الإسلام والتجارة

❓ الإسلام والتجارة

📅 2026-06-22 👁 149 مشاهدة

نص السؤال:

هل صحيح أنَّ الدين يكره التجارة؟ وهل هناك حديث نبوي يدل أو ينصُّ على أنَّ التجار يُبعثون يوم القيامة فُجَّارًا؟ وهل هذا ينطبق على التجار الَّذين يتجرون بالأشياء المباحة ويربحون ربحًا حلالًا؟
أرجو توضيح ذلك بالتفصيل، وشكرًا.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا السؤال يمسُّ قضية مهمة، وبخاصة في هذه الأيام.
إنَّ الإسلام لا يكره التجارة؛ فإنَّها وسيلة من وسائل الكسب المشروع، حتَّى إنَّ القرآن يطلق عليها وصفًا جميلًا، يقول: ﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ [المزمل: 20]. فسمَّى طلب الرزق عن طريق التجارة ابتغاءً من فضل الله. ويقول أيضًا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]. وهذه الآية نزلت في موسم الحج، أي حتَّى في أثناء الحج يجوز للإنسان أن يبيع ويشتري، وقد كان المسلمون يتحرَّجون من ذلك قبل نزول الآية، ولكنَّ هذه الآية رفعت عنهم الحرج، وأباحت لهم التجارة في هذا الموسم العظيم.
ويقول تعالى في شأن صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ[الجمعة: 10]. يقول سيدنا عمر: ليس هناك مكانٌ أحبُّ أن يأتيَني الموتُ فيه بعدَ الجهاد في سبيل الله، إلَّا أن أكون في مَوْطِنٍ أتسوَّق فيه لأهلي أبيع وأشتري(1). وأخذ هذا من قول الله تعالى:﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ[المزمل: 20].
فالتجارة ليست منكرة ولا مكروهة في الدين.
لقد امتنَّ الله على قريش أن كانت لهم تجارة في الشتاء والصيف، يرتحلون من أجلها إلى الشام واليمن. يقول تعالى: ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ ١ إِۦلَٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ ٢ فَلْيَعْبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ ٣ ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍۢ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ[قريش: 1 ـ 4]. وقال تعالى:﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًۭا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍۢ رِّزْقًۭا مِّن لَّدُنَّا[القصص: 57].
وقد كان من أصحاب النبي تجار معروفون، مثل عبد الرحمٰن بن عوف، الَّذِي هاجر من مكَّة إلى المدينة ولم يكن معه شيء من مال أو متاع، فآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: يا أخي إنِّي من أكثر النَّاس أموالًا فتعال أشاطرك مالي، وعندي زوجتان انظر إلى أوقعهما في قلبك أطلقها لك، فإذا استوفت عدتها تزوجتها، وعندي داران، تسكن إحداهما وأنا أسكن الأخرى!
هذا الإيثار العظيم من سعد بن الربيع، قابله عفاف وترفُّع من عبد الرحمٰن بن عوف؛ فقال له: يا أخي، بارك الله لك في مالك وفي أهلك وفي دارك، إنَّما أنا امرؤ تاجر، فدلُّوني على السُّوق(2). فدلوه على السوق؛ فباع واشترى وعمل بالتجارة، حتَّى فاق اليهود فيها، وجمع ثروة ضخمة، حتَّى إنَّه حينما مات صولحت إحدى نسائه ـ وكن أربع نسوة ـ على ربع الثمن؛ فكان نصيبها ثمانين ألف دينار(3)، أي أنَّ هذا المبلغ كان يساوي (1/32) من التركة، ولا ننسَ القدرة الشرائية للدينار في ذلك الوقت.
وكل هذا من التجارة، ولعلنا نعلم أنَّ عبد الرحمٰن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، فلو كان في التجارة حرج وإثم؛ ما كان عبد الرحمٰن بن عوف من المبشرين بالجنة، فالتجارة إذن لا شيء فيها.
إلَّا أنَّ التجارة ينبغي أن يكون الإنسان فيها على حذر؛ لأنَّ فيها أشياء إذا قارفها ولم يتجنَّبها يمكن أن تجرَّه إلى سخط الله وإلى نار الجحيم، والعياذ بالله.
ولهذا جاء في الحديث: «إنَّ التُّجَّار يُبعثون يومَ القيامةِ فُجَّارًا، إلَّا من اتَّقى الله وبرَّ وصدق»(4). فالبر والصدق والتُّقى منجاة للتاجر من النار يوم القيامة. وقد جاء في حديث آخر: «ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة». وذكر الرسولُ منهم: «المُنَفِّق سلعتَه بالحَلِفِ الكاذب»(5).
وقد جاء في حديث آخر عن التُّجار: «إنَّهم يُحدِّثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون»(6). وجاء في حديث آخر: «ثلاثةٌ لا ينظر اللهُ إليهم يومَ القيامة ولا يزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ» منهم: «ورجلٌ جعل اللهَ بضاعته، لا يشتري إلَّا بيَمِينِه، ولا يبيعُ إلَّا بيَمِينِه»(7).
