الثورة على الحُكَّام الظلمة

❓ الثورة على الحُكَّام الظلمة

📅 2026-06-22 👁 109 مشاهدة

نص السؤال:

بعض السلفيِّين والصوفيِّين وبعض المشايخ الأزهريين من أصحاب المناصب الكبرى، ردُّوا عليك في تأييدك لثورة الشباب الذين قاموا بثورة 25 يناير 2011م ومظاهراتهم في ميدان التحرير في القاهرة، وكذلك في الإسكندرية والسويس، والمنصورة وطنطا، والمحلة الكبرى والزقازيق، ودمنهور وغيرها من المدن والمحافظات المصرية.
واتَّهموك بأنَّك تؤيِّد الفتنة، والخروج على الحاكم الشرعي، الَّذي أمر الله بطاعته في قوله تعالى:  ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ[النساء: 59]، واستدلُّوا ببعض الأحاديث، كما في حديث حُذَيْفة عند مسلم: «يكون بعدي أئمَّة لا يهتدون بهُدَاي، ولا يستنُّون بسُنَّتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشياطين في جثمان إنس». قال: قلتُ: كيف أصنع يا رسولَ الله، إن أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمعُ وتطيعُ للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمعْ وأطع».
وهم يؤكِّدون: أنَّ المسلم إذا ابتُلي بحاكمٍ ظالم، يجب عليه أن يصبر على ظلمه، ويرضى بقضاء الله تعالى، وينتظر الفرج من الله، ولا يقاوم بأيِّ أسلوب من المقاومة، حتَّى لا يشقَّ الصفَّ، وتحدث الفتنة، ويخرج عن الجماعة، فإنَّ مَن خرج عن طاعة السلطان شبرًا، فقد خلع رِبقة الإسلام من عنقه.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ من أعظم الآفات في فَهم الإسلام وأحكامه ومقاصده: اتِّباع المتشابهات، وترك المحكمات، والاعتماد على الفروع والجزئيَّات، والإعراض عن الأصول والكليات، وهو منهج الزائغين الذين ذكرهم الله في كتابه حين قال:﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ[آل عمران: 7]، وفي هذه القضية نصوص مُحكَمة أصلية ثابتة، ونصوص متشابهة جزئية فرعية ظنِّيَّة.
لا بدَّ أن يكون أولو الأمر من المؤمنين:
فمن المحكمات الكليَّة الأصليَّة هنا:
أولًا: أنَّ الله أمر بطاعة أولي الأمر من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ[النساء: 59]، ومعنى:﴿مِنكُمْ هنا: أي من المؤمنين، فليست طاعة مطلقة لأيِّ «أولي أمر»، ولو كانوا من الكفَّار أو المنافقين. بل لا بدَّ أن يكونوا من «الذين آمنوا»، أي الملتزمين بعقد الإيمان وموجباته، كما هو مبيَّن في القرآن.
من هم المؤمنون في القرآن؟
فمن هم المؤمنون كما وصفهم القرآن؟
المؤمنون في القرآن مذكورون في سور كثيرة، منها سورة النساء، وسورة المائدة، وسورة الأنفال، وسورة المؤمنون، وسورة النور، وسورة الأحزاب، وغيرها.
فمن سورة النساء، تقرأ قوله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا ٦٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا[النساء: 60، 61]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا[النساء: 65].
وفي سورة المائدة تقرأ سلب الإيمان عمَّن لم يحكم بما أنزل الله، وذلك في قوله تعالى:﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ[المائدة: 44]، ﴿فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ[المائدة: 45]، ﴿فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ[المائدة: 47].
ونقرأ فيها قوله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ[المائدة: 51]، ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٧ وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ[النور: 47، 48]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ[النور: 51].
وفي سورة الأحزاب:﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۭا مُّبِينًۭا[الأحزاب: 36].
فهؤلاء هم «الذين آمنوا» المأمور بطاعتهم في القرآن، وليسوا: الذين لا يتَّخذون الإسلام مرجعًا لهم، ولا يحكِّمونه في أمورهم، بل إذا قضى الله ورسوله أمرًا، كان لهم الخِيَرة من أمرهم، بل كثيرًا ما ردُّوا أمر الله ورسوله.
أولو الأمر عند التنازع يرجعون إلى الله ورسوله:
ثانيًا: أنَّ أولي الأمر هؤلاء، كما وصفهم القرآن، إذا تنازعوا في شيء ردُّوه إلى الله تعالى، وإلى الرسول، كما قال 8 :﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ[النساء: 59].
وأجمع العلماء: أنَّ الردَّ إلى الله سبحانه يعني: الردَّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول بعد وفاته، يعني: الردَّ إلى سنَّته. فهل هؤلاء الحكام يردُّون أمرَهم إذا تنازعوا إلى الله وإلى رسوله، وبعبارة أخرى: إلى كتاب الله وسنة رسوله؟!
الطاعة في المعروف لا في المعصية:
ثالثًا: إنَّ الطاعة لأولي الأمر المذكورة في الآية قد قيَّدتها النصوص الأخرى، بالطاعة «في المعروف»، كما قال : «إنَّما الطاعةُ في المعروف»(1). وفي رواية: «لا طاعةَ لبشرٍ في معصية الله»(2). وفي أخرى: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الله »(3).
أمَّا الحاكم أو ولي الأمر الَّذي ينشر الظلم، وينهب المال العام، ويشجِّع على نهبه لأسرته وأصهاره وأتباعه، ويحمي اللصوص، ويستعين بالبلطجية والمجرمين على شعبه، ويزوِّر الانتخابات، ويوالي اليهود، ويساعد على خنق أبناء فلسطين عامَّة، وأبناء غزَّة خاصَّة، لحساب دولة إسرائيل، ويوصل إليهم الغاز بثلث ثمنه الدولي، ويبني الجدار الفولاذي لحماية إسرائيل، فليس هذا من «المعروف» في شيء.
الحاكم أجير عند الأمة:
رابعًا: أنَّ الحاكم أو ولي الأمر في نظر الأمة ليس جبَّارًا في الأرض، ولا مسلَّطًا على الناس، بل هو وكيلٌ عن الأمة، أو أجيرٌ عندها، وقد دخل الفقيه التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني على معاوية، فسلَّم عليه قائلًا: السلام عليك أيها الأجير! فقال له مَن حوله: بل قُل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: بل السلام عليك أيها الأجير. وكرَّروا قولهم، وكرَّر قوله، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فهو أعلم بما يقول(4).
أخذ هذا المعنى أبو العلاء، فضمَّنه في شعره حين قال:
مُلَّ المُقَامُ فكم أعاشر أُمَّةً
أمرتْ بغير صلاحِها أُمَراؤها
ظلموا الرعيَّةَ واستباحوا كيدَها
وعَدَوْا مصالحَها وهم أُجَرَاؤها(5)
ومن هنا قال الخليفة الأول لرسول الله: أبو بكر الصديق أوَّل ما وَلِي الخلافة: أيها الناس، إنِّي قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقوِّموني... والضعيف فيكم قويٌّ عندي، حتَّى أريح عليه حقَّه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتَّى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله(6).
وكذلك قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في خلافته: أيها الناس، مَن رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوِّمني. فقال له رجل: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناه بحدِّ سيوفنا! فأجابه عمر: الحمد لله الَّذي جعل في رعية عمر من يقوِّم اعوجاجه بحدِّ سيفه(7).
هذه الأقوال معروفة عند العلماء ويتداولونها في المواعظ، فإذا جاء أوان الفقه والأحكام أعرضوا عنها، وأوجبوا طاعة الحاكم، وإن عصى وانحرف، وظلم وتجبَّر وعاث في الأرض فسادًا. هذا مع أنَّ القرآن الكريم صرَّح بأنَّ طاعة الرسول المعصوم إنَّما تكون في المعروف، كما في قوله تعالى في بيعة النساء في سورة الممتحنة:﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍۢ[الممتحنة: 12].
أولو الأمر مأمورون بأداء الأمانات وإقامة العدل:
خامسًا: إنَّ الله تعالى أنزل في القرآن آيتين مهمَّتين في السياسة الشرعيَّة، وبعبارة أخرى في تنظيم الولاية والإمارة بين الناس: آية تتعلَّق بالأمراء وما يجب عليهم، والأخرى تتعلَّق بالرعية، وبتعبير عصرنا: «الشعب» وما يجب عليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ❁ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 58 ـ 59].
وقد تحدَّثنا عن الآية الثانية المتعلِّقة بطاعة الرعية للراعي، وهنا نتحدَّث عن الآية الأولى المتعلِّقة بأولي الأمر، الذين أمرهم الله بأمرين أساسيين:
الأول: أداء الأمانات إلى أهلها، بكلِّ ما تتَّسع له كلمة «الأمانات».
والثاني: الحكم بين النَّاس بالعدل.
وعلى هاتين الآيتين أقام شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه القيم: «السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعية».
ومن النَّاس مَن يركِّز على الآية الثانية، فيوجب على الرعية طاعة أولي الأمر، دون أن يراعي قيد: ﴿مِنكُمْ في الآية. ثم هو لا يلتفت إلى الآية الأولى فيما على ولي الأمر من أداء الأمانات، والحكم بين النَّاس بالعدل.
الإسلام الَّذي تصوِّرُه هذه الفتاوى:
إنَّ فتاوى هؤلاء العلماء الَّتي تحرِّم مجرَّد الاحتجاج السلمي ضدَّ الحاكم الظالم، وتحرِّم نزول الشعب إلى الشارع في مظاهرات سلمية، تقول: لا للظلم. ولا تحمل سيفًا ولا بندقية، ولا حتَّى عصًا ولا حجرًا، وتطالب هذه الفتاوى كلَّ الشعب بالاستسلام لإرادة الحاكم الظالم، ووجوب الطاعة المطلقة له ومَن يمثِّله من جنود فرعون وهامان: إنَّما تصوِّر هذه الفتاوى الإسلام تصويرًا في غاية السوء، تصوِّره دينًا عاجزًا عن مقاومة الحكم الاستبدادي الطاغي، الَّذي يبغي على الناس، ويفسد في الأرض، ويسوق النَّاس كالقطعان بسيف القهر والجبروت.
بل على العكس يصوِّرون الإسلام وكأنَّه يحمي هذا الحكم المتجبِّر، المستكبر في الأرض، وإن تفاقم ظلمه، وازداد علوُّه وطغيانه، فسفك الدماء، وانتهك الحرمات، وانتهب الثروات، وزوَّر الانتخابات، واستعان على قهر شعبه بالبلطجية والعصابات، فليس للناس أكثر من أن يموتوا ويستريحوا، ولا يستخدموا ما يستخدمه المعارضون للحكام في أنحاء العالم من المقالات الصحفية، والرسوم الكاريكاتورية، والقصائد الشعرية، والأناشيد الثورية، والمسيرات السلمية، والإضرابات والاعتصامات التضامنية، فإن حاول النَّاس استخدام هذه الوسائل في المقاومة، قيل له: اسمع وأطع، وإن جلد ظهرك، وأخذ مالك! وهذا ما أعطى الماركسيين حجَّة ليقولوا: الدين أفيون الشعوب!
هذا مع أنَّ الإسلام يشرع في مقاومته الظلم ـ الَّذي يتمثَّل في الطغيان والفساد ـ كلَّ وسيلة ممكنة، ماديَّة أو أدبية، تُنهي الظلم والفساد والمنكر، أو تقلِّله وتضيِّق دائرته، حتَّى إنَّ ألفاظ قنوت الوتر في المذهب الحنفي تحمل هذه العبارات الثورية: «نشكرُكَ اللهمَّ ولا نكفُرُكَ، ونخلعُ ونتركُ من يفجرك»(8).
والإسلام يجعل السكوت عن الظلم ظلمًا، ويجعل الساكت عن الحقِّ شيطانًا أخرس.
قال تعالى:﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ[الأنفال: 25].
موقف الإسلام من الظلم والظالمين:
لم نرَ مثل الإسلام ديانة أو شريعة تكره الظلم، وتنكره وتحاربه بكلِّ وسيلة. فالقرآن يقول:﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ[آل عمران: 57]، ﴿إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ[الأنعام: 21]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ[المائدة: 51]، ﴿أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ[هود: 18]، ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا[الكهف: 29]، ﴿أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِى عَذَابٍۢ مُّقِيمٍۢ[الشورى: 45]، إلى آخر الآيات.
والإسلام ينكر الظلم ويحاربه من كلِّ الناس، وخصوصًا من الحاكم؛ لأنَّه المأمور أن يقيم العدل بين الناس، ويحكم به:﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ[النساء: 58].
ومن هنا اشتدَّت عناية السُّنَّة، واستفاضت الأحاديث في التنويه بالإمام العادل، ومنزلته عند الله.
فهو من السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظل إلَّا ظلُّه(9)، ومن الثلاثة الذين لا تردُّ دعوتهم(10)، ومن الذين يكونون عن يمين الرحمٰن يوم القيامة، وكلتا يديه يمين(11).
وفي مقابل ذلك يكره الإسلام الإمام أو السلطان الظالم، أو الجائر عن الحقِّ، وكم يعدُّ الله له من العذاب الأليم يوم القيامة بقدر جَوره على رعيَّته.
وكما ينكر الإسلام الظلم ويحرِّمه، ينكر إعانة الظالم على ظلمه، بأيِّ وسيلةٍ من الوسائل، حتَّى إنَّ القرآن ليشرك جنود فرعون وهامان معهما في الإثم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَٰطِـِٔينَ﴾ [القصص: 8]، وقال عن فرعون: ﴿فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 40].
بل إنَّ القرآن ليحرِّم مجرَّد الركون إلى الظلمة، أي الميل إليهم، وإن لم يصل إلى درجة الإعانة، كما قال سبحانه:﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ[هود: 113]، فمع إيعادهم بمسِّ النار، زادهم الحرمان من ولاية الله ونصرته.
الإسلام يقف في وجه الحكام الظالمين:
وممَّا يجب أن يعرفه كلُّ مسلم: أنَّ الإسلام يقف في وجه الحكام الظالمين، ولا يأمر بالخنوع لهم، والاستسلام لمظالمهم وطغيانهم، كما يُشيع بعض الناس. فإنَّ هذا سبب نزول عقوبة الله على المجتمع كلِّه، أمَّا الظالم فلظلمه، وأمَّا غير الظالم، فلسكوته عن الظلم، ولهذا يُسمَّى الساكت «شيطانًا أخرس».
وفي هذا يقول القرآن: ﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ[الأنفال: 25]، وروى سيدنا أبو بكر، عنِ النبيِّ : «إنَّ النَّاس إذا رَأَوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهم اللهُ بعقابه»(12).
ويحرِّض النبي أمَّته على تغيير المنكر إذا وقع من حاكم أو محكوم ـ بشرط أن يكون منكرًا أجمَع العلماء على إنكاره وتحريمه ـ بيده أو بلسانه أو بقلبه، حسب استطاعته، فيقول فيما رواه أبو سعيد: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»(13). ويقول فيما رواه ابن مسعود في الموقف من الحكَّام المنحرفين: «فمَن جاهدَهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانِه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خَرْدَل»(14). ومعنى التغيير بالقلب والجهاد بالقلب، ضدَّ المنكر والفساد والظلم، هو غليان القلب بالغضب عليها، والثورة ضدَّها، وهو يتضمَّن الكراهية، وشدَّة الإنكار القلبي، حتَّى ينفجر بعد ذلك في عمل إيجابي، وإلَّا ما سُمِّي تغييرًا ولا جهادًا.
ومن التغيير والجهاد باللسان ما جاء في الحديث عنِ النبيِّ : أنَّه سئل: أيُّ الجهاد أفضل؟ فقال: «كلمةُ حقٍّ عند سُلطانٍ جائر»(15).
فهل يمنع عالم مسلم فردًا مسلمًا، أن يقول لأمير أو رئيس كلمة الحقِّ، يأمره فيها بالمعروف، وينهاه عن المنكر؟!
وهل تشرع كلمة الحقِّ إذا قالها واحد، فإذا كانوا عشرة أو مائة أو ألفًا مُنعت، مع أنَّها إذا كثُر قائلوها كانت أدعى إلى الاستجابة؟!
ومثل كلمة الحقِّ الَّتي تُقال عند السلطان الجائر: التظاهرة السلمية، فهي نوع من الجهاد السلمي، أشبه بالجهاد باللسان. وهذه وسيلة سلمية ابتكرها العالم للاحتجاج والإنكار.
ولو أنَّ مَن تكلَّم بكلمة حقٍّ عند السلطان الجائر تعرَّض لأن يُؤذَى أو يُسجَن أو يُعذَّب، فهو في سبيل الله، بل لو فقد حياته فهو شهيد عند الله، ويدخل في الحديث الشريف: «سيِّدُ الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله»(16).
حديث: «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع» منقطع:
وأمَّا الحديث الَّذي يجعلونه عمدتهم في الاستسلام للحكَّام الظالمين، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي سلَّام، قال: قال حُذَيْفة بن اليمان: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فجاء الله بخيرٍ، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرٌّ؟ قال: «نعم». قلتُ: هل وراء ذلك الشرِّ خيرٌ؟ قال: «نعم». قلتُ: فهل وراء ذلك الخيرِ شرٌّ؟ قال: «نعم». قلتُ: كيف؟ قال: «يكونُ بعدي أئمَّة لا يهتدون بهُداي، ولا يستنُّون بسُنَّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». قال: قلتُ: كيف أصنع يا رسولَ الله، إن أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرَك، وأخذ مالك، فاسمعْ وأطعْ».
فهذا الحديث رواه مسلم فعلًا في الإمارة (1847)، ومن المعروف لدى علماء الحديث: أنَّ صحيح مسلم يحتوي على نوعين من الأحاديث:
الأول: أحاديث تُسمَّى «أحاديث الأصول»؛ وهذه يُدقِّق فيها مسلم ولا يتساهل في أسانيدها.
الثاني: أحاديث تسمَّى «متابعات»؛ وهذه قد يدخلها شيء من الضعف. وهذا الحديث من هذا النوع. ولذا قال الإمام الدارقطني في كتابه «الإلزامات والتتبُّع» (53): وأخرج مسلم حديث معاوية بن سلام، عن زيد، عن أبي سلام، قال: قال حذيفة: كُنَّا بشرٍّ، فجاءنا الله بخير... قال الدارقطني: وهذا عندي مرسل (أي منقطع)، أبو سلام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق؛ لأنَّ حُذَيْفة توفي بعد قتل عثمان 3 بليال، وقد قال مسلم فيه: قال حُذَيْفة (أي لم يقل: سمعت أو حدثني)، فهذا يدلُّ على إرساله.
قال المزي في ترجمة أبي سلام: روى عن حذيفة، ويُقال: مرسل. وقال ابن حجر: أرسل أبو سلام عن حُذَيْفة وأبي ذر وغيرهما. وأيد ذلك العلائي في جامع التحصيل، في الرواة المحكوم على روايتهم بالإرسال.
وقال النووي في شرح مسلم: «قال الدارقطني: لكن المتن صحيح متَّصل بالطريق الأول، وإنَّما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى، وقد قدَّمنا في الفصول وغيرها: أنَّ الحديث المرسل إذا رُوي من طريق آخر متَّصلًا، تبينَّا به صحَّة المرسل، وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة حديثان صحيحان»(17).
وما قاله النووي 5 مسلَّم إذا لم تكن الزيادة المرسلة تحمل أحكامًا جديدة مغايرة لما أفاده الحديث الأصلي المتصل السند. وإلَّا أثبتنا هذه الزيادة ـ الَّتي قد تكون خطيرة ـ بمجرَّد رواية مرسلة (أي منقطعة).
على أنَّ حديث حُذَيْفة ـ إن صحَّ ـ هو خطاب خاصٌّ لا يحمل صفة العموم، فلم يرِد في صيغه لفظ من ألفاظ العموم المعروفة، فلعلَّها وصيَّة خاصَّة لحذيفة. والله ولي التوفيق..
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم