2026-06-22
155
سداد الدَّيْن عن الميِّت
تُوُفِّيَ رجل، وعنده ابن، وبنت، وزوجة، وله راتب بعد وفاته، ثمانمائة ريال، هل يصح أن يؤخذ من الراتب أربعمائة ريال ليسد بها دينه، وأربعمائة ريال لأولاده وزوجته؟ مع العلم أنَّ عليه من الديون عشرين ألف ريال.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأَوْلى أن نريحه في قبره بأداء هذا الدين، حتَّى لا يُعذَّب بسبب دينه؛ لأنَّ الإنسان إذا مات وهو مدين يعذَّب على هذا الدين، خصوصًا إذا كان قادرًا في وقت من الأوقات أن يسدِّد، ولم يفعل ذلك. يقول أبو هُرَيْرة: كان يؤتى بالرجل المتوفى ممَّن عليه ديْن، فيسأل النبي ﷺ : «هل ترك لدَيْنِه من قضاء؟». فإن حُدِّث أنَّه ترك وفاءً صلَّى عليه، وإلَّا قال: «صلُّوا على صاحبكم». فلمَّا فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوُفِّي وعليه دَيْنٌ فعليَّ قضاؤه»(1).
لا يصلِّي النبيُّ ﷺ على المَدِينِ، زجرًا للناس أن يستدينوا ويموتوا ولم يقضوا ديونهم؛ لأنَّ حقوق العباد مُشدَّد فيها، ولا تُبنى على المسامحة، وإنَّما تُبنى على المشاحَّة. بل قال النبيُّ ﷺ : «يُغفَر للشهيد كلُّ ذنبٍ إلَّا الدَّيْن»(2).
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله؛ إنْ قُتلتُ في سبيل الله، صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبِر، أيكفِّرُ الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم». فلمَّا أدبر الرجل، ناداه رسول الله ﷺ ، أو أمر به فنودي له. فقال له رسولُ الله ﷺ : «كيف قُلْتَ؟». فأعاد عليه قوله، فقال له النبيُّ ! : «نعم، إلَّا الدَّيْن، كذاك قال لي جبريل»(3).
وعن جابر، قال: تُوُفِّي رجل، فغسَّلناه وحنَّطناه(4) وكفَّنَّاه، ثمَّ أتينا به رسول الله ﷺ يصلِّي عليه، فقلنا: تصلِّي عليه. فخطا خُطًا، ثمَّ قال: «أعليه دَيْن؟». قلنا: ديناران. فانصرف، فتحمَّلهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ. فقال رسول الله ﷺ : «حقُّ الغَرِيم، وبرئ منهما المَيِّت؟». قال: نعم. فصلَّى عليه، ثمَّ قال بعد ذلك بيوم: «ما فعل الديناران؟» فقال: إنَّما مات أمس. قال: فعاد إليه من الغد، فقال: لقد قضيتُهما. فقال رسول الله ﷺ : «الآن برَّدْتَ عليه جِلْدَه»(5).
فالديون فيها تشديد، فإذا كان هذا الأخ توفي وعليه عشرون ألف ريال، وله معاش يُصرف نحو ثمانمائة ريال، فلا مانع من أن يأخذ أهله أربعمائة ريال، والأربعمائة ريال الأخرى يسدد بها دينه على مدى خمسة وعشرين شهرًا، وإن كانوا من أهل اليسار والغِنَى فليسدِّدوا عنه دَيْنه.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الكفالة (2298)، ومسلم في الفرائض (1619)، عن أبي هريرة.
(2) رواه مسلم في الإمارة (1886)، وأحمد (7051)، عن عبد الله بن عمرو.
(3) سبق تخريجه صـ 399.
(4) أي: طيبناه بالحنوط، وهو الطيب الذي يوضع للميت.
(5) رواه أحمد (14536)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده حسن. والحاكم في البيوع (2/58)، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي.