2026-06-16
29
فتنة النساء وصوت المرأة
بعض النَّاس يسيئون الظنَّ بالمرأة، ويعتبرونها مصدر كل بلاء وفتنة، ويقولون إذا حدثت حادثة، أو نزلت كارثة: فتِّش عن المرأة! بل يقولون: إنَّها هي سبب كل ما عانته وتعانيه البشرية من عهد أبي البشر آدم إلى اليوم؛ لأنَّها الَّتي حرَّضته على الأكل من الشجرة، حتَّى أُخرج من الجنة، وجرى عليه وعلينا ما كان من معاناة وشقاء!
للأسف إنَّهم يستدلون على بعض ما يدَّعون ببعض النصوص الدينيَّة، الَّتي ربَّما لم تكن صحيحة وربَّما ـ حتَّى لو صحت ـ فهموها على غير وجهها، مثل ما ورد في بعض الأحاديث من التحذير من فتنة النساء، وقوله ! : «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النِّساء».
فما المراد بهذا الحديث وأمثاله ممَّا يذكره بعض الوعَّاظ والخطباء أحيانًا، فيستغله قوم في الإساءة إلى المرأة، ويستغله آخرون في الإساءة إلى الإسلام، الَّذِي يتهمونه زورًا بأنَّه قسا على المرأة وربَّما جار عليها؟!
وقالوا: إنَّ صوتها ـ كوجهها ـ عورة، وصلاحها أن تظل حبيسة الدار إلى الموت!
مع أنَّنا نعتقد أنَّه لا يوجد دين كالإسلام أنصف المرأة ورعاها، وكرَّمها وأعطاها حقوقها، ولكنَّا لا نملك من البيان والأدلة ما ملَّككم الله، فالمأمول منكم أن توضِّحوا لهؤلاء الَّذين يجهلون الإسلام أو يتجاهلونه معنى هذه الأحاديث والمقصود بها.
زادكم الله سدادًا وتوفيقًا، وعمَّم النفع بكم آمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا توجد قضية التبس فيها الحقُّ بالباطل، واختلط فيها الصواب بالخطأ ووقع فيها الغلوُّ والتقصير، مثل قضية المرأة في مجتمعاتنا الإسلاميَّة.
فالحق أنَّه لا توجد ديانة سماوية أو أرضية، ولا فلسفة مثالية أو واقعية، كرَّمت المرأة وأنصفتها وحمتها، مثل الإسلام.
فقد كرَّم الإسلام المرأة وأنصفها وحماها إنسانًا.
وكرم الإسلام المرأة وأنصفها وحماها أنثى.
وكرم الإسلام المرأة وأنصفها وحماها بنتًا.
وكرم الإسلام المرأة وأنصفها وحماها زوجة.
وكرم الإسلام المرأة وأنصفها وحماها أمًّا.
وكرم الإسلام المرأة وأنصفها وحماها عضوًا في المجتمع.
كرَّم الإسلام المرأة إنسانًا؛ حين اعتبرها مكلفة مسؤولة كاملة المسؤولية والأهليَّة كالرجل، مَجْزِيَّة بالثواب والعقاب مثله، حتَّى إنَّ أول تكليف إلٰهي صدر للإنسان كان للرجل والمرأة جميعًا، حيث قال الله للإنسان الأول ـ آدم وزوجه ـ : ﴿ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 35].
وممَّا يذكر هنا أنَّ الإسلام ليس في شيء من نصوصه الثابتة، في القرآن الكريم أو السُّنَّة الصحيحة: نصٌّ يُحَمِّل المرأة تبعة إخراج آدم من الجنة، وشقاء ذريته من بعده، كما جاء ذلك في «أسفار العهد القديم»؛ بل القرآن يؤكد أنَّ آدم هو المسؤول الأول:﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا﴾[طه: 115]، ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾[طه: 121، 122].
ولكنَّ بعض المسلمين، للأسف الشديد، ظلموا المرأة ظلمًا كبيرًا، وجاروا على حقوقها، وحرموها ممَّا قرره الشرع لها، باعتبارها إنسانًا، أو أنثى، أو ابنة، أو زوجة، أو أمًّا.
