ظهور المرأة في البرامج التلفزيونية

❓ ظهور المرأة في البرامج التلفزيونية

📅 2026-06-16 👁 37 مشاهدة

نص السؤال:

هل يجوز استخدام المرأة غير المحجبة في قناتنا (قناة الرسالة) في أعمال معيَّنة، كمقدمة برنامج، أو كمضيفة في برنامج، أو كمشاركة من الجمهور، وكممثلة في فيلم أو مسلسل أو مسرحية (نظرًا لعدم توافر الموادِّ) مع التزامنا بضوابط الاحتشام، وعدم الابتذال وإثارة الغرائز.
ما هو رأيكم حول ظهور مرأة غير محجَّبة، ولكنَّها محتشمة (بمعنى لا تثير الغرائز، أو تخضع بالقول أو نحو ذلك) في برامج متخصِّصة، اجتماعيَّة أو طبيَّة أو علميَّة، وما في حكمها، حيث إنَّ وجودها أحيانًا قد يكون لبيان رأيٍ علميٍّ متخصِّص، أو نحو ذلك، كما في برامج المرأة والطفل مثلًا، وذلك نظرًا لعدم توافر البديل المناسب، مع التزامها بالاحتشام الكامل؟
د. طارق سويدان
مدير قناة الرسالة الفضائية
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نحن هنا نُقَرِّر أمرين مهمين:
الأول: إنَّه لا يمكن لقناة تليفزيونية أن تستغني عن المرأة تمامًا، إلَّا إذا استغنت عن نصف المجتمع، فالمرأة جزء من الحياة البشرية، كما قال تعالى:﴿بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ[آل عمران: 195].
ومنذ خلق الله آدم أبا البشر، خلق له من نفسه ـ أي من جنسه ـ زوجًا ليسكن إليها، وقال له: اسكن أنت وزوجك الجنة، وألزمهما معًا بأول تكليف إلٰهي:﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ[البقرة: 35].
وقد رأينا المرأة في قصص الأنبياء: بعد آدم ونوح، وإبراهيم ويوسف، وموسى وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
ولذا لا يتصور أن تخلو الحياة من المرأة؛ إلَّا استنكافًا واعتسافًا.
والأمر الثاني: أنَّنا إذا أردنا أن ندخل معترك الإعلام، ونُقِيم لنا إعلامًا ملتزمًا ينافس إعلام الآخرين؛ بل يتفوق عليهم، فلا بدَّ أن نتبنى في فقهنا الإسلامي أصلين أساسيين، أراهما ضروريين:
الأصل الأول: «التيسير»
لا بدَّ أن نتبنَّى التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، وبعض الإخوة ينكرون هذا ويقولون: نحن مع الدليل، سواء جاء باليسر أو بالعسر.
وأنا أقول لهم: إنَّ التيسير منهج نبوي، أمر به النبي الكريم أبا موسى ومعاذًا حين أرسلهما إلى اليمن(1)، وأمر به الأمة كلها فيما رواه أنس عنه: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا»(2)، فلا بدَّ أن يكون لهذا التيسير معنى. وقد قال لأصحابه، حين همُّوا بالصحابي الَّذِي بال في المسجد: «لا تزرموه (أي لا تقطعوا عليه بوله) وصُبُّوا عليه ذَنُوبًا من ماء؛ فإنَّما بعثتم مُيَسِّرين، ولم تبعثوا مُعَسِّرين»(3).
ومعنى هذا: أنَّه لو كان هناك قولان متكافئان أو متقاربان أحدهما أحوط، والآخر أيسر، فبماذا نفتي عموم الناس؟
أمَّا أنا فأفتيهم بالأيسر، وخصوصًا في عصرنا، الَّذِي رَقَّ فيه الدين، وقَلَّ فيه اليقين. ودليلي على هذا أنَّ النبيَّ ، ما خُيِّر بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما(4).
ولا شك أنَّ الفقهاء يتفاوتون في التشديد والتيسير، فمنهم من يتمسَّك بحرفية النص، ومنهم من ينظر إلى مقصوده، ومنهم من يتوسع في الأخذ بالرخص، ومنهم من يُضَيِّق، وقد عرف تراثنا شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس!
وأرى أنَّ الإعلام خاصَّة أحوج ما يكون إلى فقه التيسير، فإذا كان هناك من يُشَدِّد ويقول: الوجه عورة، فعلى الفقه الإعلامي أن يأخذ بقول من يقول: الوجه ليس بعورة.
وإذا كان هناك من يُحَرِّم التصوير، فلا بدَّ لنا من ترجيح القول بجواز التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني وغيرهما.
وإذا كان هناك من يُحَرِّم الغناء بآلة أو بغير آلة، وهناك من يجيزه بشروط فلا بدَّ لنا أن نرجِّح جوازه بشروط. وهكذا.
الأصل الثاني: «التدرُّج»
والتدرج سُنَّة كونيَّة، وسُنَّة شرعيَّة، ولا يمكن أن نُوجد إعلامًا إسلاميًّا يُحقِّق الأهداف، ويُشْبع طموحات المؤمنين، بغير أن نُعد له القوة، ونهيئ له الأسباب، ومنها الطاقات أو «الكوادر» البشرية الفنية المتخصِّصة والمدرَّبين، وهذا يحتاج إلى زمن طويل، وإلى أعداد كبيرة من البشر، وإلى أموال غزيرة تجنَّد لتهيئتهم؛ للقيام برسالتهم المتنوعة والمتعددة.
ونحن نعلم كيف تدرجت تعاليم الإسلام وأحكامه، في فرض الفرائض، وتحريم المحرمات، ولعلَّ تحريم الخمر على مراحل من أوضح ما يذكر هنا. فلماذا ننسى هذا في إقامة مجتمع إسلامي معاصر، قادر على منافسة المجتمعات المتقدمة، مع المحافظة على أصوله وقيمه، ومعتقداته وشرائعه؟!
بناءً على تقرير هذين الأصلين: التيسير والتدرج، لا أرى مانعًا من استخدام المرأة غير المحجبة في غير تقديم البرامج؛ لأنَّ مقدمة البرامج موظفة أساسية في القناة، أمَّا الأمور الأخرى فلا مانع منها، إذا لم تكن متبرجة ولا مبتذلة، ولكنَّها تلتزم بالحشمة المعقولة.
وهذا بحكم الضرورة، أو الحاجة الَّتي تنزل منزلة الضرورة، وللضرورات أحكامها، ولكن ما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها، وما ألحق بالضرورات من الحاجات ـ خاصَّة كانت أو عامَّة ـ يأخذ حكمها. وهذا من فضائل هذه الشريعة.
على أن تسعى القناة ما أمكنها للبحث عن المحجَّبات والملتزمات، كلَّما وجدت إلى ذلك سبيلًا، فهي تتعامل مع الواقع، مع السعي في إصلاح الحال. ومن سار على الدرب وصل، ولكلِّ مجتهد نصيب، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى.
وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 5- شؤون المرأة