فهذا الَّذِي يتاجر باسم الله، ولا يتورَّع أن يجعله بضاعةً يحلف به كاذبًا ويُغلظ الأيمان في كل بيع وفي كل شراء، يرتكب إثمًا عظيمًا، ولا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا ينال شيئًا من رحمته تعالى.
إنَّ اسم الله ينبغي أن يُجَلَّ ويُقدَّس ولا يُبْتَذل،﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ[البقرة: 224]. فما بالك إذا استعمله التاجر في الحلف الكاذب؟ وقصده من ذلك ترويج بضاعته؛ ولو بالغش والخداع والباطل.
هذه آفة التجارة: ألَّا يبالي التاجر إلَّا بالكسب؛ حلالًا كان أم حرامًا، فإن كان كذلك اندرج تحت الحديث الَّذِي ذكرناه آنفًا، فكان من الفجار يوم القيامة.
أمَّا التاجر الَّذِي يستحق مرضاة الله، وينجو من الآفات الَّتي يقع فيها معظم التجار، فهو التاجر الَّذِي تتوفر فيه هذه الشروط:
أولًا: أن يتاجر في المباح، ولا يتاجر فيما يحرم شرعًا.
فالأشياء الَّتي حرَّمها الإسلام، كالخمر والخنزير، لا يصح للتاجر المسلم أن يتاجر بشيء من ذلك. حتَّى ولو باعها لغير مسلم، فالنبي ! لعن في الخمر عشرة: عاصَرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيَها وبائعها، وآكل ثمنها(8). فكلُّ من شارك فيها بجهد ما: فهو ملعون على لسان محمَّد .
وقد جاء رجل إلى النبيِّ ومعه قربة مملوءة خمرًا ليهديها إليه، فقال له ! : «إنَّ اللهَ قد حرَّم الخمر». قال له: إذن أبيعها! قال: «إنَّ الَّذِي حرَّم شربها حرَّم بيعَها». قال: إذن أكارم بها اليهود! ـ أي يهديها لهم مجاملة ـ فقال: «إنَّ الَّذِي حرَّم بيعها وشُرْبَها حرَّم أن تكرم بها اليهود». قال: فماذا أصنع بها؟ قال: «اذهب فشُنَّها على البطحاءِ»(9). أي: صُبَّها وأهرق ما فيها على الطريق.
ومن هنا نعلم بأنَّ صناعة الخمر، واستيرادها، وتصديرها، والتجارة فيها، وكل ما يتعلق بها فهو حرام.
فالأمر الأول هو ألَّا يتاجر المسلم في محرَّم.
ثانيًا: ألَّا يغشَّ ولا يخونَ، فقد قال النبيُّ : «من غشَّ فليس منَّا»(10).
ثالثًا: ألَّا يحتكر؛ لأنَّ الاحتكار حرام، فالنبيُّ يقول: «لا يحتكرُ إلَّا خاطئ»(11).
وهذا يتناول كل بضاعة أو سلعة يحتاج إليها المسلمون، من قوت أو غير قوت. ووصف المحتكر بأنَّه خاطئ ليس أمرًا هينًا، فالله سبحانه وصف فرعون وهامان وجنودهما بأنَّهم كانوا خاطئين:﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَٰطِـِٔينَ[القصص: 8].
رابعًا: ألَّا يحلف كاذبًا؛ بل يتجنَّب أن يحلف حتَّى ولو صادقًا بقدر الإمكان، وقد سمَّى النبي اليمين الكاذبة باليمين الغموس، أي أنَّها تغمس صاحبها بالإثم في الدنيا، وبالنار في الآخرة، ولا ينظر الله إلى صاحبها يوم القيامة وهي تترك الديار «بلاقع»(12)، وتخرب البيوت، والعياذ بالله.
خامسًا: ألَّا يغلي الأسعار على المسلمين؛ كأن تحدد الحكومة السعر، ويزيد التاجر على التسعيرة، أو يستغل حاجة المسلمين إلى السلعة فيرفع ثمنها عليهم؛ ليربح أرباحًا فاحشة أكثر ممَّا يجوز.
لقد رفعت الحكومة رواتب الموظفين بنسب معينة، لتواجه حالة الغلاء وموجة ارتفاع الأسعار؛ ولكنَّ التجار يستغلون ذلك، ويزيدون الأسعار في مقابل تلك الزيادة في الرواتب؛ بلا مبرِّر ولا سبب لرفع السعر، سوى الجشع والرغبة في الإثراء السريع من غير طريقه الصحيح.
إنَّ رفع الأسعار على المسلمين بهذه الطريقة يعتبر جريمة؛ لأنَّه يسبِّب ضيق الحياة على النَّاس، وكثير من النَّاس دخلهم ضئيل وأحوالهم المعيشية سيئة، ولهذا روى معقل بن يسار عن النبيِّ  ، وهو في مرض موته، حيث قال للناس من حوله: أجلسوني حتَّى أحدثكم عن رسول الله  . فأجلسوه فقال: سمعت رسول يقول: «من دخل في شيءٍ من أسعار المسلمين ليُغْلِيَه عليهم: كان حقًّا على اللهِ أن يُقْعِدَه بعُظْم من النارِ يومَ القيامة» فقيل له: أسمعتَ هذا من النبيِّ  ؟ قال: غير مرَّة ولا مرَّتين(13). أي أنَّه ! كرَّر ذلك مرارًا، لعظم خطر هذا الأمر.
ليقنع التجار بالكسب المعقول، لماذا يكسبون مائة بالمائة؟ ألا يكفي ربح عشرين بالمائة أو خمسة عشر؟ لمَ الجشع ولمَ الطمع؟ ولمَ الربح الفاحش؟ ألا يكون ذلك على حساب المستهلك المسكين، اربح قليلًا وبِع كثيرًا أفضل!
أمَّا أن تحاول أن تجمع الدنيا بين يديك، وتظن أنَّ كل ما تجمعه حلال، فهذا خطأ، إنَّ الإسلام جاء بالعدل، فإذا لم يحدد نسبة الربح، فإنَّه ينبغي مراعاة روح العدل الَّتي جاء بها ودعا إليها. والعدل أمر فطري.
سادسًا: ينبغي أن يحرص التاجر الَّذِي يريد إرضاء ربه على أن يزكي ماله، فيُقوِّم بضاعته كل عام، ويزكيها بنسبة ربع العشر: أي 2.5 %.
ويدخل في ذلك الأموال السائلة، والسلع التجارية الَّتي عرفت قيمتها، أمَّا الأشياء الثابتة كالمباني والموازين والمكاتب وما إلى ذلك؛ كالثلاجات الَّتي تحفظ فيها بعض السلع، هذه الأشياء لا تدخل في حساب الزكاة. وإنَّما الَّذِي يدخل فيها النقود والبضائع المتداولة المعدَّة للبيع ـ كما قلنا ـ والَّتي تسمَّى «عروض التجارة» وكذلك الديون المرجوة له.
أمَّا الديون الَّتي عليه فإنَّه يقتطعها ويحسبها من المبلغ الَّذِي سوف يزكيه، والباقي يدفع عنه الزكاة بالنسبة الَّتي ذكرتها آنفًا، وهي تعادل خمسة وعشرين ريالًا في كل ألف ريال، و25 ألفًا في كل مليون. ولا يستكثر بعض النَّاس من أصحاب الملايين هذا المبلغ المفروض في أموالهم، ولا يتركوا للشيطان مجالًا للوسوسة وللأمر بالفحشاء، وللتخويف من الفقر،﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا[البقرة: 268]، ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ[سبأ: 39].
سابعًا: يجب على التاجر المسلم ألَّا تشغله تجارته عن واجباته الدينيَّة: عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعن الحج، وعن بر الوالدين، وعن صلة الأرحام، وعن الإحسان إلى النَّاس، وعن حقوق الأخوة في الإسلام، وحقوق الجيران.
وهذا التذكير يوجَّه للتجار خاصة؛ لأنَّ الغالب أن يستغرق التاجر في المادة، ويعيش في دوامة الأرقام والحسابات، ولا يفكِّر صباحه ومساءه إلَّا في الكسب والمرابح، وما دخل خزانته وما خرج منها، وهذه هي الخطورة؛ ومن هنا قال النبيُّ : «التاجرُ الصدوقُ مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء»(14).
هذا التاجر الَّذِي يلتزم الأمانة والصدق في بيعه وفي شرائه، وفي سائر معاملاته، يكون يوم القيامة مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء.
وقد ورد في حديث آخر: «الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يُخْلِفوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يَمْدَحوا، وإذا اشتروا لم يذمُّوا، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُمَاطلوا»(15).
هذه صفات التجار الَّذين يستحقون أن يكونوا في رفقة النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة، وحسن أولئك رفيقًا، إنَّهم لا تلهيهم تجارة، ولا يشغلهم بيع عن ذكر الله، كما وصف الله المؤمنين من عباده بقوله:﴿رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ ٣٧ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ[النور: 37، 38].
فالتاجر الَّذِي لا تلهيه تجارته عن واجباته الدينيَّة، الَّذِي يزكي ماله، والذي يلتزم حدود الله 4 ، ولا يكون فيه الجشع الَّذِي يدفعه إلى احتكار السلعة أو إغلاء الأسعار على المسلمين، أو الغش أو الحلف كاذبًا، أو التعامل ببيع الحرام، التاجر الَّذِي يلتزم حدود الله، ولا يخرج عنها: يكون يوم القيامة مع الصِّدِّيقين والشهداء.
وكل تاجر يستطيع أن يكون كذلك، ولكن للأسف «قليل ما هم» فإنَّ الإنسان قلَّما يتذكر واجباته الدينيَّة، ويقنع بالحلال، ولا يتطلع إلى الحرام والإثراء على حساب الآخرين.
نسأل الله 8 أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمَّن سواه.
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية