2026-06-18
137
إلى إخوتي في الجزائر توضيح وتذكرة
أرفض العنف الدموي، وأدينه وأنكره وأقاومه، ولا أجيزه وسيلةً للدعوة، أو لتغيير المجتمع، وذلك لجملة أمور أساسية:
أساء بعض إخوتي في الجزائر ـ الذين أحبهم والله وأفديهم بنفسي ـ فهم موقفي بعد حلقة «الشريعة والحياة» الَّتي تبث من «قناة الجزيرة» في قطر، والتي خُصِّصت لقضية الجزائر مساء يوم 8 فبراير 1998، حيث فهموا من بعض كلامي أنِّي أجيز استعمال العنف في مقاومة السلطة ولو كانت ظالمة، واستغرب بعضهم أن يكون هذا موقفي؛ لأنَّه مناقض لما عرفوه عني طيلة سنين عدة في كتب ومقالات، وفي خطب ومحاضرات، وفي فتاوى وحلقات، وفي ندوات ولقاءات، كنت فيها ضد العنف وسفك الدم على خط مستقيم، وداعيًا للحوار مع كل التيارات: علمانيَّة وقومية، ومع الحكام، ومع المسيحيين، ومع الغرب: على المستوى الديني، والمستوى الفكري، والمستوى السياسي، كما وضحت ذلك في كتابي «أولويات الحركة الإسلاميَّة» وفي غيره من الكتب، فهل غيَّرتُ موقفي القديم؟ أو التبس عليَّ الأمر في قضية الجزائر أو هناك سبب لا يعرفه الناس؟
موقفي لم يتغيَّر:
وأودُّ أن أنبِّه وأؤكد أنَّ موقفي القديم لم يتغير، ولن يتغيَّر إن شاء الله من ناحية المبدأ، فأنا أرفض العنف الدموي، وأدينه وأنكره وأقاومه، ولا أجيزه وسيلةً للدعوة، أو لتغيير المجتمع، وذلك لجملة أمور أساسية:
1 ـ أنَّ الشرع الإسلامي شدَّد في أمر الدماء غاية التشديد، فقد قرَّر القرآن:﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾[المائدة: 32]، وحديث الرسول «لزوال الدُّنيا أهونُ على الله من قتل امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍّ»(1).
2 ـ أنَّ العنف ينفِّر النَّاس من دعوة الإسلام، ويعطي صورة دميمة شائهة عن دعاته، وسلاحًا قويًّا في يد خصومه وخصومهم، الذين يتَّهمونهم بـ «الإرهاب» ولهذا رغَّب الرسول ﷺ في الرفق، ورهَّب من العنف، ففي الحديث: «إنَّ الرِفْقَ لا يكون في شيءٍ إلَّا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلَّا شانه»(2). «إنَّ الله يحبُّ الرِّفْقَ، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف»(3)، وقال لعائشة: «إنَّ الله يحبُّ الرفقَ في الأمر كلِّه»(4).
3 ـ أنَّ العنف لم يحل مشكلة قط، لا فيما قرأناه في تاريخنا، ولا فيما شهدناه في عصرنا: لم يسقط حكمًا ظالمًا، ولم يغيِّر مجتمعًا فاسدًا إلى الصلاح!
لقد اغتال بعض الجماعات بعض الحكام الذين يعتقدون أنَّهم ظلمة، فجاء بعدهم من هم أظلم منهم وأفجر!
4 ـ أنَّ الدعوة الإسلاميَّة تنتشر انتشار أنوار الصباح، وتفتح العقول والقلوب بيسر، وتمتد في جميع الطبقات برفق، فما حاجة الدعاة إلى العنف؟! إنَّما يلجأ إلى العنف من يئس من إقبال الناس، أو سئم من دعوتهم، لأنَّهم يعرضون عنه، ونحن نرى النَّاس مقبلين على الإسلام بحمد الله في كل مكان.
