2026-06-13
33
أثر الحلف وقت الانفعال
اختلفت مرَّة مع زوجي، ووصل الشجار إلى أَوْجِه، وطلبتُ منه الطلاق؛ لأنَّه ليس له شخصية، وقد كان سبب المشكلة أن اتصل هاتفيًّا بوالدي وقال له: سأطلق ابنتك. فقال له أبي: لماذا؟ فقال زوجي: لأنَّ أبي يريد أن أطلقها، فهو يتضايق منها. فأقنعه والدي بأن هذا خطأ، وعندما عرفتُ بالقصة، اختلفنا وطلبتُ الطلاق منه، ووضعتُ يدي على المصحف وحلفتُ له ـ نتيجة لقهري ـ بأنَّني لا أريد منه شيئًا إطلاقًا، لا مؤخر صداق، ولا حتَّى الذهب، مع العلم أنَّ الذهب كله بعته، وأنفقت ثمنه في البيت، والباقي أخذته إلى حيث يعلم الله، والذهب كله ليس منه، بل من والدي، فما رأيك هل أستطيع أن أطالبه بالذهب أو لا لأنَّني حلفتُ في وقت انفعال؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من الخطأ أن يحلف الإنسان على كل شيء، وفي كل أمر، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ﴾ [البقرة: 224]. وإنَّما يكون الحلف عند الضرورة الَّتي تُلجئ الإنسان إلى أن يحلف، لا أن يحلف في كل موقف، ثمَّ بعد ذلك يسأل: ماذا أفعل؟!
الإنسان بالحلف يلزم نفسه ويضيِّق عليها فيما وسع الله عليه.
على كلِّ حال إذا كان حلفك في حالة غضب وانفعال وتوتر، فهذا من لغو اليمين المعفوِّ عنه، فقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّ من لغو اليمين حالة الغضب الشديد، حالة الإغلاق، كما جاء في الحديث أنَّه «لا طلاق في إغلاق»(1). أيضًا لا يمين في إغلاق، الله تعالى يقول: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225]. الشيء الَّذي عزم عليه الإنسان ونوى فعله، كما قال النبي ﷺ : «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى»(2). فإذا لم يكن لها نية، وإنَّما دُفعت إلى ذلك بسبب الغضب والقهر، فلا يلزمها هذا الَّذي حلفت عليه.
ولكن السائلة لم تقل: هل حدث الطلاق أم لا؟ هي طلبت منه الطلاق، فهل حدث هذا الطلاق وأخذ منها هذه الأشياء؟ قد يقول لها: هذا من حقي، وأنتِ لم تكوني غاضبة، المهم إذا لم يكن حدث الطلاق فالأمر كما أخبرتها، ذهبها من حقها، ويمينها يمين لغو، وإذا كان قد حدث الطلاق فيمكن التفاهم مع الزوج، وأقول له: في حالة الطلاق لا يحلُّ للزوج أن يأخذ هذه الأشياء. إلَّا إذا اختلعت منه زوجته، قالت له: طلقني وخذ كذا وكذا. وطلقها على هذا، فيكون طلاقها على هذا الشرط، وأصبح هذا الطلاق طلاقًا بائنًا، فلا يجوز لها أن تتراجع في هذا الأمر، إذا ترتب عليه الطلاق، وقبل الزوج أن يطلقها بناءً على هذا التنازل منها، لأنَّه طلاق على مال، أو خلع في بعض المذاهب، ولا يجوز لها أن ترجع عن هذا، أمَّا إذا لم يكن حدث طلاق، فالأمر سهل.
(1) رواه أحمد (26360)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود (2193)، وابن ماجه (2046)، والحاكم (2/198)، ثلاثتهم في الطلاق، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (1665)، عن عائشة.
قلت: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصحَّحه على شرط مسلم. وقد أخرجه الحاكم من طريقين عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم. ورده الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه: محمد بن عبيد بن أبي صالح لم يحتجَّ به مسلم، وضعفه أبو حاتم: ومن الأخرى نُعَيْم بن حمَّاد، صاحب مناكير.
قلت: أمَّا محمد بن عبيد فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما في التهذيب، فليس مجمعًا على تضعيفه، وبخاصة أن أبا حاتم لم يبين سبب ضعفه. وأمَّا نعيم بن حماد الخزاعي فقد أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو من الرجال الذين انتُقِدوا على البخاري. وقال الحافظ في مقدمة الفتح عنه: «مشهور من الحفاظ الكبار، لقيه البخاري، ولكنَّه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلق له أشياء أخر. وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا، وأصحاب السنن إلَّا النَّسائي. وكان أحمد يوثقه، وقال ابن معين: كان من أهل الصدق، إلَّا أنَّه يتوهم الشيء فيخطئ فيه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي: ضعيف ونسبه أبو بشر الدولابي إلى الوضع. وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه؛ لأنَّه كان شديدًا على أهل الرأي، وهذا هو الصواب، والله أعلم» انتهى من مقدمة فتح الباري (1/447). وأخرجه البيهقي في السنن (7/357) من طريق ثالثة عن عائشة، على خلاف ما ذكر ابن حجر في التلخيص.
وبهذا يظهر أنَّ الحديث بطرقه لا ينزل عن درجة الصحة التي ادعاها الحاكم، وأقره عليها ابن القيم وغيره، فإن نزل عنها فليس إلى أقل من درجة الحسن المحتج به، وقد سكت عليه أبو داود، واحتج به البيهقي لمذهب الشافعي: أن طلاق المكره لا يقع على أساس تفسير الإغلاق بالإكراه وهو لا ينافي تفسيره بالغضب. ورواية أبي داود: «في إغلاق». قال: أظنه الغضب.
(2) سبق تخريجه صـ 26.