تعدُّد الجماعات الإسلاميَّة

❓ تعدُّد الجماعات الإسلاميَّة

📅 2026-06-22 👁 157 مشاهدة

نص السؤال:

تكثر في هذه الأيام الجماعات الإسلاميَّة، ويوجد بينها اختلافات كثيرة، وتختلف وجهات نظر العاملين للإسلام اليوم في الطريق الصحيح لإعادة الإسلام إلى مكانته ومجده، وقد أدَّى هذا الاختلاف إلى تعدُّد الجماعات الإسلاميَّة، وتعصَّبَ كلٌّ لجماعته، فكل جماعة تدَّعي أنَّها وحدها على الصواب، وما سواها مخطئ، فهل يمكن التوفيق بين الجماعات؟ وهل يمكن توحيد الصف ولم شمل الجميع؛ بعيدًا عن الحزبية والتعصب الأعمى؟ وخصوصًا أنَّ الكثير من هذه الجماعات ـ أحيانًا ـ توالي غير المسلمين، وتعادي الجماعة الَّتي تختلف معها في التوجه والرأي والطرح، وهل ترى فضيلتكم أنَّ هذه ظاهرة صحية أم مرضية؟ أفتونا مأجورين.
محمد مقبل عبد الله
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ظاهرة تعدُّد الجماعات يمكن أن تكون ظاهرة صحيَّة، ويمكن أن تكون ظاهرة مَرَضِيَّة، فتعدُّد الجماعات الإسلاميَّة نفسه لا حرج فيه، ولا مانع منه، إذا كان تعدد تخصصٍ وتنوع، لا تعدد صراع وتناقض، كل منها يعمل لخدمة الإسلام بطريقته الخاصة وباجتهاده، فجماعة تخدم الإسلام عن طريق إصلاح العقيدة، وتحرير العقول من الشركيَّات والخرافات، وجماعة تسعى إلى أن تعلِّم النَّاس كيف يصلُّون صلاة خاشعة، وبعيدة عن البدع، وتنشئ المساجد لهذه الناحية، وجماعة تعمل في الناحية التربوية، فتعمل على بناء المدارس الإسلاميَّة الَّتي تربي الشباب على الإسلام، وجماعة تعمل في الاقتصاد الإسلامي، وتعمل على إنشاء بنوك إسلاميَّة، لا تتعامل بالربا، فتخرج النَّاس من لعنة الربا ورجسه، حتَّى لا تنزل بالناس لعنة الله وحرب الله ورسوله، وجماعة تعمل في الناحية الفكرية والثقافية، فتعمل على تأليف الكتب الإسلاميَّة، وترجمة الكتب الإسلاميَّة ونشرها، حتَّى تصحِّح الأفكار والمفاهيم، وتعود العقول إلى رشدها، وتقف ضد التغريب والماركسية والغزو الثقافي، وجماعة تعمل على خوض المعارك الانتخابيَّة ضد العِلمانيين، فلا بدَّ أن يكون لأهل الإسلام صوت مسموع في مجالس الشورى، أو مجالس الشعب، أو البرلمانات، حتَّى ننادي بالتشريع الإسلامي، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وجماعة تعمل في الجهاد لتحرير الأراضي الإسلاميَّة.. وهكذا.
هناك مجالات كثيرة للعمل على خدمة الإسلام والمسلمين، والباب مفتوح، والمجال يتسع للجميع، كل واحد يعمل شيئًا، هذا هو المطلوب، فلا مانع من أن تتعدَّد الجماعات، ولا حرج أن يعمل كلٌّ فيما يهتم به ويتخصَّص فيه، ولكن على أن لا تبني جماعة نفسها على أنقاض من سواها، ولا تلعن جماعةٌ جماعةً أخرى، إذا أحسن الجميع ظنَّه بالجميع، كل جماعة تحسن الظنَّ بالجماعة الأخرى، وأن يتعاون الجميع في القضايا المصيرية، فلا بدَّ أن يكون هناك تنسيق وتعاون بين هذه الجماعات، لنقف صفًّا واحدًا ضدَّ أعداء الله، وأعداء الدين، وأعداء الأمة، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّۭا كَأَنَّهُم بُنْيَٰنٌۭ مَّرْصُوصٌۭ﴾ [الصف: 4].
فالمطلوب منَّا نحن المسلمين أن ننصح هذه الجماعات أن تتقارب فيما بينها، فهناك قضايا لا يجوز الخلاف فيها، هل يختلف مسلمان في أنَّ إسرائيل كيان سرطاني معتدٍ غاشم، دخل أمَّتنا بغير إرادتها، وفرض نفسه عليها بالحديد والنار؟ نحن متفقون في هذا، فلنتعاون في هذا، ولنقاوم هذا السرطان.
هل يختلف أحد أنَّ المسلمين في البوسنة والهرسك مظلومون وأنَّ الصرب يريدون أن يقتلعوا جذورهم؟! فلنساعد إخواننا هناك، كما أنَّ إخواننا في كشمير تريد الهندوسيَّة أن تهدمهم من أساسهم، وتقلعهم من جذورهم، فلنقف مع إخواننا في كشمير، نقف ضدَّ الإلحاد، ضدَّ الشيوعية الملحدة، ضدَّ الإباحية والانحلال الساري في الغرب، والذي يريد أن يدخل ديار المسلمين.
كما يجب أن نتحد في مواجهة الظلم الاجتماعي، ويجب أن نقف مع المظلومين ضدَّ الظالمين، وأن نسعى لإخراج الأمة من التخلف إلى باحة التقدم، حتَّى يكون لها مكانها تحت الشمس، وتستطيع أن تستغني عن غيرها، ولا تكون عالة في السلاح وفي الغذاء وفي الدواء والصناعة وغير ذلك، فهذه أمور كثيرة ينبغي أن تتفق الجماعات الإسلاميَّة كلها عليها.
والقاعدة الَّتي ينبغي أن تحكم العاملين للإسلام جميعًا هي قاعدة المنار الذهبية، القاعدة الَّتي وضعها العلامة السلفي محمد رشيد رضا رحمه الله تعالي، والتي قال فيها: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه(1).
وما اتَّفقنا عليه مئات وآلاف القضايا، فلنتعاون فيه، وليضع كلٌّ منَّا يده في يد أخيه، وما نختلف فيه قضايا قليلة، كلها قضايا اجتهاديَّة، تختلف فيها العقول، وتتباين فيها الترجيحات، ولذلك من يظنون أنَّهم يستطيعون جمع النَّاس على رأي واحد ورفع الخلاف، هم واهمون، وهم بهذا يزيدون الخلاف حدَّة وشدَّة، مثل الذين ينكرون المذاهب الفقهيَّة، فكلُّ عملهم أنَّهم عملوا مذهبًا خامسًا، بدل المذاهب الأربعة، أو مذهبًا تاسعًا بدل المذاهب الثمانية.
فالذي أوصي به أن يسع بعضنا بعضًا، ويعذر بعضنا بعضًا، ويسامح بعضنا بعضًا في الخلافيات، ونتعاون جميعًا ويشد بعضنا أزر بعض في الأمور المتفق عليها، وما أكثرها!
إنَّ الموقف يتطلب وحدة الصف الإسلامي في مواجهة أعداء الإسلام وأعداء الأمة، وهم كُثر، وهم يكيدون لنا كيدًا، ويمكرون بنا مكرًا، كما قال الله تعالى:﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟[البقرة: 217]. فلا يجوز أن نواجه صفَّهم الموحَّد المجتمع، بصفٍّ متفرِّقٍ ممزَّقٍ!
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم