2026-06-22
177
الرشوة لاستنقاذ سجين مذنب
ما حكم الشرع بالنسبة لشخص ضُبط في تهريب مخدرات في بلدٍ ما، وله عمٌّ يتجول بين النَّاس يطلب سلفة لإنقاذ هذا المهرب «السجين» بطريق الرشوة، علمًا بأنَّ العم غير راضٍ عن تصرف ابن أخيه. وإنَّما الدافع لإنقاذه هو طول مدة السجن (خمسة عشر عامًا) وللسجين عائلة لا يعولها سواه؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا الشخص الَّذِي ارتكب هذا الذنب، وهذه الجريمة، جريمة تهريب المخدِّرات، يستحقُّ العقوبة، الَّتي تقرِّرها السلطات الشرعيَّة المسؤولة؛ لأنَّه ليس هناك أشد إفسادًا للناس من هذه المخدرات، هي كالخمر أو هي أخت الخمر، ولهذا يرى ابن تيمية(1) وغيره أنَّ شاربها يحدُّ حدَّ الخمر، وأنَّ مستحلَّها يكفر؛ بل لعلَّ أثرها أشد ضررًا من ضرر الخمر نفسها، لأنَّها تعيِّش النَّاس في أوهام، وفي وادٍ من الأحلام، يرى البعيد قريبًا، والقريب بعيدًا، ويتخيل ما لا يقع، رجل «مسطول»، مثل هذا الصنف لا ينفع في حرب، ولا تنهض به أمة، ولا ترتفع به راية، ولا تقوم به نهضة، ولا تتحقق به حياة طيبة!
فالشخص الَّذِي يساعد على إفساد الشعب وعلى إفساد النَّاس، في تجارة المخدرات أو في تهريبها يستحق عقوبة بليغة؛ فإذا قرَّرت دولة ما عقوبة مثل هذا بالسجن خمس عشرة سنة: يجب أن ينالها، وهو يستحقها، فالسعي في تخليص مثله من العقوبة المستحقة سعي في باطل وإثم مبين.
فإذا كان السعي في تخليصه عن طريق الرشوة، يكون الإثم أكبر، لأنَّنا نزيد الفساد فسادًا آخر، لا نكتفي بالفساد الَّذِي صنعه صاحبنا في ترويج هذا السم، ولكن نأتي إلى فساد آخر، فساد أخلاقي؛ فنفسد الموظفين، أو القادرين على أن يفعلوا شيئًا في هذه النواحي بالرشوة، فهذه الرشوة حرام، والساعي فيها يرتكب محرَّمًا لا شك فيه، والنبي ﷺ قد لعن الراشي والمرتشي والرائش(2)، والرائش: هو المتوسط بينهما، كلهم ملعونون على لسان محمَّد ﷺ .
وما أفسد مجتمعاتنا شيء كهذه الرشوة، فالرشوة تفسد كل شيء، تجعل كل شيء لا يمكن أن يتم إلَّا بالدفع، قال الشاعر:
إذا كنتَ في حاجةٍ مُرْسِلًا
وأنت بها كَلِفٌ مغرمُ
فأرسل حكيمًا ولا تُوصِه
وذاك الحكيمُ هو الدِّرْهَمُ(3)
إنَّ الحياة لا تفسد، والمجتمعات لا تدمَّر، إلَّا بمثل هذه الأمور.
إنَّ هذا الشخص ـ العم ـ يرتكب إثمًا عظيمًا؛ بسعيه في تخليص هذا السجين الَّذِي استحق جزاءه عن طريق الرشوة.
وبدل أن يدفع رشوة، يدفع هذا المال لأولاد السجين، فما دام له عيال وهو مشفقٌ عليهم، فبدلًا من أن يجمع المال، أو يستلف من النَّاس، ليدفع رشوة، ويرتكب فسادًا عريضًا، يدفع هذا لأولاد ابن أخيه، هذا هو الأولى.
وفي الحقيقة نرى واجبًا على الحكومات والدول أن ترعى أولاد السجناء، وهذا ولا شك قصور في القوانين الوضعية؛ فهي لا تلتفت إلى هذه الناحية، فحين تسجن النَّاس، لا تبحث عمَّن وراءهم، وهذا ممَّا يتسبَّب في فساد آخر؛ لأنَّ الأولاد إذا تُركوا بدون كفاية اقتصادية، ولا رعاية اجتماعيَّة؛ فإنَّهم يكونون معرَّضين لأن تأخذهم أيدي الشر والإفساد، وتعلِّمهم ما يضرهم. فلا بدَّ من رعاية المجتمع، عن طريق الضمان الاجتماعي وغير ذلك.
والله أعلم.
(1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/310).
(2) سبق تخريجه صـ 815.
(3) البيتان لأحمد بن فارس اللغوي، انظر: الإعجاز والإيجاز للثعالبي صـ 177، نشر مكتبة القرآن، القاهرة.