2026-06-22
143
حق الحكومة المسلمة في تحديد إيجارات المسكن إذا اقتضته المصلحة
أصدرت الحكومة في الآونة الأخيرة قانونًا بشأن إيجار المساكن، حدَّدت فيه العلاقة بين المؤجر والمستأجر، ولم تجز الزيادة في الأجرة إلَّا بنسبة معينة في مدة معينة، كما لم تُجز للمالك إخراج المستأجر إلَّا في حدود وبشروط خاصة.
فهل تجيز الشريعة الغرَّاء للحكومة المسلمة أن تصدر مثل هذا القانون؟ وهل يجب على الشعب التقيُّد به شرعًا؟ أم يجوز لبعض النَّاس الخروج على هذا القانون، وعدم التقيد به؛ بدعوى أنَّهم أحرار التصرف في أملاكهم؟ مع أنَّ هؤلاء النَّاس في ظاهرهم متدينون، ويصلُّون ويصومون، ويحجُّون ويعتمرون.
نرجو التكرم ببيان رأي الشرع في مثل هذا الموقف، حتَّى نعرف ويعرفوا الحلال من الحرام. وشكرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا السؤال من جنس السؤال السابق عن حقِّ الدولة في التدخل لتحديد أجور العمال، وتنظيم العلاقة بينهم وبين أرباب العمل، إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة. وقد ذكرنا فيه من الأدلَّة الشرعيَّة، والاعتبارات المرعية ومن نقول المحققين من العلماء ما يغني عن إعادته هنا، فليرجع إليه.
فالقضية واحدة، وهي: تدخل الدول المسلمة للحد من بعض الحريات الفردية، تحقيقًا للمصالح، ودرءًا للمفاسد، وإقامةً للعدل، ومنعًا للظلم، وتفاديًا للضرر والضرار.
ولا ينبغي أن يظن بالشريعة الإسلاميَّة أنَّها تقف مكتوفة اليدين أمام الأوضاع الَّتي تتغيَّر في حياة النَّاس بسرعة البرق، وتدع القويَّ يتحكَّم في الضعيف، ويفرض عليه ما يريد، مستغلًا ضعفه وحاجته، دون أن يكون لها موقف إيجابي.
إنَّ من خصائص الشريعة الغراء أنَّ في أصولها وقواعدها، من المرونة والسعة ومراعاة الواقع، ما يجعلها كفيلة بمواجهة كل جديد من أطوار الحياة ومشكلاتها، بالعلاج الناجح، والحل الحاسم العادل.
وقد أدرك فقهاؤنا رحمهم الله ـ حتَّى في العصور المتأخرة ـ هذه المزية الظاهرة للشريعة، وهي «المرونة» و«الواقعية» فلم يجمدوا كالصخر أمام تطورات الحياة، وتغيُّر أخلاق النَّاس، الَّذِي يعبرون عنه بفساد الزمان، ولهذا وسَّعوا على القضاة والحكام في أمور السياسة الشرعيَّة، وتدبير أمر الرعية، بما يحقق العدل، ويرفع الظلم، ويقطع دابر الفساد.
يقول العلَّامة الحنفي علاء الدين الطرابلسي في كتابه «معين الحكام»(1):
«قال القرافي: واعلم أنَّ التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية، ليس مخالفًا للشرع؛ بل تشهد له الأدلَّة المتقدمة، وتشهد له أيضًا القواعد الشرعيَّة من وجوه: أحدهما: أنَّ الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول، ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام، بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية، لقوله ﷺ : «لا ضررَ ولا ضرارَ»(2). وترك هذه القوانين يؤدِّي إلى الضرر، ويؤكِّد ذلك جميع النصوص الواردة بنفي الحرج.
وثانيها: أنَّ المصلحة المرسلة قال بها جمع من العلماء، وهي المصلحة الَّتي لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها. ويؤكد العمل بالمصالح المرسلة، أنَّ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو: كتابة المصحف، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر ^ ، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير. وكذلك ترك الخلافة شورى بين ستة، وتدوين الدواوين، وعمل السِّكَّة (النقود) للمسلمين، واتخاذ السجن، وغير ذلك، ممَّا فعله عمر 3 ، وهدم الأوقاف الَّتي بإزاء المسجد ـ يعني مسجد النبي ! ـ والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، وحرق المصاحف، وجمعهم على مصحف واحد، وتجديد أذان في الجمعة بالسوق، ممَّا فعله عثمان 3 ، وغير ذلك كثير جدًّا، فُعل لمطلق المصلحة.
وثالثها: أنَّ الشرع شدَّد في الشهادة أكثر من الرواية، لتوهُّم العداوة، فاشترط العدد والحرية، ووسَّع في كثير من العقود للضرورة، كالعرايا والمساقاة، والقراض، وغيرها من العقود المستثناة، وضيَّق في الشهادة في الزِّنَى، فلم يقبل فيه إلَّا أربعة يشهدون بالزِّنَى كالمرود في المكحلة، وقبل في القتل اثنين، والدماء أعظم، لكنَّ المقصود الستر، ولم يحوج الزوج الملاعن إلى بيِّنة غير أيمانه، ولم يوجه عليه حدَّ القذف، بخلاف سائر القَذَفة، لشدة الحاجة في الذَّبِّ عن الأنساب، وصون العيال والفرش عن أسباب الارتياب.
وهذه المباينات والاختلافات كثيرة في الشرع، لاختلاف الأحوال؛ فلذلك ينبغي أن يراعى اختلاف الأحوال في الأزمان، فتكون المناسبة الواقعة في هذه «القوانين السياسيَّة» ممَّا شهدت لها القواعد بالاعتبار، فلا تكون من المصالح المرسلة؛ بل أعلى رتبة، فتلحق بالقواعد الأصلية.
ورابعها: أنَّ كلَّ حكم في هذه القوانين، ورد دليل يخصه، أو أصل يُقاس عليه، كما تقدم في أدلة الباب. وقد تقدم ذكرنا لكلام بعض العلماء ـ وهو المذهب ـ على أنَّه قال: إن لم نجد في جهة إلَّا غير العدول. أقمنا أصلحهم، وأقلهم فجورًا للشهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم، لئلا تضيع المصالح، وتتعطَّل الحقوق والأحكام، وما أظن أنَّه يخالفه أحد في هذا، فإنَّ التكليف مشروط بالإمكان، وإذا جاز نصب الشهود فسقةً، لأجل عموم الفساد، جاز التوسع في الأحكام السياسية، لأجل كثرة فساد الزمان وأهله، وقد قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية، بقدر ما أحدثوا من الفجور(3).
قال القرافي: ولا نشكُّ أنَّ قضاة زماننا وشهودهم وولاتهم وأمناءهم لو كانوا في العصر الأول، ما وُلُّوا ولا عُرج عليهم!
وولاية هؤلاء في مثل ذلك العصر فسوق؛ فإنَّ خيار زماننا هم أراذل ذلك الزمان، وولاية الأراذل فسوق، فقد حَسُن ما كان قبيحًا، واتسع ما كان ضيقًا، واختلفت الأحكام باختلاف الأزمان(4).
وخامسها: أنَّه يعضد ذلك من القواعد الشرعيَّة، أنَّ الشرع وسَّع للمرضع في النجاسة اللاحقة لها من الصغير ممَّا لم تشاهده، كثوب الإرضاع، ووسع في زمان المطر، في طين المطر، كما ذكره محمَّد في طين بخارى، على ما فيه من القذر والنجاسة، ووسَّع لأصحاب القروح في كثير من نجاستها، ووسع لصاحب البواسير في بللها، وجوز الشارع ترك أركان الصلاة وشروطها إذا ضاق الحال، كصلاة الخوف ونحوها، وذلك كثير في الشرع، ولذلك قال الشافعي: ما ضاق شيء إلَّا اتَّسع(5)، يشير إلى هذا الموطن، فكذلك إذا ضاق علينا الحال، في درء المفاسد، اتَّسع كما اتَّسع في تلك المواطن»(6).
