تمويل الاكتتاب في مصرف الريان الإسلامي

❓ تمويل الاكتتاب في مصرف الريان الإسلامي

📅 2026-06-22 👁 199 مشاهدة

نص السؤال:

فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله.
الحمد لله على سلامتكم بعد أن منَّ الله عليكم بالشفاء، وخرجتم من المستشفى بعد عملية عانيتم منها كثيرًا، والأُمَّة كلُّها تدعو لكم بتمام العافية ودوام الصحة.
سمعنا أنَّكم أجزتم للبنوك الإسلاميَّة أن تموِّل الاكتتاب في «مصرف الريان» الإسلامي الجديد، فمن لم يكن لديه مال يذهب إلى البنك الإسلامي يطلب منه المال الَّذِي يريد، ويرده عليه بعد مدة بزيادة، فهل ما سمعناه صحيح؟
أحد طلاب العلم لشرعي
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لم أفتِ بذلك قط، وما يكون لي أن أفتي به؛ لأنَّه ضدُّ منهجي الإسلامي في فهم الشريعة: أنَّها ليست مجرد ألفاظ وأشكال، بل كل أحكام الشريعة ـ ما عدا التعبدي المحض منها ـ معلَّلة، ولها مقاصد وأهداف، فيما تحلِّل وفيما تحرِّم، وفيما توجب وفيما تستحب. وقد كتب المحققون من فقهاء الأمة ضدَّ الحيل، وأنَّها تنافي مقاصد الشريعة.
وقد أصبح علم «مقاصد الشريعة» موضع اهتمام كل العلماء والباحثين، وتُقام له المراكز، وتُرصد له الجوائز، وأنا من أول المعنيين بهذا الأمر، فكيف أعود عليه بالإبطال، وأجيز التحايل على الشريعة بصورة أو بأخرى، وأجيز ما صنع اليهود من قبل؛ حين وضعوا الشباك يوم الجمعة، ليسقط السمك فيها يوم السبت، ثمَّ يصطادوه يوم الأحد؛ وهم ظاهرًا لم يفعلوا شيئًا في يوم السبت، الَّذِي حُرِّم عليهم فيه الصيد؟!
ومع هذا لعنهم الله على فعلتهم، وجعلهم قردة خاسئين، وكرَّر قِصَّتَهم في القرآن وخصوصًا سورة الأعراف؛ ليكونوا عبرة للمتحايلين على الله تعالى وعلى محارمه:﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ[الأعراف: 163].
وقد جاء في بعض الأحاديث: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهودُ، فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى الحِيَل»(1).
ورأيي أنَّ ما تحاول أن تفعله بعض البنوك الإسلاميَّة أصرح في استحلال الحرام ممَّا فعله اليهود.
وقد قال بعض السلف عن أصحاب الحيل: إنَّهم يخادعون الله، كما يخادعون الصبيان(2)!
ولطالما حملنا على السطحيِّين والحرفيِّين، الَّذين يقفون عند أشكال الشرع ولا ينفذون إلى جوهره، ويتمسَّكون بظواهره، ويغفلون مقاصده، وسمَّيناهم «الظاهرية الجدد»! الَّذين يميلون إلى التشدد في الشرع؛ ولعلَّ لهؤلاء عذرهم وأجرهم، وإن أخطؤوا الطريق. وها نحن نرى ظاهرية من نوع جديد، ظاهرية تنفلت من أحكام الشرع بالحيل!
والذي أنصح إخواني المسلمين به: أنَّ من كان معه مال فليكتتب به كله أو بعضه، ومن ليس عنده مال؛ فليقنع بما آتاه الله، ولا يورِّط نفسه في حرام، ولا شبهة حرام، وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ[الطلاق: 2، 3]. وخصوصًا أنَّ هذا الأمر ليس من الضروريَّات ولا من الحاجيَّات، بل من التوسُّعات. والله تعالى يبارك في القليل من الحلال، ما لا يبارك في الكثير من الحرام.
كما أنصح المصارف الإسلاميَّة ومفتيها: أن يقفوا عند حدود الله ويتَّقوا الشبهات، «فمن اتَّقى الشُّبُهات، فقد استبرأ لدِينِه وعِرْضه»(3)، ويبتعدوا كل الابتعاد عن كل إقراض بالفائدة وما يشبهه.
وأنصح رجال الإدارة والاستثمار في المصارف الإسلاميَّة: أن يتَّقوا الله في أنفسهم وفيما ائتمنوا عليه، وألَّا يورِّطوا علماء الشرع بالضغط والإحراج، ليوجدوا لهم حيلًا تبيح كل محظور، وأن يتخلوا عن اعتقادهم أنَّ الشرعيِّين قادرون على استخراج هذه الحيل إذا اشتد الضغط عليهم، فالحلال بيِّن والحرام بيِّن، وفي الحلال ما يُغني عن الحرام.
وعلى الشرعيِّين ألَّا يستجيبوا لهذه الضغوط، وأن يعتصموا بالمحكمات، ولا يركضوا وراء المتشابهات. فليس هذا من شأن الراسخين في العلم.
إنَّني أخشى على البنوك الإسلاميَّة أن تفقد مصداقيتها إذا أرادت أن تنافس البنوك التقليدية في كل ما تصنعه؛ فلماذا كانت هذه إسلاميَّة، وتلك غير إسلاميَّة؟
بل إنَّني أرى أنَّ الَّذِي يذهب إلى البنك التقليدي، ليأخذ منه قرضًا بفائدة معلومة: أقرب إلى السلامة من المستقرضين من البنك الإسلامي؛ لأنَّ الأول صريح مع نفسه، يعلم أنَّه ارتكب حرامًا، وأمَّا الثاني فهو يخدع ربَّه، ويتلاعب بدينه، أو هكذا يزين له سوء عمله بعض المفتين، فيراه حسنًا.
ولكن من المتفق عليه: أنَّ الأمور بمقاصدها، وحسْبنا الحديث النبويُّ الشريف: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»(4).
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية