2026-06-22
127
العمل في البنوك غير الإسلاميَّة
أنا أحد آلاف العاملين في البنوك التقليدية غير الإسلاميَّة، وقد تضاربت الفتاوى في حكم من يعمل في هذه البنوك من أبناء المسلمين، وأرجو من فضيلتكم بيان الفتوى الشرعيَّة في هذا الموضوع، وخصوصًا حكم الشرع في الأمور التالية:
أولًا: الأموال الَّتي يتقاضاها العاملون في هذه البنوك، وتصرف في مجالات كثيرة، ومنها الإنفاق على النفس، وعلى الأهل، والزوجة والأقارب والأولاد، والمأكل والمشرب والملبس.
ثانيًا: الحج والعمرة من هذه الأموال، وهل يعتبر الحج باطلًا إذا كان من هذا المال؟
ثالثًا: في حالة البحث عن عمل آخر، قد تعلم إدارة البنك بذلك، وقد يكون الموظف عُرضة لإنهاء خدماته، قبل أن يجد العمل المناسب، وبذلك يتسبَّب في حرمان نفسه وأسرته من العيش الكريم، وللعلم فإنَّ الرواتب الَّتي تصرفها هذه البنوك على الموظفين تكاد تكون الأعلى، ولا توجد مؤسسة أو شركة تستطيع أن تصرف نصف هذه الرواتب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
شكر الله للأخ الَّذِي يحاول أن يستفسر عن الحلال والحرام، فيما يتعلَّق بمعيشته، هل الراتب الَّذِي يأخذه من هذه البنوك التقليدية غير الإسلاميَّة الَّتي تتعامل بالفوائد الربويَّة أخذًا وعطاءً، وإقراضًا واستيداعًا: هل هي حلال أم حرام؟ وهل يجوز للإنسان أن يتعيَّش منها، ويعيِّش أولاده وأسرته منها، وينفق منها على حياته؟ وهل يجوز أن يحجَّ ويعتمر منها؟ إلى آخر أسئلة الأخ.
الزيادة المشروطة هي عين الربا:
الأصل في هذا ـ أيها الإخوة ـ أنَّ الإسلام يحرِّم الربا، والربا هو: كل مال يؤخذ على رأس المال مشروطًا بفائدة، كأن يعطي أحد النَّاس آخر مالًا أو قرضًا له، ويشترط عليه أن يردَّه بزيادة، وهذه مشروطة على رأس المال، فهذه الزيادة هي الربا؛ لأنَّ كلمة «رَبَا» أي: زاد، فهي زيادة على رأس المال، بدون مشاركة ولا مخاطرة.
الأصل أنَّ المال لا يلد المال، تضع ألف ريال أو ألف جنيه أو ألف دولار تبقى كما هي ألف دولار، إلَّا أن تعمل أو تشارك من يعمل، وإذا شاركت من يعمل تحمَّلت المخاطرة، فإذا كسب كسبت معه، وإذا خسر خسرت معه، هذا هو الأصل.
فالزيادة المشروطة هي الربا، والإسلام يحرِّم الربا؛ بل يجعله من أعظم المحرَّمات، ومن الكبائر والموبقات. والرسول ﷺ قال: «اجتنبوا السبعَ الموبقات»(1). وذكر منها: أكل الربا. والقرآن يقول عن الربا:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾[البقرة: 278 ـ 279].
الإسلام يحاصر المعصية:
فالربا من الكبائر المحرَّمة، وقد اشتدَّ الإسلام في تحريم كبيرة الربا، وبناءً على فلسفة الإسلام في حصار المعصية؛ بحيث تكون في أضيق نطاق، فكل ما أعان على المعصية، وكل عمل يؤدي إليها يحرِّمه الإسلام، ولذلك لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له(2).
ولعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه(3).
ويدخل في هذا: الموظف الَّذِي يعمل في البنوك الربويَّة؛ لأنَّه إمَّا سيدخل في كتابة عقود الربا، أو المساعدة على عمل الربا، فعمله إمَّا الكتابة مباشرة، وإمَّا المساعدة، ومن أجل هذا حرَّم العلماء من قديم العمل في البنوك الربويَّة؛ لأنَّ النتيجة أنَّه يساعد في عمل الربا، يساعد في المعصية، يساهم فيها بنصيب، وهذا ما يحرِّمه الإسلام.
