برُّ الوالدين لا ينقطع بموتهما

❓ برُّ الوالدين لا ينقطع بموتهما

📅 2026-06-15 👁 33 مشاهدة

نص السؤال:

الحمد لله وله الفضل والمنة، كنتُ بارة بأمي طوال حياتها، خاصَّة في أيامها الأخيرة، أيام مرضها، فكنت من يسهر على راحتها وتطبيبها، حتَّى توفيت رحمها الله، وأسأل هل بقي عليَّ شيء من البرِّ بأمي أفعله لها بعد موتها؟ وهل يجوز لي أن أعمل بعض الطاعات وأهب ثوابها لها؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جزاك الله خيرًا على برِّك بوالدتك، والوالدان لهما في الإسلام مكانة كبيرة، فالله تعالى أوصى بالوالدين بعد أن أوصى بتوحيده وعبادته وعدم الإشراك به، فقال: ﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا﴾ [النساء: 36]، وقال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا﴾ [الإسراء: 23]. وخصَّ الأم فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]. ولذلك العلماء يقولون: الأم لها ثلاثة أرباع البر، والربع الباقي للأب؛ لأنَّ النبي لمَّا سأله بعض الناس: من أحقُّ النَّاس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثمَّ من؟ قال: «ثم أمك». قال: ثمَّ من؟ قال: «ثم أمك». قال: ثمَّ من؟ قال: «ثم أبوك»(1). بل أمرنا الله في شأن الوالدين المشركَيْن اللذين يجاهدان أولادهما على الشرك، بمصاحبتهما بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا﴾ [لقمان: 15].
صور بر الوالدين بعد موتهما:
وبر الوالدين لا ينقطع بالموت، لهما في حياتهما حق البر والإحسان، ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾، ويظل هذا الحق بعد الوفاة، جاء رجلٌ من بني سَلِمة رسولَ الله ، فقال: يا رسول الله، هل بقي من برِّ أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدِهما من بعدِهما، وصلةُ الرحم الَّتي لا تُوصل إلَّا بهما، وإكرام صديقهما»(2).
أول هذه الأشياء: الصلاة عليهما، أن تصلِّي عليهما صلاة الجنازة بعد موتهما.
وثانيها: الاستغفار لهما، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]. وكما حكى القرآن من دعاء إبراهيم: ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 41]. ودعاء نوح: ﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًۭا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًۢا﴾ [نوح: 28]. وقد قال النبي  : «إذا مات الإنسان انقطع عملُه إلَّا من ثلاث: صدقةٍ جارية، وعلمٍ يُنتفَع به، وولدٍ صالحٍ يدعو له»(3).
ومنها: إنفاذ عهدهما، إذا وصَّاك أبوك بوصية أو أوصتك أمك بوصية ليس فيها معصية لله، فلا بدَّ أن تنفذها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحق الله مقدم على حق الوالدين، فلو أمر الأب ابنته ـ مثلًا ـ أن تلطم الخدود، أو أن تشق الجيوب بعد موته، فلا تطعه في ذلك.
ومنها: إكرام صديقهما، يكرم أصدقاء الوالد أو الوالدة، ويحسن إليه، فعن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أنَّ رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه. وأعطاه عِمامة كانت على رأسه. قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله، إنَّهم الأعراب، وإنَّهم يرضون باليسير. فقال عبد الله: إنَّ أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن الخطاب، وإنِّي سمعت رسول الله يقول: «إنَّ أبرَّ البِرِّ صلةُ الولد أهلَ وُدِّ أبيه»(4). يعني يود من كان يودهم أبوه في حياته، ويود من كانت أمه توده.
ومنها: صلة الرحم الَّتي لا تُوصل إلَّا بهما، صلة أرحام الأب، وصلة أرحام الأم، أرحام الوالد، مثل الأعمام والعمَّات والجد والجدة، وأولاد الأعمام، وأولاد العمات، كل من يمت إلى الوالد بصلة تصله. وكذا أهل الوالدة: خالك وخالتك، وأولاد أخوالك، وأولاد خالاتك.. إلخ.
وهناك أشياء أخرى يبر بها الإنسان والديه بعد موتهما: منها الصدقة عنهما، تتصدَّق وتهب ثواب صدقتك لأبيك وأمك.
ومنها تدارك ما يمكن تداركه من أخطائه ومظالمه. مثلًا: أب باع لبناته ملكه حتَّى لا يرثه أخوه. فلا تنفذ البنات ذلك بعد موت الأب، وتعطين عمهن نصيبه من ميراث أخيه.
ومنها أنَّ سداد دينه، سواء أكان دينًا للعباد، أو دينًا لله، فإن كان على الوالدين صيام يصوم عنه وليه، كما جاء في الحديث الصحيح: «من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه»(5). من مات ولم يحج، وكان قادرًا على الحج: يحج عنه وليه، وهذا من رحمة الله، فالحج هذا عبادة ذاتية، ولكن فضلًا من الله ورحمة إذا مات الإنسان ولم يحج يجوز لأولاده أن يحجوا عنه. قال رجل: يا رسول الله، إنَّ أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيتَ لو كان على أبيكَ دَيْن، أكنتَ قاضيَه؟». قال: نعم. قال: «فدينُ الله أحقُّ»(6).
أعمال اتَّفق العلماء على وصول ثوابها للميت:
والعلماء اختلفوا في هبة ثواب قراءة القرآن للميت، لكن هناك أمورًا اتفقوا على أنَّ ثوابها يصل إلى الميت بلا خلاف:
الأمر الأول: الدعاء والاستغفار للميت، فأنصح السائلة الكريمة أن تقول دائمًا: ربِّ اغفر لي ولوالدي. وكما قال صاحب «الجوهرة»(7):
وعندنا أنَّ الدعاءَ ينفعُ
كما من القرآن وَعْدًا يُسمَعُ
فالله أمرنا في وصايا سورة الإسراء أن نقول: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًۭا[الإسراء: 24]. والأنبياء طلبوا المغفرة لهم ولوالديهم، كما قال سيِّدنا نوح: ﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًۭا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ[نوح: 28]. وكما قال سيِّدنا إبراهيم:﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ[إبراهيم: 41]. فالإنسان يستغفر الله لنفسه ولوالديه.
الأمر الثاني: الصدقة عن الميت، فتصدَّقي عن والديك بما تطيب به نفسك، وبما تستطيعينه، فالصدقة عنهما مقبولة، إن شاء الله، عن عائشة # : أنَّ رجلًا قال للنبيِّ : إنَّ أُمِّي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدَّق عنها؟ قال: «نعم تصدَّق عنها»(8).
وعن ابن عبَّاس ^ ، أنَّ سعد بن عبادة 3 توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إنَّ أُمِّي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدَّقت به عنها؟ قال: «نعم». قال: فإنِّي أشهدك أنَّ حائطي «المخراف» صدقة عليها(9).
الأمر الثالث: الحج، كما جاء عن ابن عبَّاس ^ ، أنَّ امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي ، فقالت: إنَّ أُمِّي نذرت أن تحج فلم تحج حتَّى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: «نعم حجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك دَين أكنتِ قاضيتَه؟ اقضوا اللهَ؛ فالله أحقُّ بالوفاء»(10).
الأمر الرابع: الصوم، كما رُوي عن ابن عبَّاس ^ قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ، فقالت: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أُمِّكِ دين فقضيتِيه(11)، أكان يؤدي ذلك عنها؟». قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمِّكِ»(12).
← العودة لقسم 2- البر والصلة