طلب الغنى بطريق الحرام

❓ طلب الغنى بطريق الحرام

📅 2026-06-22 👁 177 مشاهدة

نص السؤال:

أكتب لسماحتكم حول موضوع مهم جدًّا أو حيوي بالنسبة لي في هذه المرحلة من حياتي، فأنا مهندس إنشاءات أعيش في أمريكا، وحصلت مؤخرًا على الدكتوراه في الهندسة من بريطانيا.
أتيحت لي منذ فترة قصيرة فرصة الدخول في شركة مع مهندس معماري أمريكي لتأسيس شركة هندسية في أمريكا، وقد يتطلَّب منِّي هذا الاقتراض من أحد البنوك، طبعًا أنا أعرف أنَّ هذا حرام بشكل عام، ولكن قد يكون هذا بالنسبة لي شرًّا لا مفر منه؛ وخاصة أنِّي بذلت الكثير للحصول على مثل هذه الفرصة، كتبت لبنك البركة الإسلامي في لندن فردَّ لي الجواب بعد أربعة أشهر! وكان جوابًا غير واضح ومعضلًا فكتبت له مرة أخرى فلم يردَّ عليَّ مرة أخرى!
لقد طرقت جميع الأبواب واستنفدت جميع الوسائل دون فائدة. أنا شاب طموح ولا أريد أن أضيع هذه الفرصة. فنيتي سليمة، وأريد أن أصبح غنيًّا، لأساعد هذه الأمة المنكوبة بالمصائب، لا لكي أعيش في برج عاجي لا يأبه بالآخرين، كما يفعل الكثيرون من أغنياء هذه الأمة المغلوبة على أمرها.
إنَّني أنتظر جواب سماحتكم بفارغ الصبر، جزاكم الله عنَّا خير الجزاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا حرج على المسلم أن يطلب الغِنَى ويسعى إليه، فالغنى في نظر الإسلام ليس جريمة ولا رذيلة، والمال ليس شرًّا، ولم يرد في الإسلام ما ورد في المسيحيَّة: إنَّ الغنيَّ لا يدخل ملكوت السماوات: حتَّى يلج الجمل في سمِّ الخياط!
بل امتنَّ الله تعالى على رسوله فقال:﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ[الضحى: 8].
وكان من دعاء النبي : «اللهمَّ إنِّي أسألك الهدى والتُّقى والعفافَ والغِنَى»(1). وروى عنه سعد بن أبي وقَّاص: «إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ التقي الغني الخَفِيَّ»(2).
وقال لعمرو بن العاص: «نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرءِ الصالحِ»(3).
ولكنْ أحبُّ أن أضع أمام السائل جملة حقائق:
1 ـ أنَّ المال ـ وإن لم يكن شرًّا ـ فهو فتنة يُخشى منها، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ[التغابن: 15]. وخصوصًا إذا رأى صاحب المال أنَّه استغنى بماله عمَّن سواه،﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ ٦ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ[العلق: 6، 7].
2 ـ أنَّ الغنى المادي ليس هو كل شيء، فقد يملك الإنسان الملايين وهو فقير النفس. وفي الحديث الصحيح: «ليس الغنى عن كَثْرَةِ العَرَض، إنَّما الغِنَى غِنَى النَّفْس»(4).
وما أحكم ما قال الشاعر:
يعزُّ غنيُّ النَفْسِ إن قلَّ مالُه
ويَغْنَى غنيُّ المالِ وهو ذليلُ(5)!
والحكمةُ تقول: قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُلْهِيكَ.
3 ـ أنَّ بعض النَّاس يزعم في نفسه، أو يزعم للناس؛ بل قد يعاهد الله أنَّه حين يحصل على الغنى سيفعل ويفعل. ولكنَّه عندما تتحقق أمنيته ينكث بعهده، وينكص عن وعده، وهذا شأن المنافقين الَّذين حدَّثنا الله عن نموذج منهم في سورة التوبة فقال: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ[التوبة: 75، 76]. والمسلم يحذر أن يصيبه رذاذ من النفاق ويسأل الله البراءة منه.
