2026-06-13
1,009
التلفظ بالنيَّة في الطواف والدعاء من الكتب
هناك أخطاء في الطواف نلاحظها مثلًا شخص ينوي بصوت مرتفع، ويقول: نويت أن أطوف بالبيت سبعة أشواط. وآخر يقرأ من بعض الكتب خاصَّة الأدعية المأثورة، هناك كثير من النَّاس ربَّما لا يستطيعون أن يعبِّروا عن أنفسهم، قد يستمع أحدنا إلى النَّاس أثناء الطواف فيردد معهم دون قصد ولكن النية في ذلك أنَّه يريد أن يدعو كما يدعو الآخرون، وأنا أحسب في ذلك أنَّ المرء ربَّما يكون قد استعان بهؤلاء في الدعاء وأعتقد نيته سليمة في أنَّه يريد أن يعبِّر عن نفسه من خلال الحج وأنا أعتقد أنَّ هذا المؤتمر الإسلامي الجامع قد يتيح الفرصة ليتعلَّم شيئًا من هذا الطواف، فما رأي فضيلة مولانا وجزاكم الله خيرًا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا بالنسبة للنية: أرى أنَّ الإنسان ينوي الحج بكل أركانه وأعماله، وليس من الضروري أنَّه كلَّما بدأ شيئًا يقول: نويت الطواف، نويت السعي! والنية في الحقيقة محلها القلب.
ما معنى أن يقول الإنسان: نويت أن أطوف، وكل شوط يقول: نويت الشوط الأول، نويت الشوط الثاني، وعندما يريد أن يشرب ماء زمزم، ليس هذا مطلوبًا يكفي أن يقول: لبَّيْك اللهمَّ عمرة، أو لبَّيْك اللهمَّ عمرة وحجًّا، فيكفي هذا؛ وليس مطلوبًا منه شيء آخر، وبعد ذلك حسبه أن يستحضر هذه الأشياء بقلبه.
هل الإنسان حينما ينوي أن يذهب لعمله في الصباح يقول: نويت الذهاب إلى المكتب؟! لا يقول هذا! هو ناوٍ بدون أن يقول، لو أنَّ أحدًا سأله يقول: إلى أين أنت ذاهب؟ لقال له: أنا ذاهب للعمل، لذلك قلنا: النية محلها القلب، ولسنا بحاجة إلى ترديد اللسان في هذه الأشياء، فهذا لم يفعله النبي ﷺ ، ولا الصحابة ولا التابعون، ولا أمر الله به ولا رسوله!
والأصل في العبادات التعبُّد، والعبادات توقيفيَّة؛ فلا نزيد فيها ولا ننقص، ولا نفتح فيها بابًا للإحداث؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة»(1)، «وكلّ ضلالةٍ في النار»(2)، وقال ! في الحديث الصحيح المتفق عليه: «من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ»(3). أي مردود عليه، فهذا بالنسبة للموضوع الأول.
أمَّا بالنسبة للدعاء: فإنَّ الأولى بالإنسان أن يدعو الله 4 بما يريده من الله، وبما يفيض به قلبه، وينطلق به لسانه، فإن كان يريد الغنى يقول: اللهمَّ ارزقني الغنى يا ربَّ العالمين، ويسِّر لي وكثِّر مالي، وإن كان يريد أن يتزوج يقول: اللهمَّ ارزقني الزوجة الصالحة، الَّتي تسرُّ قلبي، وتعينني على ديني، وآتني منها البنين والبنات.. فيذكر في دعائه الأشياء الَّتي يحتاجها من الله 2 .
وأمَّا ما أنكرناه فهو أن يمشي الشخص وراء المطوِّف مثلًا فيقول المطوف ويردِّد من ورائه يقول اللهم.. اللهم، يا ربنا.. يا ربنا، إن كنت.. إن كنت، فهو يردِّد هناك كلمة كلمة، وهو لا يعرف ماذا يقول، هذا ليس مطلوبًا، بل ليس محمودًا.
لكن لا مانع إذا أراد أن يدعو بالأدعية المأثورة في القرآن أو في السُّنَّة، ومعه كتاب يساعده؛ لأنَّه لا يستطيع أن يحفظ هذه الأدعية، فلا مانع أن يقرأ لنفسه هو، أمَّا القراءات الجماعية والتشويش على الآخرين، فلا أراها حسنة، يقول ربنا: ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً﴾[الأعراف: 55]. ويقول 4 على لسان زكريا:﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّۭا﴾[مريم: 3]. فإذا كان دعاؤك في نفسك ودعوت الله بما تحب، ولو قرأت من كتاب؛ فلا مانع من ذلك.
لكن لا تمشي وراء الآخرين وهم يلقِّنونك ما لا تعرفه، وقد تسمع الكلمة منهم خطأً، فهذا الَّذي لا ينبغي أن يحدث في الدعاء، وهناك أناس كتبوا لكل شوط في الطواف دعاءً خاصًّا: دعاء الشوط الأول، دعاء الشوط الثاني إلى السابع، وكذلك فعلوا في أشواط السعي، وهذه الأدعية لا أصل لها، ولم يرد فيها شيء عن رسول الله ﷺ .
(1) رواه أحمد (17142)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح بطرقه وشواهده. وأبو داود في السنة (4607)، والترمذي في العلم (2676)، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه في المقدمة (42)، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه (40)، عن العرباض بن سارية. وهو الحديث الثامن والعشرون من أحاديث الأربعين النووية.
(2) رواه النَّسائي في صلاة العيدين (1578)، وابن خزيمة في الجمعة (1785)، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (1353)، عن جابر بن عبد الله.
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الصلح (2697)، ومسلم في الأقضية (1718)، عن عائشة.