2026-06-22
147
الرشـوة
نعمل في مجال تسويق الأدوية البيطرية. وكثير من الأدوية يتم وصفها من خلال الطبيب البيطري المعالج، ولكي يقوم الطبيب البيطري بوصف دواء شركتنا يطلب واحدًا أو أكثر من الآتي:
1 ـ هدايا عينية ذات قيمة مالية مختلفة من طبيب لآخر، ومن منتج لآخر.
2 ـ نسبة مالية يتم الاتفاق عليها تتراوح ما بين 5 و10 % من قيمة المبيعات؛ تؤخذ أحيانًا جزءًا مقدَّمًا، والباقي بعد تمام البيع، وأحيانًا تؤخذ النسبة بعد تمام البيع كاملًا.
3 ـ «عزومات» في اجتماعات عامَّة للشركة لشرح المنتجات مع باقي الأطباء المعنيين، وأحيانًا «عزومة» خاصَّة لكل طبيب.
4 ـ إضافة إلى الزيارات البيعية من المندوب ومديري الشركة للطبيب ومعهم مواد الدعاية، مثل: النشرات والهدايا البسيطة مثل: الميداليات أو الحقيبة البسيطة، أو ساعة مكتب، أو مقلمة أو غيرها، مكتوب عليها اسم المنتج.
علمًا بأنَّ هؤلاء الأطباء رغم قلة عددهم إلَّا أنَّ تأثيرهم قويٌّ جدًّا جدًّا؛ لأنَّهم أطباء ذوو فاعلية عالية، ويشكِّلون في حجم العمل حوالي 70 ـ 80 % كما أنَّهم مؤثرون في غيرهم؛ بل ويتبعهم بعض الأطباء من الدرجة الأقل تـأثيرًا، ولذلك يطلبون البند رقم (2) أعلاه، وفي حالة رفضنا لا يكتبون الدواء الخاص بشركتنا، وكذلك وضعهم مع باقي الشركات ممَّا يترتب عليه الأضرار التالية:
1 ـ ركود الأدوية كمخزون لدينا.
2 ـ ركود رأس المال؛ حيث تم دفع قيمة الأدوية للشركة المصنِّعـة نقدًا، ممَّا يعرِّضنا نحن أصحاب شركات التوزيع للخسارة كرأس مال معطل.
3 ـ اقتراب مدة الصلاحية من الانتهاء ممَّا يهدِّد بإعدام كامل للكمية المتبقية والَّتي تصل أحيانًا إلى 70 % من إجمالي الكمية المشتراة؛ وذلك يشكِّل خسارة فادحة لرأس المال.
4 ـ إحباط المندوبين وفريق التسويق لإحساسه بعدم القدرة على البيع؛ ممَّا يجعله يستسلم ولا يقدر على العمل، وغالبًا ما يفكر في الانتقال لشركة أخرى تتيح بند الاتفاقيات مع الأطباء (البند رقم 2) ممَّا يسبِّب خسارة أخرى للشركة؛ حيث إنَّ تدريب وتجهيز المندوبين يكلِّف الشركة كثيرًا، ويعرِّض المنطقة لأن تكون شاغرة بدون دعاية أو بيع، ممَّا يسبب فقد كثير من العملاء وتعرض الديون لأن تكون معدومة.
5 ـ نتيجة انخفاض المبيعات لا تعطى فرصة للشركة لأن تعطي حوافز للمندوبين أو الزيادة في المرتبات، ممَّا يشعر المندوب بقلة الدخل، ولا يكون لديه حافز لمزيد من الجهد، ويستمر في العمل بطريقة «على قدر فلوسهم» حتَّى يجد الفرصة الأفضل.
6 ـ إضاعة فرص عمل لكثير من الشباب الملتزم، والذي يتعرَّض للبطالة مثل غيره، حيث إنَّ تشغيل الشباب الملتزم من الأهداف الرئيسية لإنشاء هذه الشركة.
7 ـ يؤدي لعرقلة نمو الشركة، فلا يستطيع إضافة منتجات أخرى لتنافس بها في السوق؛ ممَّا قد يهدِّدها بالتوقف والشلل التام.
علمًا بأنَّ الشركة تبيع أدوية سليمة وصحية، ومسجلة في وزارة الصحَّة أو الزراعة، وبالجرعة المحددة، دون مبالغة في ذلك، ومن دون مبالغة في السعر أو الربح.
نأمل من سيادتكم الفتوى، وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا الموضوع يكثر السؤال عنه في هذا الزمان، ولا سيَّما من الأفراد والشركات الَّذين يحبُّون أن يتحروا الحلال، ويتجنبوا الحرام، فلا يدخل خزائنهم درهم من حرام، ولا يدخل بطونهم لقمة من حرام.
يسأل التجار والشركات والمنتجون الَّذين لا يستطيعون أن يسوِّقوا ما عندهم من سلع، إلَّا بأن يدفعوا قليلًا أو كثيرًا «للوسطاء» الَّذين تمرُّ من بين أيديهم كل القرارات الَّتي تختص بشراء مثل هذه الأشياء؛ فمن دفع أخذ نصيبه ومن رفض حُرم نصيبه!
ويسأل كذلك عن هذا الأمر: المختصون الَّذين بأيديهم القرار، أو المؤثرون على من بأيديهم القرار: فالطبيب في المستشفى، والمهندس في اختصاصه، ونحوهما، وما يُعرض عليه من إغراءات ومنافع، بعضها في صورة هدايا، وبعضها في صورة عمولات، وبعضها في صورة رشوة صريحة. وهو يرى غيره يقتحم هذه الأمور دون حرج، فما موقفه أمام ذلك؟
وسرُّ هذا معروف لمن تأمَّل أحوال النَّاس في هذا الزمان.
فإنَّ من آفات عصرنا: شيوع النزعة الماديَّة، وتهافت النَّاس على متاع الحياة الدنيا، ومحاولة اقتناص لذَّاتها، واكتساب فوائدها؛ دون تحرِّي الحلال، وترك ما حرَّم الله؛ كما جاء في صحيح البخاري: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يأتي على النَّاس زمانٌ، لا يبالي المرءُ بما أخذ المال: أمن حلال، أم من حرام»(1).
وأكثر ما يشيع ذلك في أوساط أصحاب التجارات ورجال الأعمال، الَّذين يعيشون في دوامة الأرقام، وتستهلكهم الأسواق، والتنافس المحموم على كسب المال، إلَّا من رحم ربك، وقليل ما هم، وفي الحديث قال رسول الله ﷺ : «يا معشر التُّجَّار» فاستجابوا لرسول الله ﷺ ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: «إنَّ التُّجَّار يُبْعَثُون يومَ القيامة فُجَّارًا، إلَّا من اتَّقى الله وبرَّ وصدق»(2).
وفي هذا المناخ الملتهب يسعى كل تاجر وكل ذي رأس مال: أن يحصل على أكثر ما يمكن من الكسب الدنيوي، ولا مانع من اتخاذ الرشوة وسيلةً لتسهيل الحصول على الصفقات؛ وخصوصًا مع المؤسسات الَّتي تشتري البضائع بكميات كبيرة!
وهنا تعمل الرشوة عملها في النفوس الضعيفة، الَّتي هي مستعدة لأن تبيع ذمَّتها بالدرهم والدينار؛ ولا سيَّما أنَّ عصرنا توجد فيه صفقات بالملايين وعشرات الملايين، بل مئات الملايين. وعن طريق الأشخاص الَّذين يملكون قرار الشراء من هذه المؤسسة أو تلك، ومن هذا الشخص أو ذلك، أو الَّذين يعتبر رأيهم مؤثِّرًا في ذلك، كالطبيب المختص في المستشفى، والمهندس المختص في الإدارة الهندسية، ومدير المشتريات في الدائرة الحكوميَّة أو الشركة الأهليَّة، وغيرهم؛ فتدور رحى الرِّشا المكشوفة أو المغيبة تحت ستار «العمولات»!
فهذا وجه من وجوه الفساد في هذه الجهة: جهة الشركات الَّتي تريد أن تبيع ما لديها بأكبر كمية ممكنة، وبأفضل سعر ممكن، بحيث تتغلب على منافسيها ما استطاعت.
وهناك وجه آخر في هذه القضية، يتعلق بالجهة الَّتي تشتري، فقد تجد ممثليها ومندوبيها أو الَّذين يملكون التأثير على قرارها، هم الَّذين يطلبون العمولات أو قل بصريح العبارة: الرَّشوة. كما في السؤال الَّذِي معنا الآن.
فالشركة المنتجة أو البائعة، لا تريد أن ترشو أحدًا، ولكنَّ الطبيب هو الَّذِي يقرِّر الحاجة إلى شراء هذا الدواء أو ذاك، ويفضِّله على غيره من الأدوية لجودة أو لرخص سعره، أو لغير ذلك.
هذا الطبيب هو الَّذِي يطلب من الشركة وممثليها، نصيبه في الصفقة الَّتي يريد عقدها.
وقد شدَّد الإسلام في هذا المجال، وحرَّم دفع الرشوة، كما حرَّم قبولها، ولعن الراشي والمرتشي والرائش، أي المتوسط بينهما، وذلك لحماية المجتمع من أسباب الفساد والخلل.
يقول ! : «الراشي والمرتشي في النار»(3).
وفي حديث آخر: «لعنة الله على الراشي والمرتشي»(4).
والأصل في هذه القضايا: أن يدخل النَّاس سوق التنافس متساوين، وبفرص متكافئة، وأن يفوز في حلبة السباق من كان منهم أجود بضاعة، وأرخص سعرًا، دون مؤثرات خارجية.
ذلك: أنَّ دخول هذه المؤثرات يفسد المعاملات، ويفسد الضمائر، ويفسد الحياة كلها.
فقد يظفر بالصفقة فرد أو شركة بضاعته أقل جودة، وسعره أرفع من غيره، ويطرد منافسين أجدر منه وأحق، لكنَّهم أبوا استعمال أساليبه في شراء الذمم، والخاسر في هذا: أصحاب الضمائر الحية، والمصرون على النظافة والاستقامة، والجمهور المستهلك في النهاية.
وإذا شاع هذا الأسلوب في بلد ـ كما هو الشائع في أكثر بلادنا الآن ـ فلا تملك إلَّا الحوقلة (لا حول ولا قوة إلَّا بالله)، والاسترجاع (إنا لله وإنَّا إليه راجعون).
وعلى كل حال، فإنَّ التجار أصحاب الشركة الَّذين يريدون أن يسوِّقوا بضاعتهم، ويرون أنَّهم أحق من غيرهم بعقد الصفقة، ولم يجدوا وسيلة إلَّا دفع هذه العمولة أو هذه الرشوة للموظف المتحكم أو اللجنة المتحكمة.
فمن المعروف: أنَّ دفع المبلغ المطلوب يحل للفرد أو الشركة؛ بحكم الضرورة أو الحاجة الَّتي تنزَّل منزلة الضرورة، ويكون الإثم على القابض والآخذ؛ لأنَّه أخذ ما لا يحل له؛ إذ عمله الَّذِي يأخذ عليه أجر: أن يشتري لمؤسسته الحكوميَّة أو الأهليَّة أحسن البضائع بأرخص الأسعار، وليس له أن يأخذ من المشتري شيئًا إلَّا ما يجري به العُرف من بعض الهدايا المعتادة.
ولا مانع من حضور بعض الولائم الَّتي يسمُّونها «غداء عمل» أو «عشاء عمل» أو نحو ذلك، ما دامت معروفة وعلى رؤوس الأشهاد.
أمَّا ما يُعطى للطبيب والمهندس وغيرهما من أهل الاختصاص الفني والمهني، من مبالغ هدية لهم، ودون طلب منهم، وبعد إنهاء الصفقة؛ بحيث لم يعد يؤثِّر في عقدها سلبًا أو إيجابًا، فلا بأس بها إن قبلها. وإن كان الأورع والأحوط أن يتورع عن ذلك، خشية أن يكون لذلك تأثير فيما يستقبل من عمليات؛ فإنَّ الإنسان أسير الإحسان.
وقد كان بعض السلف يقول: اللهمَّ لا تجعل لفاجرٍ عليَّ منَّة فيحبُّه قلبي!
الرشوة لرفع ظلم:
وقد أوضحت في كتابي «الحلال والحرام»: أنَّ من كان له حق مُضَيَّع لم يجد طريقةً للوصول إليه إلَّا بالرشوة، أو وقع عليه ظلم لم يستطع دفعه عنه إلَّا بالرشوة، فالأفضل له أن يصبر حتَّى ييسِّر الله له أفضل السبل لرفع الظلم، ونيل الحق.
فإن سلك سبيل الرشوة من أجل ذلك فالإثم على الآخذ المرتشي، وليس عليه إثم الراشي في هذه الحالة؛ ما دام قد جرَّب كل الوسائل الأخرى فلم تأتِ بجدوى، وما دام يرفع عن نفسه ظلمًا، أو يأخذ حقًّا له؛ دون عدوان على حقوق الآخرين.
وقد استدل بعض العلماء على ذلك بأحاديث الملحفين، الَّذين كانوا يسألون النبي ﷺ من الصدقة؛ فيعطيهم وهم لا يستحقون، فعن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ أحدَكم ليخرج بصدقته من عندي متأبِّطُها ـ يحملها تحت إبطه ـ وإنَّما هي له نار». قال عمر: يا رسولَ الله، كيف تعطيه وقد علمت أنَّها له نار؟ قال: «فما أصنع؟ يأبون إلَّا مسألتي، ويأبى الله ﷻ لي البُخْل»(5).
وفي رواية عند مسلم: أنَّ عمر قال: واللهِ يا رسولَ الله لغيرُ هؤلاء كان أحقَّ بها. قال: «إنَّهم خيَّروني أن يسألوني بالفحش أو يُبَخِّلوني، فلستُ ببَاخِلٍ»(6).
فإذا كان ضغط الإلحاح جعل الرسول ﷺ يعطي السائل ما يعلم أنَّه نار على آخذه، فكيف ضغط الحاجة إلى دفع ظلم أو أخذ حق مهدر؟!
فهل الحاجة إلى بيع البضائع تدخل في هذه الدائرة؟
أرى أنَّ الاعتبارات الَّتي ذكرها السؤال إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض: جديرة أن تدخل في هذه الدائرة (دائرة من يأخذ حقًّا، أو يرفع ظلمًا) بشرط ألَّا يؤدي إلى ظلم الآخرين، ويستحوذ على أكثر من حقِّه.
(1) رواه البخاري في البيوع (2059)، عن أبي هريرة.
(2) سبق تخريجه صـ 739.
(3) رواه الطبراني في الصغير (58)، وفي الأوسط (2026)، وقال المنذري في الترغيب (3348): رواته ثقات معرفون. قال ابن الملقن في البدر المنير (6/469): إسناده جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7027): رواه الطبراني في الصغير ورجاله ثقات. عن عبد الله بن عمرو.
(4) رواه أحمد (9023)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. والترمذي في الأحكام (1336)، وقال: حسن صحيح. وابن حبان في القضاء (5076)، وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (2862): صحَّحه الأئمة. وصحَّحه السيوطي في الصغير (7254)، وحسَّنه الألباني في غاية المرام (457)، عن أبي هريرة.
(5) رواه أحمد (11123)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأبو يعلى (1327)، وابن حبان في الزكاة (3414)، وقال الأرناؤوط: إسناده قوي. وقال المنذري في الترغيب (1212) والهيثمي في مجمع الزوائد (4515): رجاله رجال الصحيح. وصحَّحه الألباني في غاية المرام (461)، عن أبي سعيد الخدري.
(6) رواه مسلم في الزكاة (1056)، وأحمد (234)، عن عمر.