4 ـ أنَّ خطر الحرص على الغنى قد يجعل الإنسان يستعجله قبل أوانه، وأحكام الله القدرية والشرعيَّة: أنَّ من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه.
كما أنَّ شدة الحرص قد تجعله يفرِّط أو يتساهل فيما لا بدَّ منه شرعًا. والذي لا بدَّ منه أن تراعي شروط اكتساب المال، وشروط تنميته، وشروط إنفاقه، فمن الواجب المؤكد أن يُكتسب المال من حله، وأن يُنفق في حقِّه، وألَّا يُبخل به عن حقِّه. ومراعاة هذا كله من أصعب ما يكون على النفس.
وفي ضوء هذه الحقائق ننظر إلى سؤال الأخ الَّذِي يريد أن يبدأ حياته الاقتصادية بالدخول في الفوائد الَّتي أجمعت المجامع العلمية الإسلاميَّة على أنَّها هي الربا الحرام.
ولكنَّه يبيح ذلك لنفسه بدعوى أنَّه شرٌّ لا بدَّ منه، وأنَّه مضطر إلى ذلك. ليصل إلى المستوى الَّذِي رسمه لنفسه، فهو يعتبر ذلك «ضرورة» تجيز له التعامل بالربا أخذًا وعطاءً؛ فهل صحيح أنَّ هذه حالة ضرورة؟!
تنبيه لا بدَّ منه حول دعوى الضرورة:
إنَّ هناك قاعدة لا خلاف عليها، وهي: أنَّ للضرورات أحكامها المقررة شرعًا، وكما أباحت الضرورة للأفراد أن يأكلوا الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة، كما صرح بذلك القرآن الكريم؛ فإنَّه قيدها بأن يكون غير باغ ولا عاد:﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ[المائدة: 3]، ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ[البقرة: 173].
ومن هنا قرر الفقهاء قاعدة أخرى مكملة، وهي أنَّ ما أبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها، وإلَّا كان باغيًا أو عاديًا.
وبعد ذلك هناك أمور ثلاثة لا بدَّ من رعايتها:
الأول: أن تتحقق الضرورة بالفعل، ولا يكون ذلك مجرَّد دعوى لاستحلال الحرام الصريح، ولذلك شواهده ودلائله عند أهل العلم والبصيرة، ويسأل في ذلك عدول أهل الذكر والخبرة في شؤون المال والاقتصاد، ممَّن لا يتبعون الهوى، ولا يبيعون الآخرة بالأولى، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ﴾ [فاطر: 14].
الثاني: أن تغلق أمام المضطر فردًا أو حكومةً أبواب الحلال كلها، مع محاولة طرقها، وألَّا توجد بدائل شرعيَّة تسدُّ الحاجة، ويمكن الاستفادة منها للخروج من حدِّ الضرورة وضغطها القاهر، فأما إذا وجدت البدائل، وفتح باب للحلال، فلا يجوز اللجوء إلى الحرام بحال.
الثالث: ألَّا يصبح المباح للضرورة أصلًا وقاعدة، بل هو استثناء مؤقت، يزول بزوال الضرورة. ولهذا أضاف العلماء إلى قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» قاعدة أخرى مكمِّلة وضابطة لها، وهي الَّتي تقول: «ما أبيح للضرورة يُقَدَّر بقدرها». وهي مأخوذة من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ[البقرة: 173]. ومن تجاوز حدَّ الضرورة زمانًا أو مقدارًا، فقد بغى وعدا.
إنَّ خيرًا للأخ السائل الطموح أن يسلك سبيل التدرج، وهو سنة من سنن الله في الكون والشرع، وأن يصعد السلم من أوله درجة درجة، ولا يقفز على الواقع، ويحاول أن يطوي المراحل كلها في خطوة واحدة، فقد لا يوصله ذلك إلَّا إلى خسارة الدين، وضياع الدنيا معًا.
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية