2026-06-13
1,041
تعظيم العشر الأوائل من ذي الحجة
ثبت عنِ النبيِّ ﷺ في الحديث الصحيح أنَّه قال: «ما من أيامٍ العملُ الصالح أحبُّ إلى الله ﷻ فيها من هذه الأيام» يعني العشرة الأولى من ذي الحجة. قيل له: يا رسولَ الله، ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلَّا رجل خرج بنفسه وماله؛ فلم يرجع من ذلك بشيء».
ما الحكمة من تعظيم هذه الأيام وتخصيص النبي ﷺ أنَّ العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله عز وجلمن سائر الأعمال، في سائر الأيام حتَّى الجهاد؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الأيام، الأيام العشرة من ذي الحجة هي من أفضل الأيام عند الله تبارك وتعالى؛ كما روى عنه ابن عبَّاس هذا الحديث الَّذي ذكره السائل: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبّ إلى الله تعالى من هذه الأيام»(1). يعني: الأيام العشرة. لماذا فضَّلها الله تبارك وتعالى؟
أولًا: التفضيل والتخصيص والاجتباء شأن إلٰهي، فمن شأنه 4 أن يفضِّل بعض الأيام على بعض، وبعض الشهور على بعض، وبعض الساعات في الليل والنهار على بعض، كما يفضِّل بعض الأماكن على بعض.
لماذا فضَّل الله المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى على سائر المساجد في العالم؛ فلا تشد الرحال إلَّا إلى هذه المساجد الثلاثة(2)، وجعل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد، وجعل الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة(3)؟
لماذا فضَّل مكة والمدينة على سائر البقاع؟! هذا تفضيل الأماكن.
وهناك تفضيل الأشخاص لماذا فضَّل النبيِّين على سائر البشر، وفضَّل النبيين بعضهم على بعض:﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ﴾[البقرة: 253].
الله من شأنه أن يفضِّل ويختار ويختص كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ﴾[القصص: 68]، فهو يختار من الأشخاص، ويختار من الأماكن، ويختار من الأيام ما شاء 8 ، لأسرار يعلمها هو 4 .
أحيانًا يبيِّن لنا سرَّ هذا الاختيار، لماذا فضَّل شهر رمضان على غيره؟ قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾[البقرة: 185]، لماذا فضَّل على قال: لماذا فضَّل ليلة القدر على غيرها؟ قال لأنَّه أنزل فيها القرآن، وقال:﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾[القدر: 1].
ثانيًا: هذه الأيام العشرة من شهر ذي الحجة، وهو شهر فضَّله الله تعالى لأمرين:
1 ـ لأنَّ شهر ذي الحجة من الأشهر الحُرُم، والأشهر الحُرُم مفضَّلة عند الله 4 على سائر الأشهر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ﴾[التوبة: 36]، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾[التوبة: 36]، وظلم النفس محرَّم في سائر الشهور؛ ولكن في هذه الأشهر أشد حرمة، فالعشرة الأيام الأولى من شهر ذي الحجة مفضَّلة؛ لأنَّها من الشهر الحرام شهر ذي الحجة.
2 ـ ولأنَّ شهر ذي الحجة بالذات اجتمع فيه أمران؛ الأول: أنَّه من الأشهر الحرم المعظمة عند الله، والثاني: أنَّه من أشهر الحج، يقول الله 4 : ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَٰتٌۭ﴾[البقرة: 197]، هي شوال وذو القعدة وذو الحجة. شوال من أشهر الحج وليس من الأشهر الحُرُم، ولكن ذو الحجة اجتمع فيه الأمران هو وذو القعدة، فهما من الأشهر الحُرُم وأشهر الحج.
وأيضًا هذه الأيام يقع فيها كثير من أعمال الحج: يوم التروية في الثامن من ذي الحجة، ويوم عرفة في التاسع من ذي الحجة، واليوم العاشر يوم العيد يوم النحر.
ويوم عرفة هو أفضل أيام السَّنَة على الإطلاق، كما أنَّ ليلة القدر هي أفضل ليالي السَّنَة على الإطلاق. وكما أنَّ ليالي العشرة من رمضان أفضل الليالي، فأيام العشرة من ذي الحجة فيها أفضل الأيام.
فهذه بعض فضائل هذه الأيام العظيمة، الَّتي صحَّ في الأحاديث عن رسول الله ﷺ التنويه بها، والحثُّ على طاعة الله فيها؛ فيستحبُّ فيها الصيام والصدقة، والذكر والدعاء، والتسبيح والتهليل والتكبير.
(1) رواه البخاري في العيدين (969)، عن ابن عبَّاس.
(2) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1189)، ومسلم في الحج (1397)، عن أبي هريرة.
(3) رواه البزار (4142)، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (1836)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/67)، عن أبي الدرداء.