن يُطْعِم شيئًا؟ قال: نعم يُطعِم شيئًا: تمرًا أو نحوه.
قال: فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأه، ولا فرق بين ليلة وأكثر؛ لأنَّه لا تقدير فيه.
وعنه: في الليالي الثلاث دم(10).
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم في «المحلى»: ومن لم يبت ليالي منى بمنى فقد أساء، ولا شيء عليه، إلَّا الرعاء وأهل سقاية العباس، فلا نكره لهم المبيت في غير منى، بل للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا.
واستدل بما رواه من طريق أبي داود، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ رخَّص للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا(11).
قال: فصحَّ بهذا الخبر: أنَّ الرمي في كل يوم من أيام مِنى ليس فرضًا.
ومن طريق مسلم، عن ابن عمر قال: إنَّ العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله ﷺ من أجل سِقايته أن يبيت بمكة ليالي منى، فأذن له(12).
قال أبو محمد: فأهل السقاية مأذون لهم من أجل السقاية، وبات ﷺ بمنَى، ولم يأمر بالمبيت بها؛ فالمبيت بها سنة وليس فرضًا؛ لأنَّ الفرض إنَّما هو أمره ﷺ فقط.
فإن قيل: إنَّ إذنه للرعاء وترخيصه لهم وإذنه للعباس: دليل على أنَّ غيرهم بخلافهم؟
قلنا: لا، وإنَّما كان يكون هذا لو تقدم منه ﷺ أمر بالمبيت والرمي، فكان يكون هؤلاء مستثنين من سائر من أمروا، وأمَّا إذا لم يتقدم منه أمر ﷺ ؛ فنحن ندري أنَّ هؤلاء مأذون لهم، وليس غيرهم مأمورًا بذلك ولا منهيًّا، فهم على الإباحة.
روينا عن عمر بن الخطاب: «لا يَبِيتَنَّ أحدٌ من وراء العقبة أيامَ مِنى»(13). وصحَّ هذا عنه 3 ، وعن ابن عبَّاس مثل هذا(14)؛ وعن ابن عمر أنَّه كره المبيت بغير منى أيام منى(15). ولم يجعل واحد منهم في ذلك فدية أصلًا.
ومن طريق سعيد بن منصور عن ابن عبَّاس قال: لا بأس لمن كان له متاع بمكة أن يبيت بها ليالي منى.
ومن طريق ابن أبي شيبة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: إذا رميت الجمار فبت حيث شئت(16).
وعن عطاء قال: لا بأس أن يبيت بمكة ليالي منى في ضيعته(17).
وعن مجاهد: لا بأس بأن يكون أوَّل الليل بمكة وآخره بمنى، أو أوَّل الليل بمنى وآخره بمكة(18).
وروينا من طريق ابن أبي شيبة عن عطاء؛ أنَّه كان يقول: من بات ليالي منى بمكة تصدَّق بدرهم أو نحوه(19).
وعن إبراهيم قال: إذا بات دون العقبة أهرق دمًا(20).
وقال أبو حنيفة بمثل قولنا (أي ليس عليه شيء)، وقال سفيان: يُطْعِمُ شيئًا. وقال مالك: من بات ليلة من ليالي منى بغير منى أو أكثر ليلته فعليه دم، فإن بات الأقل من ليلته فلا شيء عليه.
وقال الشافعي: من بات ليلة من ليالي التشريق في غير منى فليتصدق بمدّ، فإن بات ليلتين، فمدان، فإن بات ثلاثًا فدم.
وروي عنه: في ليلة ثلث دم، وفي ليلتين ثلثا دم، وفي ثلاث ليال دم!
قال أبو محمد: هذه الأقوال لا دليل على صحتها، يعني الصدقة بدرهم أو بإطعام شيء أو بإيجاب دم، أو بمد، أو مُدَّين، أو ثلث دم، أو ثلثي دم، أو الفرق بين المبيت أكثر الليل، أو أقله، وما كان هكذا فالقول به لا يجوز، وما نعلم لمالك، ولا للشافعي في أقوالهم هذه سلفًا أصلًا، لا من صاحب، ولا من تابع(21).
وبهذا نرى أنَّ في أمر المبيت بمنى ليالي أيام التشريق سعة، وحسبنا قول ابن عباس: إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت.
وعندنا من أقوال التابعين من لم يرَ في الأمر شيئًا.
ولدينا من أقوال الأئمَّة المتبوعين (ومنهم أبو حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد) ما يفتح لنا الباب واسعًا.
ومنهم من طلب التصدق باليسير، ومن لم يطلب شيئًا.
وكل هذا فيمن ترك المبيت بلا عذر ولا حاجة، ولكنَّ الوضع في زمننا لم يعد كذلك، فقد ضاقت منى بحجاجها، وهي وادٍ محصور. فمن هنا كان هناك عذر عام للكثيرين أن يبيتوا بمكة وما حولها، من أجل تخفيف الزحام عن منى.
وأسوة هؤلاء ما رخص به رسول الله ﷺ للرعاء أن يبيتوا بمكة، وكذلك للعباس من أجل السقاية، وذلك لأعذارهم الظاهرة.
والله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر.
(1) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (1553)، ومسلم (1308)، كلاهما في الحج.
(2) رواه أحمد (24592)، وقال مخرِّجوه: حديث حسن. وأبو داود في المناسك (1973)، وقال الألباني في صحيح أبي داود (1722): حديث صحيح؛ إلَّا قوله: «حين صلى الظهر». فهو منكر.
(3) رواه ابن أبي شيبة في الحج (14602).
(4) رواه ابن أبي شيبة في الحج (14614)، وابن حزم في المحلى (5/195).
(5) المغني لابن قدامة (5/324) تحقيق عبد المحسن التركي وعبد الفتاح الحلو، نشر دار عالم الكتب، الرياض، ط 3، 1417هـ ـ 1997م.
(6) رواه مسلم في الحج (1141)، وأحمد (20722)، عن نبيشة الهذلي.
(7) سبق تخريجه صـ 97.
(8) رواه البخاري في الأدب (6008)، عن مالك بن الحويرث.
(9) انظر: الإنصاف (4/47).
(10) المغني لابن قدامة (5/325).
(11) رواه أحمد (23774)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود (1976)، والترمذي (954)، وابن ماجه (3036)، ثلاثتهم في الحج، عن عاصم بن عدي.
(12) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (1634)، ومسلم (1315)، كلاهما في الحج، عن ابن عمر.
(13) رواه مالك في الموطأ (1524).
(14) رواه ابن أبي شيبة في الحج (14602).
(15) رواه ابن أبي شيبة في الحج (14603، 14604).
(16) رواه ابن أبي شيبة في الحج (14614).
(17) المصدر السابق (14615).
(18) المصدر السابق (14605).
(19) المصدر السابق (14610).
(20) المصدر السابق (14609).
(21) المحلى بالآثار لابن حزم (7/220) نشر دار الفكر، بيروت.