كل ما أردت قوله: إنِّي يؤرقني ويقلقني ما يجري في الجزائر من دماء تُسفك، وأعراض تُهتك، وحرمات تُستباح، وينسب ذلك ـ واحسرتاه ـ إلى الإسلام، والإسلام المُفترَى عليه يرفض أن تراق قطرة دم بغير حق.
أمور لا ينبغي الخلاف عليها:
لهذا دعوت وكررت الدعوة وأكدتها إلى جملة أمور أساسية لا ينبغي الخلاف عليها:
أولها: وقف النزيف الدموي الَّذي يُسال يوميًّا من الشعب الجزائري المسلم، والذي لم تستطع السلطة ـ برغم ما لديها من شرطة وقوات أمن، وقوات مسلحة ـ أن توقفه حتَّى الآن. ولا أحسب إنسانًا له عقل وقلب، يرضى باستمرار هذا النزيف، وهذا الإجرام المسخوط من أهل الأرض، والملعون من أهل السماء.
وثانيها: السماح للقوى العربية والإسلاميَّة أن تتدخل لمساعدة الحكومة في المحاولة لإيجاد حل للمشكلة؛ بدل التدخل من الأوربيين وغيرهم. والله تعالى يقول: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ﴾[التوبة: 71]. والنبي ﷺ يقول: «ترى المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم، كمثلِ الجسدِ الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالحُمَّى والسهر»(5).
والله تعالى قد أمر المجتمع المسلم بالتدخل لإنهاء الشقاق بين الزوجين في الأسرة، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾[النساء: 35]، فكيف بالشقاق بين أبناء شعب كبير عريق كشعب الجزائر؟ وقد قال تعالى:﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓاْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٩ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الحجرات: 9، 10].
وثالثها: الدعوة إلى الحوار المفتوح، مع كل القوى الوطنية السياسيَّة، دون استثناء أو حذف أي فئة من الفئات، بغية الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة. وأنا أقصد القوى السياسيَّة: الَّتي تتحاور بالكلمة لا بالرصاص. فالجماعات المسلحة الَّتي تقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتذبح بالسكاكين، وتهشِّم الرؤوس بالبلط والسواطير، مثل جماعة الزوابري وأمثاله، ممَّن يريدون أن ينتقموا من الشعب الجزائري؛ لأنَّه شعب منافق في رأيهم! مع أنَّ الرسول ﷺ لم يقتل المنافقين. هؤلاء لا يُحاوَرون؛ لأنَّ الحوار إنَّما يكون مع العقلاء، وهؤلاء لا عقل لهم.
وهب أنَّ الشعب نافق كما زعموا، فهل يُقتل الشعب أو يُعلَّم ويُذكَّر ويُؤخذ بيده، حتَّى يهتدي سواء السبيل؟
وأنا أعجب من أناس يصفون شعبهم بهذا الوصف القبيح العجيب الغريب، مع أنَّ الَّذي يعرف الشعب الجزائري لا يمكن أن يخطر بباله أن يصفه بالنفاق، فهو شعب حر، أبي شجاع، صُلب عنيد.
أجلْ دعوت إلى الحوار مع كل القوى الوطنية؛ لأنَّ الإسلام يأمر بحوار المخالفين في الدين أو الفكر أو السياسة، حتَّى أوجب الفقه الإسلامي على الإمام أو ولي الأمر الشرعي قبل أن يقاتل البغاة أن يراسلهم، ويزيل شبهاتهم، وينظر فيما يدَّعون من مظالم. وقد بعث عليُّ بن أبي طالب ابنَ عمه عبد الله بن عبَّاس لمناقشة الخوارج، وظل يحاجهم ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف(6).
بل أمرت الشريعة الإسلاميَّة بالحوار مع المرتدين، وهو ما يعبر عنه الفقه بعبارة «استتابة المرتدِّ» حتَّى قال الإمام إبراهيم النخعي: إنَّ المرتد يُستتاب أبدًا، وكذلك قال الإمام سفيان الثوري(7).