ومن هنا نقول: إنَّ من واجبات الحكومة المسلمة أن تنظم علاقات النَّاس على أسس سليمة، فتضع من الأنظمة والقوانين ما يحقِّق العدل ويرفع الظلم، ويشيع الطمأنينة والاستقرار بين النَّاس، ويزيل أسباب النزاع والخصام من بينهم، وفقًا لما أوجبه الشرع من إقامة المصالح، ودرء المفاسد عن الخلق. ولا يجوز أن تنحاز الحكومة لفئة من المجتمع ضدَّ أخرى؛ بل يكون عدلها للجميع.
هذه وظيفة أولي الأمر، وهذا هو واجبهم الَّذِي تحتِّمه السياسة الشرعيَّة، بمفهومها الواسع الَّذِي تحدَّثنا عنه في فتوانا عن جواز «تحديد أجور العمال» إذا اقتضته المصلحة، فإقامة العدل بين النَّاس من أعظم الغايات الَّتي أرسل الله الرسل لتحقيقها، وأنزل الله بها الكتب، يقول تعالى في سورة الحديد:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾[الحديد: 25].
لقد أمر الله 8 بالعدل، ومن أسمائه الحسنى «الحكم العدل» فكل ما يحقق العدل بين النَّاس، وكل ما يزرع المحبة والطمأنينة والثقة بينهم، أمر يحبُّه الله، ويأمر به دينه وشريعته، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ﴾[الأعراف: 29]، ومن واجب الدولة المسلمة أن تحرص عليه وتتحرى إقامته في البلاد.
ومن واجب الرعية أن يطيعوا هذا الأمر، ويسمعوا له، فالدين يأمرهم بهذا، فقد خاطب الله تعالى المؤمنين بقوله:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾[النساء: 59].
وطاعة أولي الأمر إنَّما تكون في المعروف، وفيما ليس معصية، ذلك لأنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والقانون الصادر من أجل مصلحة المجتمع، ومن أجل إقامة الحق والعدل فيه؛ فهذا يجب طاعته دينًا، ومن خالفه، شأنه شأن من خالف أي أمر من أوامر الدين.
ومن هنا جاء في الحديث الصحيح المتَّفَق عليه، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ : «السمعُ والطاعةُ حقٌّ على المرءِ المسلم فيما أحبَّ وكره؛ ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة»(7).
فانظر هنا إلى قول النبيِّ ﷺ : «فيما أحبَّ وكَرِهَ».
فإنَّ بعض النَّاس يسمع ويطيع إذا كان الأمر في مصلحته. أمَّا إذا تعارض مع مصلحته وأهوائه الشخصيَّة، فإنَّه يعصي أو يتحايل على القانون؛ ليفلت من قيوده المنصوص عليها، وكأنَّه يريد من القوانين أن توافق هواه دائمًا، وألَّا تتعارض مع مصلحته الخاصة في بندٍ من بنودها.
إنَّ مصالح النَّاس ورغباتهم كثيرًا ما تتعارض وتتضارب، ومهمة ولي الأمر هي المحاولة للتوفيق بين المصالح، والموازنة بين المنافع والمضار، فالقانون الَّذِي يحقق منفعة لأكبر عدد من النَّاس هو الَّذِي يتفق مع العدل، ولذلك كان سيدنا عمر وغيره من الصحابة يفعلون هذا بحكم السياسة الشرعيَّة، ويبتغون دائمًا تحقيق المصلحة لأكبر عدد من الناس.
فمثلًا رأى عمر أنَّ الذبائح أقل من حاجة المستهلكين، فمنع الجزارين أن يذبحوا في يومين متتاليين، لتتوافر الذبائح في بقيَّة الأيام، فولي الأمر من حقِّه أن يُقيِّد بعض المباحات إذا كان في ذلك مصلحة راجحة، ومن هنا كان عمر يذهب بنفسه إلى مجزرة الزبير بن العوام، ويراقب ليتأكد أنَّ أحدًا لم يذبح في اليوم الَّذِي يحظر فيه الذبح(8)، ذلك من أجل أن تتوافر اللحوم في الأيام الأخرى.
وهكذا نجد أنَّ القوانين الَّتي تُسَنُّ لتحقيق مصالح النَّاس، ولتحفظ بينهم الأمن والاستقرار: يجب طاعتها والعمل بمقتضاها.