والعجيب أنَّ كثيرًا ممَّا وقع عليها من ظلمٍ وافتياتٍ وقع باسم الدِّين، وهو منه براء.
لقد نسبوا إلى النبيِّ ﷺ أنَّه قال في شأن النساء «شاوروهنَّ وخالفوهنَّ»(1)، وهو حديث موضوع لا قيمة له ولا وزن من الناحية العلمية.
هذا مع أنَّ النبيَّ ﷺ شاور زوجته أم سلمة في أمرٍ من أهم أمور المسلمين، وأشارت عليه، فأخذ برأيها راضيًا مختارًا، وكان فيه الخير والبركة(2).
ونسبوا إلى عليِّ بن أبي طالب 3 قوله: المرأة شرٌّ كلُّها، وشرُّ ما فيها أنَّه لا بدَّ منها(3). وهو قولٌ غير مقبول قط، لا من منطق الإسلام، ولا من نصوصه.
كيف والقرآن الكريم يقرن المسلمات بالمسلمين، والمؤمنات بالمؤمنين، والقانتات بالقانتين، إلى آخر ما هو معلوم من كتاب الله تعالى؟!
وقالوا فيما قالوا: إنَّ صوت المرأة عورة، فلا يجوز لها أن تتكلَّم مع الرجل، غير زوج ولا محرم؛ لأنَّ صوتها بطبيعته الناعمة يغري بالفتنة، ويوقظ في القلب الشهوة.
وسألناهم عن الدليل، فلم نجد لهم دليلًا يُعَوَّل عليه، ويستند إليه.
ترى هل جهل هؤلاء أنَّ القرآن أجاز سؤال أزواج النبي ﷺ من وراء حجاب، رغم التغليظ في أمرهن، حتَّى حرَّم عليهن ما لم يحرِّم على غيرهن؟ ومع هذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَٰعًۭا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍۢ﴾[الأحزاب: 53]. والسؤال يقتضي جوابًا، وهو ما كانت تفعله أمهات المؤمنين، حيث كُنَّ يفتين من استفتاهن، ويروين الأحاديث لمن يريد أن يتحمَّلها عنهن.
وقد كانت المرأة تسأل النبي ﷺ في حضرة الرجال؛ ولم تجد في ذلك حرجًا، ولا منعها النبي ﷺ .
وقد ردَّت المرأة على عمر رأيَه، وهو يخطب على المنبر، فلم ينكر عليها، بل اعترف بصوابها وخطئه، وقال: كلُّ النَّاس أفقه من عمر(4).
وقد رأينا الفتاة ابنة الشيخ الكبير المذكورة في سورة القصص تقول لموسى:﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾[القصص: 25].
كما تحدثت إليه هي وأختها من قبل حين سألهما:﴿مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌۭ كَبِيرٌۭ﴾[القصص: 23].
كما حكى لنا القرآن ما جرى من حديث بين سليمان 0 : وملكة سبأ، ومثل ذلك بينها وبين قومها من الرجال.
وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ما ينسخه من شرعنا، كما هو المذهب المختار.
كل ما يُمنع هنا هو التكسُّر والتميُّع في الكلام، الَّذِي يُراد به إثارة الرجل وإغراؤه، وهو ما عبر عنه القرآن باسم «الخضوع بالقول» وذلك في قوله تعالى:﴿يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ۚ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾[الأحزاب: 32].
فالمنهي عنه هنا هو هذا «الخضوع» الَّذِي يطمع الَّذين أمرضت قلوبهم الشهوات، وهذا ليس منعًا للكلام كله مع الرجال كلهم، بدليل قوله تعالى تتمةً للآية:﴿وَقُلْنَ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا﴾[الأحزاب: 32].
ومن الأحاديث الَّتي أساؤوا فهمها: ما رواه البخاري عنه ﷺ أنَّه قال: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء»(5).
فقد توهَّموا وأوهموا أنَّ الفتنة هنا تعني أنَّهنَّ شرٌّ ونقمة، أو مصيبة يُبتلى بها الإنسان، كما يبتلى بالفقر والمرض، والجوع والخوف! وغفلوا عن شيءٍ مهمٍّ، وهو: أنَّ الإنسان إنَّما يفتن بالنعم أكثر ممَّا يفتن بالمصائب. وقد قال تعالى:﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ﴾[الأنبياء: 35].
وليس أدل على ذلك من اعتبار القرآن الأموال والأولاد، وهما من أعظم نعم الحياة الدنيا وزينتها، فتنة يحذر منها، كما قال تعالى في كتابه العزيز:﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ﴾[التغابن: 15]، ﴿وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾[الأنفال: 28].
وفتنتها أنَّها قد تلهي الإنسان عن واجبه نحو ربه، وتشغله عن مصيره، وفي هذا يقول الله:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ﴾[المنافقون: 9].
وكما يخاف على النَّاس أن يفتنوا بالأموال والأولاد، يخاف عليهم أن يفتنوا بالنساء:
يفتنوا بهنَّ زوجات، يثبطنهم عن البذل والجهاد، ويغرينهم بالاشتغال بالمصالح الخاصة عن الواجبات العامَّة، وفي هذا جاء التحذير القرآني:﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَٰدِكُمْ عَدُوًّۭا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ﴾[التغابن: 14].
ويفتنوا بهنَّ إذا أصبحن أدوات للإثارة، وتحريك الشهوات، وتأجيج نيران الغرائز في صدور الرجال، وهذا هو الخطر الأكبر، الَّذِي يخشى من ورائه تدمير الأخلاق، وتلويث الأعراض، وتفكيك الأسر والجماعات.
والتحذير من النساء هنا كالتحذير من نعمة المال والرخاء وبسطة العيش وهو ما جاء في الحديث الصحيح: «واللهِ لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم»(6).
فلا يعني هذا الحديث أنَّ الرسول يعمل على نشر الفقر، وهو الَّذِي استعاذ بالله منه، وقرنه بالكفر، ولا أنَّه يكره لأمته السعة والرخاء والغنى بالمال، وهو الَّذِي قال: «نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرءِ الصالحِ»(7). إنَّما هو يضيء الإشارات الحمراء للفرد المسلم والمجتمع المسلم أمام المزالق والأخطار؛ حتَّى لا تَزِلَّ أقدامه ويسقط في الهاوية، من حيث لا يشعر ولا يريد!
(1) قال السخاوي في المقاصد الحسنة: لم أره مرفوعًا... وقد استشار النبي ﷺ ، أم سلمة كما في قصة صلح الحديبية، وصار دليلًا لجواز استشارة المرأة الفاضلة لفضل أم سلمة ووفور عقلها (585). وقال الألباني في الضعيفة (430): لا أصل له.
(2) أمر النبي ﷺ أصحابه بالنحر والحلق في الحديبية. قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». قال: فوالله ما قام منهم رجل. كانوا في حالة من الغم والاكتئاب والحزن؛ بسبب ما شعروا أن في الصلح هضم للمسلمين وإجحاف بهم. قال: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. رواه البخاري في الشروط (2731)، وأحمد (18928).
(3) سبق تخريجه صـ 6، ومن المعروف لدى النقاد والمحققين أن نسبة بعض ما في نهج البلاغة إلى علي 3 غير صحيحة، ولهم على ذلك دلائل وبراهين. ولا شك أن في النهج خطبًا وأقوالًا يلمس الناقد، بل القارئ الواعي: أنَّها لا تمثل عصر الإمام لا في أفكارها، ولا في أسلوبها.
(4) رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (5059)، والبيهقي في الصداق (7/233)، وقال: منقطع، ورواه من طريق آخر عن بكر بن عبد الله المزني عن عمر، وقال عقبه: مرسل جيد، وساقه ابن كثير في تفسيره (2/243 ـ 244) بإسناد أبي يعلى، عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عمر، وقال عقبه: إسناده جيد قويٌّ. وكذلك قال الزيلعي في تخريج الكشاف (1/296 ـ 297)، والسخاوي في المقاصد (814)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/521 ـ 522): رواه أبو يعلى في الكبير وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثق.
(5) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في النكاح (5096)، ومسلم في الرقاق (2740)، عن أسامة بن زيد.
(6) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الجزية (3158)، ومسلم في الزهد والرقائق (2961)، عن عمرو بن عوف الأنصاري.
(7) رواه أحمد (17763)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم. والحاكم في البيوع (2/2)، وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، عن عمرو بن العاص.