هذا ما دعوت إليه، وما أزال أدعو إليه، وأرى أنَّ مصلحة الجزائر العليا تقتضيه، وأنَّ «فقه الموازنات» بين المصالح والمفاسد يوجبه، وأنَّ «فقه الأولويات» يلزم به ويحرِّض عليه.
ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز:
قد يختلف معي بعض الإخوة أو أختلف معهم، في تحليل ما يحدث في الجزائر الحبيبة وتعليله، ومن المسؤول عنه: أهو السلطة أم الجماعات أم كلتاهما؟ أم جهات أجنبيَّة لا تريد للجزائر أن تستقر وتقوى، ولا للإسلام فيها أن يحكم ويسود؟ أم كل أولئك؟ وما مدى نصيب كل منهم من المسؤولية عمَّا جرى من قبل، وما يجري اليوم؟ هنا تختلف الاجتهادات في التفسير والتأويل، ولكل مجتهد نصيب، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى.
ولكنَّ الَّذي لا يجوز أن يختلف فيه اثنان أو ينتطح فيه عنزان هو إنكار ما يقع إلى اليوم من سفك الدماء البريئة، وإزهاق الأرواح الطاهرة، وترويع الآمنين في القرى والمدن، وقد قال رسولنا العظيم: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلمًا»(8). قال ذلك فيمن روَّع مسلمًا وأفزعه على سبيل المزاح. وفي حديث آخر: «لا تروِّعوا المسلمَ؛ فإنَّ رَوعة المسلمِ ظُلمٌ عظيم»(9)، وفي الحديث الصحيح: «من حمل علينا السلاحَ فليس منَّا»(10). بل أنكر على مَن أشار إلى أخيه بحديدة(11)، وفي الصحيحين: «سبابُ المسلم فسوقٌ، وقتالُه كفرٌ»(12). «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا، يضرب بعضُكم رقابَ بعضٍ»(13).
ما يحدث في الجزائر الحبيبة هو جريمة هائلة من أكبر الكبائر، ومن أعظم الموبقات، بكل المقاييس الدينيَّة أو الوطنية أو الإنسانيَّة، حتَّى وإن كان بعض من يرتكبونها يحسبون ذلك من الجهاد أو نصرة الإسلام. فقد كان «الخوارج» قديمًا يستبيحون الدماء والأموال، تقربًا إلى الله بذلك، وصحَّت الأحاديث ـ من عشرة أوجه ـ في ذمِّهم والتحذير من شرورهم، ووصفتهم بأنَّهم «يَحْقِرُ أحدُكم صلاتَه إلى صلاتهم، وقيامَه إلى قيامهم، وقراءتَه إلى قراءتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوزُ حناجرهم، يمرقون من الدِّينِ كما يمرقُ السَّهْم من الرَّمِيَّة»(14) كما وصفتهم بأنَّهم «يقتلون أهلَ الإسلام، ويدعون أهلَ الأوثان»(15).
وقد قال تعالى في صريح القرآن:﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[الكهف: 103، 104]، ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾[فاطر: 8].
أرسل إليَّ أحد الإخوة من الجزائر رسالة بالفاكس يعاتبني، ويقول: ما كُنَّا ننتظر من مثلك، ـ وأنت الَّذي عايشت صحوة الجزائر، وأحببتها وأحبَّتك، واجتمع عليك رجالها ونساؤها، وشبابها وشيوخها، واستمعوا إلى محاضراتك وخطبك، وأكبوا على قراءة مقالاتك وكتبك ـ أن تسكت لمدة خمس سنين عما يقع في الجزائر، ثم تظهر فجأة في قناة الجزيرة، لتؤيد الذين يقتلون النَّاس بغير حق في الجزائر.
وأود أن أقول للأخ الكريم: إنِّي أحبُّ الجزائر كما أحبتني، وما نسيت قضيَّتها قط، ولا سكتُّ عنها في يوم من الأيام.
لقد أنكرت ما حدث من قطع الطريق على اختيار الشعب الجزائري، الَّذي كان السبب الأول في وقوع ما وقع بعد ذلك، وإن كنت لم أعفِ جبهة الإنقاذ من التبعة تمامًا، فإنَّ تصريحات بعضهم بأنَّ الديمقراطيَّة كفر، ورفضهم التعاون مع الفئات الإسلاميَّة الأخرى، وقد حاولت ذلك بنفسي عندما كنت في الجزائر سنة 1991م ولكنِّي لم أفلح. كما رددت على قولهم: «لا أحلاف في الإسلام» وعلى رفضهم الأحزاب والجماعات الإسلاميَّة الأخرى، محتجين ـ خطأً ـ بحديث: «إذا بويع لخليفتَيْن فاقتلوا الثانيَ منهما»(16).
وكذلك رددت على القائلين بأنَّ «الديمقراطيَّة كفر» وأنَّ الإسلام يرفض الديمقراطيَّة، عندما كنت في الجزائر، وبعد ما غادرتها، في أكثر من محاضرة، ومن كتاب، ولا سيَّما في الجزء الثاني من كتابي «فتاوى معاصرة». كما وضَّحتُ ذلك في كتابي «من فقه الدولة في الإسلام» كما أنكرت بشدَّة قتل المدنيين والمفكرين والدعاة، أمثال الأخ الفاضل التقي الداعية الشيخ محمد أبو سليماني، والأخ الإعلامي المهذب الدكتور الحسن سعد الله، وقد أصدرت بيانًا بعد قتله نشرته الصحف الجزائرية، وبعض الصحف العربية، ومنها مجلة «المجتمع» الكويتية.
وعندما قتل الرهبان الفرنسيون في الجزائر، ألقيت خطبة كاملة، من خطب الجمعة الَّتي تذاع في التلفاز القطري من جامع عمر بن الخطاب بالدوحة، ولخصتها كل الصحف القطرية في اليوم التالي، وأنكرت هذه الجريمة البشعة، الَّتي تخالف تمامًا منهج الإسلام وهديه، حتَّى في القتال الرسمي الَّذي تخوضه الجيوش الإسلاميَّة، فقد كان الخلفاء الراشدون ينهون عن قتل الرهبان، فإنَّهم لا يقاتلون، كما ينهون عن قتل الحراثين «الفلاحين»؛ لأنَّهم لا ينصبون للمسلمين الحرب.
مبادئ أساسية مسلَّمة عندي:
ومن المبادئ الأساسية المسلَّمة عندي، والمعروفة عنِّي منذ زمن طويل، والمبثوثة في كتبي ورسائلي ومحاضراتي: مبادئ لم أحِد عنها، ولن أحيد عنها إن شاء الله:
لا أكفِّر مسلمًا:
المبدأ الأول: أنِّي لا أكفر مسلمًا يشهد أن لا إلٰه إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وأنَّ من دخل في الإسلام بيقين لا يخرج منه إلَّا بيقين مثله، فإنَّ اليقين لا يُزال بالشك، ولهذا وقفت ضد موجة «التكفير» والغلو فيه، حينما فشا في مصر، وألقيت في ذلك محاضرات، ثم أصدرتها في رسالة وزعت منها عشرات الألوف، هي «ظاهرة الغلو في التكفير».
ومن هنا لا يشك قارئ لي أو مستمع إليَّ أنِّي ضد جماعات التكفير، وأنِّي أقاومها بكل ما أملك.
حتى أنكرت على الذين يكفِّرون الشيعة الجعفرية، وهم ينطقون الشهادتين، ويصلُّون إلى القبلة، ويصومون ويحجون، وإن كان لهم بدع قولية وفعلية ننكرها عليهم، ولكن فرق كبير بين التبديع والتكفير.
عصمة الدماء بـ «لا إلٰه إلَّا الله»:
والمبدأ الثاني: أنِّي لا أجيز سفك الدماء بغير حقِّها بحال من الأحوال، لا من المسلمين، ولا من غير المسلمين إذا لم يكونوا محاربين لنا. ومن المعروف عنِّي: أنِّي من الميسِّرين في الفتوى، والمبشِّرين في الدعوة، ولكنِّي في أمر الدماء من المتشدِّدين، ولا أترخَّص في ذلك أبدًا. ولا سيَّما قتل المدنيين البرآء العزل، الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يجري من حولهم. وبالأخص: الأطفال الصغار، والشيوخ الكبار، والنساء القواعد في البيوت، فهذا لم يجزه الإسلام لجيوشه المقاتلة لأعدائه المجابهين له، والمحاربين لدعوته وأمته ودولته، وصحَّت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وعن خلفائه الراشدين، تنهى عن قتل النساء والصبيان والشيوخ والرهبان والفلاحين، وعن قطع الشجر، وهدم المباني. فكيف يسوغ في شرع محمد ! قتل المسلمين الموحدين المصلِّين الصائمين ـ حتَّى في شهر رمضان، وحتى في قلب المساجد ـ وهم قوم مسالمون لا حول لهم ولا قوَّة إلَّا بالله؟!
وبأي كتاب أم بأية سنة استباح هؤلاء هذه الدماء المعصومة بقول «لا إلٰه إلَّا الله»؟ وكيف إذا كان القتل بتلك الوسائل الوحشية، والطرق البشعة، مثل قطع الرقاب بسكين القصاب، ودق الرؤوس بالسواطير والفؤوس! فهؤلاء وحوش مفترسة، لا بشر.. ليس لهم عقول تعي وقلوب تحس، فضلًا أن يكونوا مسلمين.
وعلى أي شريعة اعتمد هؤلاء في اغتصاب الفتيات المسلمات واختطافهن، للاستمتاع بهن رغم أنوفهن، وهن حرائر مسلمات محصنات؟
نبذ الخروج المسلح إلَّا بشروط:
المبدأ الثالث: أنِّي لا أجيز الخروج المسلَّح على السلطة الحاكمة؛ وإن كانت ظالمة فاجرة، إلَّا بشروط وضوابط إذا لم تتوافر يكون الخروج منكرًا يجب أن يقاوم لا أن يساند. وقد بيَّنت ذلك في كتابي «فتاوى معاصرة» الجزء الثاني.
فقد أجمع علماء الأمة على أنَّه لا يجوز تغيير المنكر بالقوة إذا ترتَّب عليه منكر أكبر منه، اختيارًا لأهون المفسدتين، وأخف الضررين، واستدلوا لذلك بأنَّ النبي ﷺ ترك الكعبة على ما بنتها قريش، وكان يود لو بناها على قواعد إبراهيم، ولكنَّه لم يفعل ذلك، لحداثة عهد النَّاس بالإسلام(17)، فخاف إن فعل ذلك أن تحدث فتنة.
وفي السُّنَّة النبويَّة جملة أحاديث تأمر بالصبر على الحاكم الظالم خشية أن تفتق على الأمة فتوق لا تستطيع رتقها، وتفتح عليها فتن قد تعرف أولها ولا تعرف آخرها.
فقد روى الشيخان، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «من كره من أميره شيئًا فليصبرْ، فإنَّ من فارق الجماعة شبرًا، فمات، فمِيتَته جاهليَّة»(18).
وروى أحمد ومسلم، عن حُذَيْفة بن اليمان، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «يكون بعدي أئمَّة لا يهتدون بهديي ولا يستنُّون بسُنَّتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبُهم قلوب الشياطين في جثمانِ إنس». قال: قلت: كيف أصنع يا رسولَ الله؟ قال: «تسمعُ وتطيعُ، وإنْ ضربَ ظهرَكَ وأخذ مالكَ، فاسمعْ وأطعْ»(19).
وروى الشيخان، عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألَّا ننازع الأمر أهله، إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان»(20) (21).
ومع هذه التوجيهات النبويَّة بضرورة السمع والطاعة؛ خشية الفتنة غير المأمونة، جاءت توجيهات نبويَّة أخرى بالنصح لولي الأمر، ودعوته إلى الخير، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وإن سقط الآمر الناهي شهيدًا، وتعتبر ذلك من أفضل الجهاد، كما تعتبر النكوص عن قول الحق في وجه الظالم المتجبر من أمارات إدبار الأمة وضياعها.
اقرأ هذه الأحاديث:
«الدِّينُ النصيحة، لله، ورسوله، وكتابه، وأئمَّة المسلمين وعامَّتهم»(22).
«أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر»(23).
«سيِّدُ الشهداء حمزة، ثم رجلٌ قام إلى إمامٍ جائر فأمره ونهاه، فقتله»(24).
«إذا رأيتَ أُمَّتي تهابُ أن تقول للظالم: يا ظالمُ، فقد تُوُدِّع منهم»(25).
على أن يكون ذلك كله بالحكمة والمعروف.
وفرق كبير بين الخروج المسلح على الحاكم، وبين النصح له وأمره ونهيه بالرفق المطلوب.
الحوار مع الآخر:
المبدأ الرابع: هو الحوار مع الآخر، أي مع المخالفين، وهذا ليس ابتكارًا منِّي ولا تبرعًا، بل هو ما أمرنا الله 8 به في كتابه، وهو المعبر عنه بالجدال بالتي هي أحسن، كما قال تعالى:﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾[النحل: 125].
﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾[العنكبوت: 46].
ومُقتضى الآيتين: أنَّه إذا كانت هنالك طريقتان للجدال والحوار، إحداهما حسنة جيدة، والأخرى أحسن وأجود، فنحن مأمورون أن نحاور ونجادل بالطريق الَّتي هي أحسن وأجود.
وما لنا لا نحاور من خالفنا، وقد ذكر لنا القرآن محاورة رسل الله الكرام مع أقوامهم المشركين، كما في سور الأعراف وهود والشعراء وغيرها؟
بل ما لنا لا نحاور، وقد حاور ربنا الجليل خلقه، كما حاور ربنا الجليل ملائكته حين أراد أن يخلق آدم ويجعله في الأرض خليفة؟!
بل أكثر من ذلك وأعظم: أنَّ الله الواحد القهار حاور شرَّ خلقه إبليس لعنه الله، برغم تبجحه وسوء أدبه مع ربه، كما نرى ذلك في سور الأعراف والحجر و(صۤ). وفي ذلك آية وعبرة لقوم يعقلون.
وقد ذكرت أنَّ الشريعة الإسلاميَّة تأمر بحوار البغاة قبل قتالهم، وبحوار المرتدين رغم مروقهم، حتَّى تزول الشبهات، وتقوم الحجة، وتبطل الأعذار والتعلَّات.
التدرج:
المبدأ الخامس: التدرج، أعني الوصول إلى الأهداف مرحلة مرحلة، ودرجة درجة، وهو سنة من سنن الله الكونية، كما أنَّه سنة من سننه الشرعيَّة. ولهذا لا أقفز على الأشياء، ولا أستعجلها قبل أوانها.
ولم أرَ مانعًا من تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في عصرنا بالتدرج، بشرط ألَّا يستخدم «التدرج» سبيلًا إلى «التمويت» والإنساء، بل لا بدَّ أن تحدَّد الأهداف بوضوح، وتبيَّن الوسائل بدقة، وتعيَّن المراحل ببصيرة، ويمضي التنفيذ على بينة، بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها، حتَّى تتحقق الآمال، وتغدو أحلام الأمس حقائق اليوم.
وقد ذكرت في ذلك نموذجًا يحتذى: ما صنعه خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز، حينما ولي الخلافة وقد انحرفت عن سنن الهدى في كثير من الجوانب، ولا سيَّما في الناحية المالية، وكان عمر ينجز في كلِّ يومٍ شيئًا، يزيل المظالم، ويرد الحقوق إلى أهلها، ولكنَّ ابنه الشاب التقي الدافق الحماس ـ عبد الملك ـ قال يومًا كالمعترض على أسلوب معالجة الأوضاع: يا أبتِ ما لي أراك تتباطأ في إنفاذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو غلت بي وبك القدور في سبيل الله؟!
فقال الأب الفقيه: لا تعجل يا بني، فإنَّ الله ذمَّ الخمر في القرآن مرتين، وحرَّمها في الثالثة، وإنِّي أخشى أن أحمل الحق على النَّاس جملة، فيدفعوه جملة، فيكون من وراء ذلك فتنة(26).
وفي رواية أنَّه قال له: أما يسرُّك أنَّه لا يأتي على أبيك يوم إلَّا ويحيي فيه سنة، ويميت فيه بدعة(27)؟!
فهذه هي مبادئي، لم أتخلَّ عنها، ولن أتخلَّى عنها بإذن الله تعالى وتوفيقه. ولا أدَّعي العصمة لنفسي، فأنا أجتهد لخدمة ديني على قدر جهدي ورؤيتي.
ولا أقول إلَّا ما قال نبيُّ الله شعيب لقومه:﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾[هود: 88].
(1) سبق تخريجه صـ 347.
(2) رواه مسلم في البر والصلة (2594)، عن عائشة.
(3) رواه مسلم في البر والصلة (2593)، عن عائشة.
(4) سبق تخريجه صـ 419.
(5) سبق تخريجه صـ 436.
(6) سبق تخريجه صـ 204.
(7) رواه عبد الرزاق في اللقطة (18697).
(8) سبق تخريجه صـ 519.
(9) رواه البزار (3816)، والعقيلي في الضعفاء (2/183)، وقال: في إسناده لين. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10525): رواه الطبراني والبزار، وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. عن عامر بن ربيعة.
(10) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الفتن (7071)، ومسلم في الإيمان (100)، عن أبي موسى الأشعري.
(11) رواه مسلم في البر والصلة والآداب (2616)، عن أبي هريرة.
(12) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (48)، ومسلم (64)، كلاهما في الإيمان، عن ابن مسعود.
(13) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في العلم (121)، ومسلم في الإيمان (65)، عن جرير بن عبد الله.
(14) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المناقب (3610)، ومسلم في الزكاة (1064)، عن أبي سعيد الخدري.
(15) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3344)، ومسلم في الزكاة (1064) (143)، عن أبي سعيد الخدري.
(16) رواه مسلم في الإمارة (1853)، عن أبي سعيد الخدري.
(17) كما في الحديث المتفق عليه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال لها: «ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟». فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت». رواه البخاري (1586)، ومسلم (1333)، كلاهما في الحج.
(18) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الفتن (7053)، ومسلم في الإمارة (1849)، عن ابن عبَّاس.
(19) رواه مسلم في الإمارة (1847)، وأحمد (23425). وانظر: الحلال والحرام صـ 369 وما بعدها. نشر مكتبة وهبة، القاهرة، 1435هـ ـ 2014م.
(20) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الفتن (7056)، ومسلم في الإمارة (1709)، عن عبادة بن الصامت.
(21) انظر هذه الأحاديث والتعليق عليها وما يستنبط منها في نيل الأوطار للشوكاني (7/201) وما بعدها.
(22) رواه مسلم في الإيمان (55)، وأحمد (16940)، عن تميم الداري.
(23) سبق تخريجه صـ 139.
(24) سبق تخريجه صـ 139.
(25) سبق تخريجه صـ 142.
(26) انظر: الموافقات للشاطبي (2/148).
(27) تاريخ الخلفاء للسيوطي صـ 180، تحقيق حمدي الدمرداش، نشر مكتبة نزار مصطفى الباز، ط 1، 2004م.