نشأة البنوك الإسلاميَّة:
ولكن ـ طبعًا ـ هناك ظروف تقتضي نوعًا من التيسير والتسهيل على عباد الله، فقد جاء هذا الدين رافعًا للحرج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ﴾[الحج: 78]. وكما قال :﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾[البقرة: 185]. وكما قال 8 :﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا﴾[النساء: 28].
وهذا ما جعل بعض العلماء ينظر إلى الأمر نظرة واقعية، ويقول: إنَّ هذه البنوك ـ للأسف ـ فُرضت على المسلمين منذ عهد الاستعمار، أنشأها المستعمر حينما كان يتحكم في البلاد الإسلاميَّة، وأصبحت هذه البنوك هي عصب الحياة الاقتصادية، لا تقوم الحياة الاقتصادية إلَّا بها، ولذلك فكَّر بعض رجال العلم من أهل الشريعة وأهل الاقتصاد، ومعهم بعض رجال الأعمال والمال، بإقامة بنوك بغير ربًا، والَّتي سمَّيناها: البنوك الإسلاميَّة.
كانوا يقولون: لا تحلموا ببنوك إسلاميَّة، ولا يمكن أن تقوم بنوك بغير ربًا، فالمال عصب الحياة، والبنوك عصب الاقتصاد، والفوائد الربويَّة عصب البنوك، فلا يمكن إقامة بنوك بغير فوائد.
فقامت ـ والحمد لله ـ البنوك الإسلاميَّة، وثبت أنَّه يمكن إقامة بنوك بغير فوائد، ولكن ظلَّت البنوك الربويَّة هي القوة الاقتصادية الأولى، في عالمنا العربي والعالم الإسلامي.
ولي فتوى قديمة من حوالي خمسين سنة أفتيتُ بها لمن يبحث عن عمل، ولا يجد إلَّا العمل في البنوك، أنَّه في حاجة ـ والعلماء قالوا: الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة ـ فيعمل في البنك الربوي حتَّى تتفتح أمامه الأبواب، إذا كان يجد بابًا.
ولكن إذا كان الأمر كما قال الأخ السائل في رسالته: أنَّ هذه البنوك تعطي أعلى، ويكاد يكون ما تعطيه البنوك ضعف الشركات والمؤسسات الأخرى، وهو يبحث عن عمل براتب مماثل، فلا يجوز هذا!
بل عليه إذا وجد عملًا، وإن كان براتب أقل من راتب البنوك: أن يعمل في الحلال الصِّرف، ويبتعد عن الحرام، ومطلوب من المسلم أن يتَّقي الشبهات، «فمن اتَّقى الشُّبهاتِ استبرأ لدِينِه وعِرْضه، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه»(4). فما بالنا بالحرام المحض؟!
فكما يقولون: الشبهة تؤدي إلى الحرام، والصغيرة تجر إلى الكبيرة، والكبيرة قد تؤدي إلى الكفر ـ والعياذ بالله ـ ولذلك قال النبي ﷺ : «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»(5).
فالمطلوب من المسلم أن يتحرَّى الحلال، ويتَّقي الشبهات ما استطاع.
أمَّا إذا سُدَّت أمامه الأبواب، وانقطعت دونه الأسباب، ولم يجد إلَّا العمل في البنك، فيأكل من هذا المال، ويطعم منه أهله وأولاده، ويحج منه ويعتمر، ولا حرج في هذا إن شاء الله، وإن كان الأولى أن يحجَّ من مال لا شبهة فيه.
وعلى المسلم أن يسعى دائمًا أن يكون كسبه حلالًا لا ريبة فيه، وأن يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، ومن جدَّ في طلب شيء وصل إليه، قالوا: من جدَّ وجد، ومن زرع حصد، ومن سار على الدرب وصل، والله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2 ـ 3].
والحمد لله، فقد كثرت البنوك الإسلاميَّة الآن، بل البنوك الأجنبية رأت إقبال النَّاس على البنوك الإسلاميَّة، فعملت لها فروعًا إسلاميَّة في البلاد الإسلاميَّة.
فإذا استطاع الإنسان أن يخرج من البنك الربوي إلى البنك الإسلامي يكون هذا أولى به وأبعد عن الشبهات، ومن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
(1) سبق تخريجه صـ 408.
(2) سبق تخريجه صـ 134.
(3) سبق تخريجه صـ 815.
(4) سبق تخريجه صـ 29.
(5) سبق تخريجه صـ 832.