أمَّا أن يأتي بعض النَّاس ويقول: أنا حرٌّ في ملكي، أتصرف فيه كما أشاء، ولو أدَّى ذلك إلى مخالفة القانون، هذا بطبيعة الحال خطأ؛ فالإنسان ليس حرَّ التصرف بحيث يفعل في ماله ما يشاء، ولعلَّ هذه هي النظرية الَّتي قالها قوم «شعيب» حينما قال لهم: ﴿أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[هود: 85]. فقالوا له حينئذٍ:﴿يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾[هود: 87].
وظاهر أنَّ منطقهم منطق أعوج، وهذه هي الرأسمالية الباغية، الَّتي تعطي لصاحب المال الحرية المطلقة للتصرف في ماله كما يشاء. أمَّا الإسلام فغير هذا تمامًا.
فالحقيقة أنَّ الإنسان مستخلف في ماله، وهذا أساس فكرة الاستخلاف في الاقتصاد الإسلامي، ومفادها أنَّ الإنسان ليس مالكًا حقيقيًّا للمال، فالمال مال الله، وإنَّما هو مستخلف فيه، يعني أنَّه وكيل فيه، استخلفه الله ووكَّله على هذا المال، ليرعاه وينفق منه في الوجوه الشرعيَّة، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾[الحديد: 7]. فالمال حقيقة مال الله، كما قال تعالى:﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ﴾[النور: 33]، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم﴾[آل عمران: 180].
مَنْ الَّذِي خلق المال؟ مَنْ خلق مادته وهيَّأه للانتفاع به؟ إنَّه الله!
إذا زرعت زرعًا، فمن الَّذِي أنبته؟ ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾[الواقعة: 64]. من الَّذِي فجَّر الماء من الأرض ينبوعًا، أو أنزله من السماء أمطارًا؟ مَنْ الَّذِي جعل النبتة في الأرض تأخذ مقادير معينة محددة من الغذاء والأملاح، فتكون هذه حلوة، وهذه مرة، وهذه مالحة؟ إنَّه الله.
كذلك إذا كنت تاجرًا، من الَّذِي سخَّر الرياح تجري في الأرض، والفلك تجري في البحار، ومن الَّذِي سخَّر النَّاس ليشتروا منك ويبيعوا لك؟ إنَّه الله!
وهكذا، فالمال والأسباب الَّتي يأتي عن طريقها المال، كلها من الله، وبتسخير منه سبحانه.
إنَّ المال ـ باعتبار الأصل ـ هو مال الله. وادعاء الإنسان بأنَّ المال ماله هو ادعاء باطل.
وهو باعتبار آخر مال الجماعة أيضًا؛ فقد أسهمت الجماعة كلها ولا شك في تكوينه وتنميته، بجهود مباشرة وغير مباشرة، منهم من ساهم من قريب، ومنهم من ساهم من بعيد. والمرء وحده لا يستطيع أن يزرع ولا أن يصنع، ولا أن يتاجر، فلولا المجتمع ما كان الفرد. ومن هنا نفهم سرَّ إضافة الأموال إلى جماعة المخاطبين في قوله تعالى في سورة النساء:﴿وَلَا تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا﴾[النساء: 5].
أي إذا كان هناك سفيه، يتصرف في المال بغير وعي وبغير عقل، يبعثره ذات اليمين وذات الشمال، فهذا يجب أن يُحجر عليه، فلا يُعطى ماله. ولكن حينما يعبِّر القرآن عن هذا المعنى قال: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾. مع أنَّ العقود الرسمية تنصُّ على أنَّها «أموالهم» ولكن المعنى المراد: أنَّها أموال الجماعة المسلمة؛ لأنَّ السفيه إذا بدَّد ماله؛ فإنَّما يبدد مال الجماعة كلها، والضرر لا يعود على الشخص وحده؛ بل يشمل المجموعة من حوله ومن ورائه.
ومن هنا كانت عناية الإسلام بالأموال، فالذي يقول: إنَّ هذا مالي وأنا حرٌّ فيه، ولا أحد يقيدني. مخطئ فيما يقول، وهو يرتكب حرامًا إذا خالف هذا القانون؛ لأنَّه صاحب قوة أو صاحب نفوذ؛ بل عليه أن يطيع القانون، ويمتثل لأمر الدولة في هذا الشأن؛ لأنَّه من الطاعة المعروفة.
أذكر هنا حادثة حكيت لي، وهي أنَّ أحد الأثرياء قِيل له: إنَّ هذا القانون صدر حمايةً للضعفاء، ورعايةً للفقراء، فغضب وقال: ما لنا وما للفقراء؟ إذا كان الله لا يغنيهم، فهل يطلب منَّا أن نغنيهم؟!
وهذا منطق عجيب، إنَّه منطق الكفار والمشركين الَّذِي حكاه القرآن عنهم في سورة «يۤس» يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ﴾[يسۤ: 47]، إنَّه الكلام نفسه والمنطق نفسه، ولهذا يعقِّب الله على قولهم فيقول: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[يسۤ: 47]. أي من قال هذا فهو في ضلال؛ لأنَّه عمي عن السنن الكونية الَّتي وضع الله عليها هذا الكون، إنَّ الله يرزق النَّاس بعضهم من بعض، وهناك شبكة من الأسباب والمسببات قام عليها هذا الوجود. فكون بعض النَّاس يعتقد أنَّه حرٌّ في ماله يفعل كيف يشاء به، هذا خطأ شنيع، وبخاصة إذا كان هؤلاء ـ كما ورد في السؤال ـ يصومون ويصلُّون ويحجُّون ويعتمرون!
هذا للأسف هو الفهم المغلوط للدين، وهو أنَّ الإنسان يأخذ من الدين ما يوافق هواه، ويرفض ما لا يوافق هواه، وهو الَّذِي يحج ويعتمر متطوعًا: ألا ينفق الكثير من ماله لأداء الحج والعمرة؟ فلماذا يبخل بعد ذلك في مساعدة أخيه المسلم، ويرفض تنفيذ قانون دولته، إذا كان هذا القانون يحمي الفقير، فيلجأ المالك إلى طرد المستأجر من بيته؛ لأنَّه أقوى منه مالًا ونفوذًا، هذا لا يجوز! وهذا يستدعي الشكَّ في تدين هؤلاء، إنَّ مثل هذا التديُّن غالبًا ما يكون مغشوشًا مدخولًا، ويدخله الرياء والعياذ بالله.
إنَّ الواحد من هؤلاء تراه يصلي ويصوم ويحج ويعتمر، ثمَّ لا يتورع عن ارتكاب الحرام، وعند العدل بين الخلق تجده يميل ميزانه ويمشي مع هواه، ويتبع خطوات الشيطان، ألا يكون مثل هذا فتنة للآخرين، ومبررًا للتهجم على الدين وأهله؟!
إنَّ الدين يأمر بحسن المعاملة، حتَّى اشتهر بين المسلمين أنَّ «الدين المعاملة» وهذا يقتضيك ألَّا تظلم أحدًا؛ بل أن تحاول الإحسان إلى غيرك من الناس.
إنَّ الَّذين يخالفون القانون الَّذِي يحفظ الحقوق ويقر العدل ويقيم ميزانه هؤلاء يعتبرون شرعًا مخالفين للدين نفسه؛ لأنَّ الدين يأمر بطاعة مثل هذه القوانين التنظيمية؛ ما دامت بالمعروف، وفي غير معصية.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(1) معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، صـ 176، نشر دار الفكر.
(2) سبق تخريجه صـ 324.
(3) ذكره أبو الوليد الباجي في المنتقى بشرح الموطأ (6/140).
(4) الذخيرة للقرافي (10/46).
(5) الأشباه والنظائر للسبكي (1/49)، نشر دار الكتب العلمية، ط 1، 1411هـ ـ 1991م.
(6) معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام (1/176، 177).
(7) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الأحكام (7144)، ومسلم في الإمارة (1839).
(8) ذكره ابن المبرد الحنبلي في محض الصواب (1/377)، تحقيق عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، نشر عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبويَّة المنورة، ط 1، 1420هـ ـ 2000م.