2026-06-22
135
من أفسد شيئًا فعليه إصلاحه
في ذاتِ يوم ملتُ بخاصرتي على مرآة سيَّارة عاكسة جهة اليسار، فأصاب المرآة بعض الضرر، ولكنِّي لم أبالِ، وذهبتُ عنها، ولكنِّي في منتصف الطريق صحا ضميري، واستعذتُ بالله من الشيطان الرجيم، بعد أن رأيتُ أنِّي ارتكبتُ ذنبًا، فعدتُ من فوري لأراجع صاحب السيارة وأعوِّضه عن قيمة التلف الَّذِي أصاب مرآة سيارته، ولكن للأسف لم أجده ولم أجد سيارته، فقد غادر المكان، ومنذ ذلك الحين وأنا متألِّم في داخل نفسي، وتصدَّقتُ بما يعادل قيمة التلف حسب ظنِّي وقلتُ: اللهمَّ ضع أجر هذه الصدقة في ميزان حسنات الرجل، الَّذِي أصبت مرآة سيارته يوم القيامة، حتَّى توفيه حقَّه منِّي، فهل يعاقبني الله أم يقبل منِّي ذلك ويعفو عني؟ وهل هذا التصدق يجزئ عن ذنبي مع استغفاري وندمي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
شكر الله للأخ السائل، فالمؤمن رجَّاع إلى الحق، يتوب من قريب، إذا ارتكب شيئًا سرعان ما يستيقظ ضميره، فالله تعالى يقول: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[آل عمران: 135]. ويقول:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾[الأعراف: 201]. المُتَّقون ليسوا معصومين من الخطأ والخطيئة، وليسوا أنبياءً مُقرَّبين، ولا ملائكةً مُطَهَّرين، هم بشرٌ من البشر، وقد يقع المُتَّقي في المعصية، والفرق بينه وبين غيره: أنَّه سريعُ اليقظة، وسريعُ الأوْبَة إلى الله 8 ، ويتذكر سريعًا وقوفه بين يدي ربه، وأنَّه سيحاسب على النقير والقطمير، فيبصر الحق، وتدعوه بصيرته للتوبة والأوبة، ويصبح هو القاضي الَّذِي ينتصف من نفسه. والسائل قد أصاب مرآة السيارة، وأنَّبه ضميره، فهو على خير، وغيره قد يصيب إنسانًا، ثمَّ يتركه ويجري، وهذه ليست مروءة، ولا رجولة، ولا إسلامًا، ولا إيمانًا، ولا إنسانيَّة.
والإسلام يوجب على الإنسان إذا أتلف شيئًا لأخيه أن يعوِّضه، ويغرم له قيمته، وأن تغرم ما أفسدت في الدنيا خير من أن تُطالب به في الآخرة، فليس ثمَّ درهم ولا دينار، ولا ريال ولا جنيه ولا دولار، وإنَّما هي الحسنات والسيئات، فعن أبي هُرَيْرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عِرْضه أو شيء، فليتحلَّلْه منه اليوم، قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»(1).
وأقول للأخ السائل الَّذِي حاول أن يعوِّض صاحب السيارة عمَّا أفسده فلم يجده: لقد أحسنت عندما تصدَّقت بثمن هذا الخطأ عن صاحب السيارة.
فقد رُوِي أنَّ ابن مسعود اشترى جارية بسبعمائة درهم، فإما غاب صاحبها، وإما تركها، فنَشَدَه حَوْلًا، فلم يجدْه، فخرج بها ـ أي: بالدراهم ـ إلى مساكين عند سُدَّة بابه، فجعل يقبض ويعطي ويقول: اللهمَّ عن صاحبها، فإن أتى، فمنِّي وعليَّ الغُرْم(2).
وأحبُّ أن أنبِّه هنا إلى أنَّ الله لا يقبل توبة تائب حتَّى يؤدي للعباد حقوقهم، أو يستحلهم منها؛ بل إنَّ الشهادة في سبيل الله تكفِّر عن الشهيد خطاياه إلَّا الديون، وإلَّا حقوق العباد، والإنسان لا ينبغي له أن يستهين أبدًا بحقوق العباد، ولو كان شيئًا قليلًا، فعن أبي أمامة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرَّم عليه الجنَّة». فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسولَ الله؟ قال: «وإن قضيبًا من أراك»(3).
قضيب من أراك من حق أخيك يحرِّم عليك الجنة، فما بالك بمن يأكلون أموال النَّاس بالباطل، آلاف وعشرات الآلاف ومئات الألوف من الديون على أناس، ولا يدفعونها لأصحابها، وما بالك بأكل أموال النَّاس ظلمًا: نهبًا، أو اختلاسًا، أو رشوةً، أو بأي طريقة من الطرق، كل هذا لا يجوز، الله تعالى يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ﴾[النساء: 29]. ويقول 8 :﴿وَلَا تَأْكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 188].
(1) رواه البخاري المظالم والغصب (2449)، عن أبي هريرة.
(2) عزاه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (9/430): لسعيد بن منصور وجوَّد إسناده.
(3) رواه مسلم في الإيمان (137)، وأحمد (22239).