2026-06-13
1,011
أثر الحج في توحيد الأمَّة
لماذا لا يتكرَّر الحج في هذه الأشهر عدة مرات؟ فيحج فوج في أوَّل شوال، وثانٍ في منتصفه، وثالث في أوَّل ذي القعدة، ثم في منتصفه، ثم في ذي الحجة، وبذلك نتفادى هذا الزحام الهائل الَّذي يزداد يومًا بعد يوم، ويحرم النَّاس من المتعة الروحيَّة للحج، رغم حرمان الكثيرين من التائقين إلى الحج بسبب تحديد عدد الحجاج في كل عام من كل قُطْر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
يستغرب المرء كيف يفكِّر المسلم في مثل هذا السؤال، وهو يعلم أنَّ الحجَّ عبادة فرضها الله تعالى، ونفَّذها رسوله ﷺ ، وعلمها المسلمين نظريًّا وعمليًّا، وقال لأصحابه الذين حجوا معه حجَّة الوداع: «خذوا عَنِّي مناسككم»(1)، فتواترت عنه أعمال الحج تواترًا عمليًّا نقلته أجيال الأمة، جيلًا بعد جيل إلى اليوم.
والعبادات لا مجال فيها للابتداع أو للتغيير بحيث نغيِّر زمانها أو مكانها أو كيفيتها، فالأصل فيها الاتباع والتسليم، ومن أحدث فيها ما ليس منها، فهو ردٌّ عليه، مرفوض شرعًا، وهو بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ومن المقرر المعلوم أنَّ الحج مرتبط بزمان محدد، كما أنَّه مرتبط بمكان معين، وكما لا يجوز نقل الحج من مكانه الخاص إلى مكان آخر، في المدينة أو في الشام أو في مصر مثلًا، لا يجوز كذلك نقل الحج من زمانه المعلوم: يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم العيد، «يوم الحج الأكبر» كما سمَّاه القرآن، وأيام منى. الَّتي قال الله تعالى فيها:﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾[البقرة: 203].
وقال تعالى في بيان حكمة الحج: ﴿لِّيَشْهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَٰتٍ﴾[الحج: 28]، فلا مناص من التعبد في هذه الأيام المعدودات والمعلومات.
فليس الحج المشروع هو قصد البيت الحرام، وعمل المناسك في أي وقت، فإنَّ هذا هو «الحج الأصغر»، الَّذي شرعه الإسلام طوال العام، وهو العمرة، وهو إحرام وطواف وسعي وحلق وتقصير، وثوابها عظيم، وهي كفارة لما قبلها من الذنوب. بخلاف الحج الأكبر، أو الحج الحقيقي، فهو في خمسة أو ستَّة أيام معلومة من السَّنَة.
الحج يوحِّد الأمة:
ولقد غفل السائل عن هدف كبير من الأهداف الَّتي شرع لها الحج، وهو جمع هذا الحشد العظيم من أبناء أمة الإسلام، في زمان واحد، ومكان واحد، على عمل واحد، بلباس واحد، وبقصد واحد، وبحداء واحد: لبَّيْك اللهمَّ لبيك، لبَّيْك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
إنَّ هذا المنسك العظيم يصهر ما بين الأمة من فوارق العرق والدين واللغة والإقليم والطبقة، ويوحِّدها مَخْبَرًا ومظهرًا، حتَّى يشعر الجميع بأنَّهم أمة واحدة كما أراد الله لهم، لا أمم شتى كما أراد لهم أعداؤهم. أمة وحَّدتها العقيدة، ووحَّدتها العبادة، ووحدها التشريع، ووحدتها الأخلاق، ووحدتها الآداب، ووحدتها المفاهيم، ولا غرو أن سمَّى الله المسلمين في كتابه «أُمَّة» فقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا﴾[البقرة: 143]، وقال 8 : ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾[آل عمران: 110]، وقال سبحانه:﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾[الأنبياء: 92].
ولقد عرف خصوم الإسلام قيمة الحج في توحيد الأمة وإيقاظها، وتعريفها بذاتها، وتنبيهها من غفلاتها.
ومما يذكر في ذلك ما كتبه رئيس حملة التبشير الَّتي اجتاحت مصر في أوائل القرن العشرين، وجُنِّدت لها إمكانات هائلة، بشرية وماديَّة، ولكنَّها باءت بالإخفاق والخيبة، فكان ممَّا قاله رئيس هذه الحملة عبارات مهمة يجب أن يعيها المسلمون ويحفظوها.
قال: «سيظل الإسلام في مصر صخرة عاتية تتحطَّم عليها محاولات التبشير المسيحي، ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع: القرآن، والأزهر، واجتماع الجمعة الأسبوعي، ومؤتمر الحج السنوي».
فانظر كيف أدرك هذا المبشر ما يصنعه «مؤتمر الحج» الكبير بروحانيته وإيحاءاته وشعائره ومشاعره في أنفس المسلمين، وكيف يربطهم بأصولهم، ويذكِّرهم بهويتهم وتميزهم، ويعيد كلًّا منهم تائبًا إلى ربه، طاهرًا مغتسلًا من خطاياه، كيوم ولدته أمه، فهو ميلاد جديد للمسلم. وأهم درس يتعلمه المسلم في الحج: أنَّه ينتمي إلى أمة كبيرة، أمة واحدة، أمة القبلة، وأمة التوحيد، أُمَّة «لا إلٰه إلَّا الله، محمد رسول الله».
درس لا يجوز أن ننساه:
ومن هنا كان علينا أن نتعلَّم من هذا المؤتمر الإسلامي العالمي، الَّذي لم يدع إليه ملك أو رئيس أو أمير، بل دعا إليه الله تبارك وتعالى، وفرضه على المسلمين مرَّة في العمر، ليخرج المسلم من نطاق المحليَّة إلى أفق العالمية، وليرتبط شعوريًّا وعمليًّا بأبناء الإسلام، حيثما كانوا في مشرق أو مغرب، وليستفيد أهل الحل والعقد في الأمة من هذا الموسم الرباني لجمع كلمة الأمة على الهدى، وقلوبها على التقى، وعزائمها على الخير المشترك للجميع.
وعلى أهل العلم والفكر والدعوة في الأمة: مقاومة النزعات العصبية والدعوات العلمانيَّة، الَّتي تفرِّق الأمة الواحدة، وتمزِّق كيانها، وتحوِّلها إلى أمم شتى، يجافي بعضها بعضًا.
لقد كان من آثار الغزو الفكري الاستعماري للعالم الإسلامي: زحزحة المسلم عن الولاء لأمته المسلمة والاعتزاز بها، قبل الاعتزاز بالانتماء إلى القبائل والأمم، على نحو ما قال الشاعر المسلم(2):
أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواه
إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ
وسئل سلمان الفارسي: ابنُ من أنت؟ فقال: أنا ابن الإسلام(3)!
فأصبح في النَّاس من لا يعتز إلَّا بوطنه أو بقومه، لا بمعنى أن يحبَّ وطنه ويهتمَّ بأمره، ويسعى في رقيه، أو يحب قومه، ويُعنى بأمرهم ونهوضهم ووحدتهم، فهذا لا حرج فيه، بل هو محمود ومطلوب شرعًا؛ ولكن بمعنى تغيير الولاء للإسلام وأمته الكبرى، وتقديم الرابطة الطينية والعنصرية على الرابطة الإسلاميَّة.. وهذا تحوُّل في موقف الإنسان المسلم والجماعة المسلمة، لم يعرف من قبل.
بين الأمس واليوم:
لقد كان وطن المسلم من قبل، يعني «دار الإسلام» على اتساعها، فكل أرض تجري فيها أحكام الإسلام، وتقام شعائره، ويعلو سلطانه، ويرتفع فيها الأذان، هي وطن المسلم، يغار عليه، ويدافع عنه، كما يدافع عن مسقط رأسه. وكان العالم ينقسم عند المسلم على هذا الأساس العقائدي: فهو إمَّا دار إسلام، وإمَّا دار كفر.
وكان قوم المسلم هم المسلمين أو الأمة الإسلاميَّة، الذين جمعته بهم أخوة الإيمان، وعقيدة الإسلام، ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ﴾[الحجرات: 10]، وكان أعداء المسلم هم أعداء الإسلام ولو كانوا ألصق النَّاس به وأقربهم إليه:﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍۢ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾[المجادلة: 22].
فالمسلم حين يقف في صلاته مناجيًا ربه بهذا الدعاء: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾. بصيغة الجمع هذه، يستحضر في حسِّه وذهنه أمة الإسلام جمعاء.
وحين يقرأ قول الله تبارك وتعالى في كتابه:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾؛ يفهم أنَّ هذا الخطاب موجَّه للمسلمين جميعًا أينما كانوا.
وحين يقف الخطيب على المنبر يوم الجمعة، يدعو للمسلمين كافة، دون تفرقة بين إقليم وإقليم، ولا بين جنس وجنس، ولا بين لسان ولسان، بل يقول دائمًا: اللهمَّ اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات. اللهمَّ انصر الإسلام وأعز المسلمين.
فإذا خصَّ بلده يومًا بالدعاء له بالنصر والرخاء تجده يقول: لبلدنا هذه خاصَّة، ولسائر بلاد المسلمين عامة.
فالتفكير الإسلامي والحس الإسلامي: لا يعرفان الإقليمية ولا العنصرية بحال من الأحوال.
صور رائعة في الفقه الإسلامي:
وفي الفقه الإسلامي نجد هذه الصورة المعبِّرة عن وحدة الأمة المسلمة، ووحدة الوطن الإسلامي، وذلك فيما ينقله العلامة ابن عابدين عن أئمَّة الفقه الحنفي؛ حيث يقررون: أنَّ الجهاد فرض عين إن هجم العدو على بلد مسلم، وذلك على من يقرب من العدو أولًا، فإن عجزوا أو تكاسلوا، فعلى من يليهم، ثم من يليهم، حتَّى يفترض ـ على هذا التدرج ـ على المسلمين شرقًا وغربًا(4).
وهذا متَّفق عليه بين الأئمَّة جميعًا.
والعجيب أن يقرِّر فقهاء الإسلام وجوب الدفاع عن سائر الأمة، أو عن البلد المسلم المعتدى عليه، إن تقاعد أهله أنفسهم في الدفاع عنه؛ لأنَّ هذا البلد ليس ملك أهله وحدهم، ولكنَّه ـ باعتباره جزءًا من دار الإسلام ـ ملك للمسلمين جميعًا، وسقوطه في يد الكفار خسارة وهزيمة للمسلمين قاطبة. لذا كان تحريره مسؤولية الأمة كلها بالتضامن.
وصورة أخرى يذكرها ابن عابدين: امرأة مسلمة سُبِيَت بالمشرق، وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر(5).
وقال الإمام مالك: يجب على المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم(6).
وهكذا قرَّر القرآن وقرَّرت السُّنَّة: أنَّ المسلمين أمة واحدة: «يسعى بذمَّتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم»(7)، «ومن لم يُصبح ناصحًا ـ أي مخلصًا بارًّا ـ لله ورسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم، فليس منهم»(8).
ولكنَّ النزعة الوطنية والقومية جعلت المسلم يفكِّر في وطنه قبل عقيدته، ويرجِّح ولاءه لوطنه على ولائه لعقيدته، ويقدِّم الكفار إذا كان من عنصره أو وطنه على المسلم من عنصر آخر أو في بلد آخر، ويسمِّي هذا أجنبيًّا، ويعامله معاملة الأجانب.
وبرزت نزعات جاهليَّة تتنادى بالقومية العنصرية، والوطنية الإقليمية، لا بالأخوة الإسلاميَّة، الَّتي جعلها الله صنو الإيمان حين قال:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ﴾[الحجرات: 10]، بل أصبحت الأوطان والقوميات، وكأنَّها أوثان جديدة يعبدها النَّاس مع الله!
إنَّ شعيرة الحج تعلِّمنا: أن نحيا بروح الأمة الواحدة، إن لم يكن عملًا وتطبيقًا - وهذا هو الواجب - فعلى الأقل فكرًا وشعورًا.﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾[الأنبياء: 92].
(1) سبق تخريجه صـ 97.
(2) من شعر نهار بن توسعة اليشكري. انظر: الكامل في اللغة والأدب (3/133)، نشر دار الفكر العربي، القاهرة، ط 3، 1417هـ ـ 1997م.
(3) انظر: سير أعلام النبلاء (1/544)، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3، 1405هـ ـ 1985م.
(4) حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (4/124) نشر دار الفكر، بيروت، ط 2، 1412هـ ـ 1992م.
(5) حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (4/124).
(6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/242)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، نشر دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 2، 1384هـ ـ 1964م.
(7) رواه أحمد (6970)، وقال مخرِّجوه: صحيح وهذا إسناد حسن. وأبو داود في الجهاد (7251)، والبيهقي في النفقات (8/29)، وقال الألباني في صحيح أبي داود (2390): حسن صحيح. عن عبد الله بن عمرو.
(8) رواه الطبراني في الصغير (907)، والأوسط (7473)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (294): فيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، ضعَّفه محمد بن حميد، ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان. عن حذيفة بن اليمان.