2026-06-13
11
اليمين المنعقدة
أنا رجل وقع شجار بيني وبين امرأة من جيراني، وأقسمت على المرأة بالله عز وجلألَّا تدخل بيتي، وقلت لأهلي: لا تكلِّموها. وفي يوم من الأيام دخلت المرأة بيتي وانكبت على رأسي وسلَّمت عَلَيَّ؛ فما الحكم في القسم الَّذي أقسمته عليها؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه اليمين تسمى اليمين المنعقدة. فالأيمان في الشريعة ثلاثة أنواع:
يمين هي اليمين الغموس: وتلك هي الَّتي يحلف المرء بها كاذبًا عارفًا كذب نفسه، فسمِّيت اليمين الغموس؛ لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم في الدنيا، وفي النار في الآخرة. كما تسمَّى اليمين الفاجرة وهي الَّتي تذر الديار بلاقع، أي: أنَّ الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق، وهي الَّتي جاء فيها الوعيد:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ﴾[آل عمران: 77].
ويمين ثانية تُسمَّى اليمين اللغو: وهي الَّتي جاء بها القرآن:﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾[البقرة: 225] . كأن يقول الإنسان لصاحبه: تفضل فيقول: «لا والله»، فيقول صاحب البيت: «لا بدَّ أن تتفضَّل»، ويدخل بعد أن قال: «لا والله»، فهذه تسمَّى «اليمين اللغو»؛ لأنَّه لا يقصد فيها الحلف تمامًا.
وكذلك إذا حلف على شيء يظنه كذلك؛ فبان بخلاف قوله، كمن قال: «والله العظيم، إن هذا الشيء الَّذي أراه من بعيد هو كذا»، فيتبيَّن أنَّه بخلافه، ويتبيَّن خطؤه، هذه أيضًا لغو لا يؤاخذ الله عليها.
واليمين الثالثة كالحالة الَّتي معنا: هي اليمين المنعقدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ﴾[المائدة: 89]، وهي الحلف على شيء في المستقبل، ألَّا يفعل كذا، أو أن يفعل كذا.. حلف ألَّا يدخِّن مثلًا، أو ألَّا يدخل دار فلان، أو ألَّا يفعل الشيء الفلاني، أو أن يترك الشيء الفلاني، فهذه يمين منعقدة، ويجب أن يحافظ على يمينه فيها، وخاصَّة إذا كانت أمرًا خيرًا، حلف ألَّا يدخِّن، فيجب أن يستقيم على هذا الحلف ويجب ألَّا يدخِّن.
أمَّا إذا حلف على ما فيه شر كأن حلف ألَّا يصل رحمه، أو حلف ألَّا يتصدق على مسكين، أو حلف ألَّا يصلِّي جماعة، فيجب أن يحنث في يمينه، وأن يكفر عن هذه اليمين.
فالرجل الَّذي حلف ألَّا يكلِّم هذه المرأة، ثمَّ دخلت المرأة وصالحته، وقبَّلت رأسه، وكلمها فعلًا، هذه اليمين في هذه الحالة يكون قد حنث بها، وعند الحنث تلزمه الكفارة، لا شيء يلزمه غير الكفارة.. فقد قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓاْ أَيْمَٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89].
فعلى الأخ السائل أن يطعم عشرة مساكين، يطعمهم وجبتين مشبعتين، أو ما قيمة ذلك، والله تعالى يتقبَّل منه إن شاء الله، ويغفر له.