2026-06-13
1,047
توقيت عيد الأضحى في أمريكا
كان المسلمون الأمريكان في عيد الأضحى الفائت فريقين؛ يكادان يختصمان: يرى فريق أنَّ عيد الأضحى هو تحديدًا اليوم العاشر من ذي الحجة. ولمَّا كان اختلاف المطالع واردًا فقد تختلف البلاد في تحديد اليوم الأول من الشهر. وصلَّى هذا الفريق واحتفل به يوم الثلاثاء 6 مارس 2001م، حسبما أفضى إليه اجتهادهم في تحديد مطلع ذي الحجة.
بينما يرى فريق آخر أنَّ مناسك الحج وشعائره الَّتي يؤدِّيها الحُجَّاجُ حقيقة قائمة وحاسمة. فـ «الحجُّ عرفةُ» كما أخبر الرسول ﷺ . ويوم يقف الحجيج بعرفة هو تحديدًا التاسع من ذي الحجة، واليوم التالي له هو عيد الأضحى؛ تأسيسًا على ما أعلنه أولو الأمر في الديار الحجازية، والمسلمون في أنحاء العالم: عن بداية ذي الحجة.
إذن نحن مرتبطون بيوم وقوف الحجيج بعرفة فعلًا، وبيوم نفرتهم إلى منى. فإن جاز الاختلاف في بداية رمضان، فلا مجال للاختلاف في عيد الأضحى. وهؤلاء عيَّدوا يوم 5 مارس 2001م.
لكل من الفريقين وجهة نظره. فهل إحداهما صحيحة والأخرى باطلة؟ ولعلهما صحيحتان كلتاهما، فأيهما ترجح الأخرى وتكون أولى بإجماع المسلمين وأوفى بمصلحة الأمة؟ هل لأستاذنا وفقيهنا يوسف القرضاوي أن يفيدنا بقبس ممَّا آتاه الله؟ مع تحيتي ومحبتي. والسلام عليك ورحمة الله.
حسَّان حتحوت
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه
حيا الله الأخ الطبيب الأديب الداعية الموفق الدكتور حسَّان حتحوت حفظه الله، ونفع به.
(وبعد)
فكم نحبُّ للمسلمين أن يتفقوا في يوم صومهم ويوم فطرهم، ويوم حجهم الأكبر، ولكن جرت سنة الله أن يختلف الناس، ولا سيَّما في هذه القضية، الَّتي تتعلق بإثبات الأهِلَّة، وتحديد أوائل الشهور العربية.
ومن المعلوم أنَّ أسباب الاختلاف الكثير في هذه القضية ترجع إلى أمرين أساسيين:
1 ـ أولها: في طريقة الإثبات للشهر: هل يثبت الشهر بشاهد واحد، أو بشاهدين رَأَيَا الهلال؟ كما هو رأي الشافعية والحنابلة.
أو لا بدَّ من جمٍّ غفير، كما يراه الحنفيَّة ومن وافقهم في حالة صحو السماء؟
وهنا: هل يمكن أن يكون للحساب الفلكي مدخل في الإثبات أو لا؟
المذاهب الثلاثة (الشافعي والمالكي والحنفي) فيها أقوال معتبرة بإمكان الأخذ بالحساب الفلكي، ولا سيَّما للعارفين به، الواثقين بقطعيته.
والمذهب الحنبلي يرفض ذلك تمامًا.
2 ـ والأمر الآخر: إذا ثبت الهلال أو الشهر في بلاد هل يلزم البلاد الأخرى أو أنَّ لكلِّ بلدٍ رؤيته الخاصة؟ وبعبارة أخرى: هل يُعتبر اختلاف المطالع أو لا يعتبر؟
الخلاف ثابت في هذه المسألة منذ عهد الصحابة @ .
والذي أفتيت به منذ سنين ـ وسجَّلته في كتبي، وأجبت به الإخوة في مؤسسة (إسنا) في أمريكا ـ أن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي وجوبًا في النفي لا في الإثبات، على معنى أن يثبت الشهر برؤية الهلال، كما جاء في الحديث، ولكن بشرط ألَّا ينفي الحساب إمكانية الرؤية. فإنَّ نفيه القاطع لإمكان الرؤية يشكِّك في صدق الشهادة، بل يقطع بكذبها أو بخطأ الشاهد وتوهمه، وكما قال الإمام تقي الدين السبكي: إنَّ الحساب قطعي، والشهادة ظنية، والظني لا يقاوم القطعي، فضلًا عن أن يقدَّم عليه(1).
كما أنبِّه هنا على أمر آخر، وهو: أنَّنا إذا لم نصل إلى وحدة المسلمين في العالم حول هذه الشعائر، فلنحرص على وحدة المسلمين في كل بلد؛ بحيث يتبعون سلطتهم الشرعيَّة الَّتي ارتضوها مثل (إسنا) في أمريكا، فلا ينبغي أن يصوم بعض، ويفطر بعض في بلد واحد، ولا أن يعيِّد قوم والآخرون صائمون.
وهذا ينطبق على عيد الفطر، وينطبق على عيد الأضحى كليهما، فقد يكون يوم عرفة في السعودية هو اليوم الثامن أو السابع في بعض البلاد الإسلاميَّة الأخرى، وهذا حاصل بالفعل، فكيف يُعيِّد يوم التاسع أو الثامن؟ أم يُعيِّد مع السعودية، ثم يعود إلى تقويمه المتبع لديه؟
إنَّ يوم عرفة إنَّما هو للحجاج ولو كان هو اليوم الثامن أو اليوم العاشر في بلدهم، وقد نصَّ الفقهاء على أنَّ الخطأ في يوم عرفة مغتفر، ولو وقف الحجيج يوم الثامن خطأً، فإنَّ حجَّهم صحيح ومقبول. ولكن لا يجب على جميع المسلمين أن يتبعوهم في هذا الخطأ، بل كلٌّ يتبع بلده الَّذي يعيش فيه، وسلطته الشرعيَّة.
وبهذا يكون الراجح هو رأي من اتبعوا توقيت بلدهم في أمريكا، وبالله التوفيق.
(1) فتاوى السبكي (1/209)، نشر دار المعارف.