2026-06-22
141
اقتطاع جزء من راتب الموظَّف دون رضاه
جرى عرف «جامعة قطر» على استقطاع مقدار من رواتب الموظفين في حالة وفاة أحدهم بنسبة معلومة، من غير أخذ موافقتهم، والوقوف على رضاهم وطيب نفوسهم.
وكما تعلمون فضيلة الشيخ: أنَّ هذه أموال تدخل على ورثة الميِّت أموالًا مغصوبة من أصحابها، فهل يجوز شرعًا هذا التصرف؟ وإذا كان يجوز؛ فما الحلُّ؟
نرجو التفضل ببيان الحكم الشرعي مؤيَّدًا بالأدلَّة؟ وجزاكم الله خيرًا ونفع بكم.
موظَّفون وموظَّفات من جامعة قطر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد شدَّد الإسلام في تحريم الأموال، كما شدَّد في تحريم الدماء، وأعلن النبي ﷺ ذلك على الأمة في حجة الوداع، أمام الجموع الكبيرة من صحابته قائلًا: «إنَّ الله حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بَلَدِكم هذا»(1). ولم يجز لأحد أن يأخذ مال أحد إلَّا بأحد طريقين:
ـ إمَّا عن طريق المعاوضة المشروعة، كما قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ﴾[النساء: 29].
ـ وإمَّا عن طريق طيب النَّفْس بالهبة والتبرُّع اختيارًا، كما قال ! : «لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلم، إلَّا عن طيب نفْسٍ منه»(2).
ولهذا لا يجوز اقتطاع جزء من راتب الموظف؛ إلَّا برضاه واختياره وطيب نفسه، حتَّى لا يكون المقتطع منه مالًا حرامًا، وأكلًا لأموال النَّاس بالباطل.
ومن المعلوم أنَّ هذا النظام ـ وهو اقتطاع جزء من راتب الموظف لإعطائه لورثة من مات من زملائه الموظفين ـ أول من ابتكره وعمل به هو: وزارة التربية والتعليم في قطر من نحو ما يقرب من أربعين عامًا، حيث كان عدد موظفي الوزارة محدودًا جدًّا، وكان معظم الموظفين من الشباب، وعدد الَّذين يتوفون قليلًا، بل نادرًا جدًّا، فكان اقتراح الوزارة هو التبرع براتب يوم لصالح ورثة المتوفى، وقَبِلها الموظفون في ذلك الوقت؛ وإن لم يكن برضًا صريح.
ثم تطوَّر الأمر ـ بعد أن كثر الموظفون، وكثرت الوفيات ـ في وزارة التربية، ووضع له نظام أو صندوق للتكافل، قَبِله قوم، واعترض عليه آخرون.
وعندما أُنشئت جامعة قطر كانت تابعة لوزارة التربية؛ فأخذت منها هذا النظام، وكان عدد الموظفين في الجامعة محدودًا، والذين يتوفون قليلين أيضًا. أمَّا الآن فقد اتسع العدد، وتغيَّرت الظروف، وكثر عدد المتوفين، ولا يكاد يخلو شهر إلَّا ويموت فيه واحد أو أكثر، وأصبح النَّاس يتسلَّمون رواتبهم ناقصة، دون علمهم ولا إذنهم، ولا رضًا منهم، وهذا لا يجوز شرعًا؛ فالناس مسلطون على أموالهم، لا يجوز أن يؤخذ منها شيء إلَّا بطيب أنفسهم.
وقد سألت كثيرًا من الموظَّفين والموظفات، فوجدتهم جميعًا غير راضين عمَّا يُستقطعُ منهم. ومقتضى ذلك: أنَّ المستقطع منهم لا يحصلون أجرًا ولا مثوبة عند الله فيما يستقطع منهم؛ لأنَّهم لا نيَّة لهم فيه، وإنَّما الأعمال بالنيَّات. كما نخشى أن تكون هذه الأموال محرَّمة على من أخذها من ورثة المتوفين، لعدم رضا المتبرعين.
على أنِّي أرجِّح أنَّ ما أُخذ من قبل وصرف لمستحقيه حسب النظام المعمول به قد حلَّ لأصحابه؛ لأنَّه جرى به العرف لسنين طويلة، ولم يعترض عليه أحد بصوت مسموع.
وقد قيل:
والعُرْفُ في الشَّرْعِ له اعتبارُ
لذا عليه الحُكْمُ قد يُدَارُ(3)
وأرجو من إخواني وأبنائي من موظفي الجامعة وموظفاتها: أن يُحِلُّوا الَّذين أخذوا من رواتبهم من قبل صراحة، ويُبرئوا ذمَّتهم من أي مطالبة في الدنيا والآخرة، ولعلَّهم بذلك يكتب لهم الأجر فيما أُخذ منهم إن شاء الله.
أمَّا في المستقبل فرأيي: أن يوقف هذا الاستقطاع من آخر هذا العام الجامعي، ليعرض على موظفي الجامعة من جديد في صورة استفتاء، ليعرف من يقبل ومن لا يقبله. وقد يغيَّر هذا بنظام جديد للتكافل، يرضى عنه المشتركون فيه؛ لأنَّ في هذا النظام كثيرًا من الخلل والغبن والغرر!
وقد يلغى هذا الموضوع بالكلية، كما في الوزارات الأخرى في الدولة، واكتفاءً بما تقرره الدولة لموظفيها من ضمانات اجتماعيَّة، وتأمينات ومعاشات، ومن ناحية أخرى يكتفي الموظفون وأهلوهم بأنظمة التكافل والتأمين الإسلاميَّة، الَّتي أصبحت موجودة وميسرة الآن. والحمد لله.
(1) متفق عليه: رواه البخاري في الحج (1742)، ومسلم في الإيمان (66)، عن ابن عمر.
(2) رواه أحمد (20695)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح لغيره مقطعًا. وأبو يعلى (1570)، والدارقطني في البيوع (2886)، عن عم أبي حرة الرقاشي.
(3) مجموعة رسائل ابن عابدين (2/114).