2026-06-18
73
جواز نبش المقبرة القديمة لمصلحة
بعثت إدارة بلدية «دبي» بالإمارات العربية المتحدة هذه الرسالة إلينا: «وبعد، فإشارة إلى المكالمة الهاتفية الَّتي تمَّت بين فضيلتكم وبيني يوم أمس والَّتي تحدثنا فيها عن المشكلة الَّتي تعترضنا في دبي، فيما يختص بمشروع المجاري العامَّة، الَّذِي يجري العمل فيه حاليًّا في البلاد، وقد شرحت لفضيلتكم هذه المشكلة على ضوء تقرير المهندسين والفنيين، الَّذين يشرفون على تنفيذ المشروع، والذين أجمعت آراؤهم على ضرورة مرور الأنابيب من مقبرة دارسة قديمة، لم تستعمل منذ أكثر من عشر سنين؛ بالإضافة إلى أنَّ المنطقة الَّتي قد تمر منها الأنابيب لا توجد بها مقابر تقل أعمارها عن خمس وعشرين سنة، وبعكس ذلك فإنَّ مرور المجاري في مدخل المدينة تترتب عليه أضرار جسيمة تلحق الأذى بالمصالح العامَّة وتعرِّض حركة السير في المدينة إلى شللٍ كلِّيٍّ يعطل حركة العمل والتجارة بالمدينة، ويلحقها والبنايات المحاذية للحفريات بأخطار تهدِّدها بالأذى.
وحيث إنَّ حل هذه المشكلة يتوقف على ما يأمر به الدين الحنيف، فإنَّنا نرجو التكرُّم بالتدارس مع الإخوة الأفاضل علماء الدين في قطر الشقيقة، وإعلامنا عن رأي شريعتنا الإسلاميَّة السمحة في هذا الموضوع، للتمكن من السير على ضوئه في متابعة هذا المشروع.
أخوكم مدير بلدية دبي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فردًّا على كتابكم المؤرخ في 17 من ربيع الأول سنة 1390هـ. الموافق 22 مايو 1970م الخاص بموضوع المقبرة القديمة، الَّتي أجمعت تقارير الفنيين والمهندسين على ضرورة مدِّ أنابيب المجاري منها.
وقد اطَّلعت على تقرير الفنيين الخاص بالمشروع، وعرفت منه الأضرار الكثيرة الَّتي تترتب على مدِّ الأنابيب من المدخل الرئيسي للبلد، الَّذِي هو البديل الوحيد للمقبرة.
وبعد دراسة الموضوع من الناحية الشرعيَّة، حسبما جاء في كتب الشريعة، ومن الناحية الواقعية حسبما جاء بالتقرير، أستطيع أن أقرِّر التالي وبالله التوفيق.
إنَّ الأصل في نبش القبور، وإخراج الموتى منها، والانتفاع بالأرض عدم الجواز؛ حفاظًا على كرامة الميت وحرمته. وهذا ثابت بالإجماع. إلَّا إذا وجد سبب شرعي يقتضي ذلك.
والأسباب الشرعيَّة لذلك ترجع إلى أمور منها:
1 ـ مرور زمن طويل على المقبرة، بحيث يعرف منها: أنَّ الميت رمَّ وبلي، وصار ترابًا، ويعرف ذلك بالخبرة؛ فإنَّ البلاد والأرض تختلف طبيعتها.
2 ـ إذا كان الميت يتأذى بوجوده في هذا القبر، كما إذا صار موضع القبر رديئًا؛ لوجود مياه أو قذارة تَنِزُّ عليه أو نحو ذلك.
3 ـ إذا تعلَّق حقٌّ لآدميٍّ حيٍّ بالقبر أو بالميت نفسه. حتَّى إنَّ الفقهاء جوَّزوا شق بطن الميت من أجل مال قليل بلعه عمدًا أو خطأً، ومنهم من جوَّز نبش القبر من أجل درهم أو من أجل بيع أرض القبر بالشفعة ونحو ذلك(1).
وعند الحنفيَّة لا يجوز إخراج الميت بعد إهالة التراب عليه، إلَّا لحق آدمي، كما إذا سقط في القبر متاع، أو كفن بثوب مغصوب، أو دفن معه مال، قالوا: ولو كان المال درهمًا، وكذلك إذا اشترى أرضًا فدفن فيها ميته، ثمَّ قام الشريك أو الجار ببيعها؛ فتملكها بالشفعة، فهو مخيَّر بين إخراج المدفون منها، أو إبقائه فيها والتصرف في ظاهرها بالزرع أو البناء فوقها، قالوا لأنَّ حقَّه في باطنها وظاهرها؛ فإن شاء ترك حقَّه في باطنها، وإن شاء استوفاه(2).
فإذا جاز مثل هذا التصرف من أجل حق آدمي فرد، فأولى أن يجوز لحق المجموع ومصلحتهم، ودفع الضرر عنهم.
4 ـ أن تتعلق بالمقبرة مصلحة عامَّة ضرورية لجماعة المسلمين، لا يتم تحقيقها إلَّا بأخذ أرض المقبرة أو جزء منها، ونقل ما فيها من رفات.
وذلك أنَّ القواعد الشرعيَّة العامة: أنَّ المصلحة الكليَّة مقدَّمة على المصلحة الجزئية، وأنَّ الضرر الخاص يُتحمَّل لدفع الضرر العام. فإذا كان هذا يطبَّق على الحي؛ حتَّى إنَّ الشرع ليجيز نزع ملكية أرضه وداره وإخراجه من مسكنه؛ من أجل حفر نهر، أو إنشاء طريق، أو إقامة مسجد، أو توسيعه أو نحو ذلك. فأولى أن يطبق على الميت، الَّذِي لو كان حيًّا ما رضي أن نؤذي إخوانه من أجله.
وإذا عرفنا ذلك وجدنا أنَّ هناك سببين يجيزان شرعًا الانتفاع بالمقبرة المذكورة بالشروط الَّتي سنذكرها.
السبب الأول:
هو وجود مياه قذرة ترشح على المقبرة، من جور الصرف التابعة للبنايات المجاورة؛ ممَّا نشر عليها الأوساخ والروائح الكريهة.
وقد ذكر العلامة ابن قدامة الحنبلي في «المغني»: أنَّ الإمام أحمد سُئل عن الميت يخرج من قبره إلى غيره. فأجاب بجواز ذلك إذا كان هناك شيء يؤذيه. أي مثل الماء ونحوه. وقال: قد حُوّل طلحة، وحُوّلت عائشة.
وسُئل عن قوم دُفنوا في بساتين ومواضع رديئة، فلم ير بأسًا أن يحوَّلوا، وينقلوا إلى مكان آخر(3).
وقال الماوردي الشافعي في الأحكام السلطانية: إذا لحق القبر سيل أو نداوة. قال أبو عبد الله الزبيري: يجوز نقله، ومنعه غيره. قال النووي: قول الزبيري أصح، فقد ثبت في صحيح البخاري، عن جابر بن عبد الله ^ أنَّه دفن أباه يوم أحد مع رجل آخر في قبر، قال: ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستَّة أشهر، فإذا هو كيومَ وضعتُه هُنَيَّة غير أُذُنه.
وفي رواية للبخاري: أخرجتُه فجعلتُه في قبرٍ على حِدَة(4).
قال النووي: وذكر ابن قتيبة في المعارف وغيره: أنَّ طلحة بن عبيد الله ـ أحد العشرة ـ 3 دُفن، فرأته ابنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام، فشكا إليها النَّزَّ، فأمرت به، فاستخرج طريًّا، فدفن في داره بالبصرة(5).
والسبب الثاني:
هو مصلحة الجماعة في المدينة الَّتي تتعرَّض لأضرار كثيرة عدَّدها تقرير الفنيين في ثمانية، وقد جاءت الشريعة برفع الضرر، ودفعه ما أمكن، واحتمال أخف الضررين لدفع أكبرهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاها، وهذا من أصول الشريعة الَّتي لا خلاف عليها.
فإذا كان إبقاء المقبرة كما هي يضرُّ بمجموع المسلمين الأحياء، ترجَّحت مصلحة الأحياء، وجاز الانتفاع بالمقبرة، ونقل ما بقي فيها إلى مقبرة أخرى.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه: أنَّ معاوية في خلافته أراد أن يجري في المدينة المنورة العيون الَّتي سُمِّيت «عيون حمزة» ولم يكن فيها من قبل عين جارية، فاقتضى ذلك نقل الشهداء من قبورهم، فصاروا ينبشونهم وهم رطاب، لم ينتنوا حتَّى أصابت المسحاة رجل أحدهم، فانبعث دمًا(6).
ولا شكَّ أنَّ معاوية فعل ذلك في المدينة، وفيها كثير من الصحابة؛ ولم ينكر ذلك عليه أحد منهم، وهذا يُعدُّ إجماعًا.
وبناءً على ذلك نرى أنَّه لا مانع شرعًا من الانتفاع بالمقبرة المذكورة بشروط:
أولًا: أن يقتصر على الجزء الَّذِي لم يدفن فيه من خمس وعشرين سنة إلَّا إذا دعت الحاجة إلى استخدام الجزء الآخر، أو كانت مياه الصرف وصلت إلى كل أجزاء المقبرة، أو يخشى ذلك خشية مرجحة، فيحسن نقل كل رفاتها حينئذٍ.
ثانيًا: أن يحرص العاملون في الحفر على عدم كسر العظام، فقد روى أبو داود مرفوعًا: «كَسْرُ عظمِ الميِّت ككسرِ عظمِ الحيِّ»(7).
ثالثًا: أن تجمع العظام الَّتي يعثر عليها، وتنقل ـ بكل احترام ـ إلى مكان آخر تدفن فيه، بمعرفة أهل الرأي والدين.
هذا ما اتضح لنا في هذا الأمر. والله ولي التوفيق.
(1) انظر: المجموع للنووي (5/300) وما بعدها، نشر دار الفكر، والدر المختار ومعه حاشية ابن عابدين (2/238)، نشر دار الفكر، بيروت، ط 2، 1412هـ ـ 1992م.
(2) انظر: الدر المختار ومعه حاشية ابن عابدين (2/238).
(3) انظر: المغني لابن قدامة (2/381).
(4) رواه البخاري في الجنائز (1351، 1352).
(5) المجموع شرح المهذب (5/303).
(6) انظر: مجموع الفتاوى (21/61).
(7) رواه أحمد (24686)، وقال مُخَرِّجوه: رجاله ثقات. وأبو داود (3207)، وابن ماجه (1616)، كلاهما في الجنائز. وصحح إسناده النووي في المجموع (5/300)، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه (1310)، عن عائشة.