في مفهوم الكفر والكافر والموقف منه

❓ في مفهوم الكفر والكافر والموقف منه

📅 2026-06-22 👁 39 مشاهدة

نص السؤال:

نودُّ أن نوجِّه إلى إمامنا القرضاوي هذه الأسئلة المهمة، ليجيبنا عنها بما أفاء الله عليه من علم.
أولًا: ما معنى الكفر والكافر في الإسلام؟ وما هو معناه اليوم؟
ثانيًا: تردُّد وصف بلاد الغرب عمومًا بالكفر وأهله بالكفار، وتحديدًا الولايات المتحدة، فهل الأمريكان كفَّار؟
ثالثًا: كيف نتعامل في عالم اليوم مع هؤلاء الكفار كأفراد وكدول؟
رابعًا: هل بالضرورة تكون علاقتنا بالكفار علاقة قتال وحرب؟ وهل ذلك يبرِّر القيام بعمليات إرهابية ضدَّ تلك الدول وأهلها من المدنيين؟
خامسًا: هل تستعاد الحقوق بمثل هذه العمليات؟
سادسًا: هل تنطبق معايير الكفر وتوجه إلى أفراد أو جماعات داخل المجتمعات الإسلاميَّة من أصحاب الأفكار السياسيَّة المخالفة، أو من أهل الديانات الأخرى؟
مجموعة من المثقَّفين من المغرب
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أولًا: الكفر له عدة معان، فمن معانيه: «الإلحاد» أي الجحود بوجود الله تعالى، وبرسالات السماء، وبالدار الآخرة. وهذا ما يؤمن به الماديون الذين لا يؤمنون بما وراء الحس، ويقولون: لا إلٰه، والحياة مادة فقط، فهم ينكرون أنَّ للكون إلٰهًا، وأنَّ للإنسان رُوحًا، ويقول قائلهم: ليس صوابًا أنَّ الله خلق الإنسان، بل الصواب أنَّ الإنسان هو الَّذي خلق «الله»! أي أنَّ «الألوهيَّة» فكرة اختلقها الإنسان.
وهؤلاء يُسَمَّون «الدهريِّين» وقد حكى القرآن قولهم:﴿مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ[الجاثية: 24].
وهناك كفر آخر هو كفر «الشرك» بالله تعالى، وأصحابه لا يؤمنون بوحدانية الله تعالى، بل يقرُّون بتعدُّد الآلهة مع الله أو من دون الله، ويتخذون مع الله آلهة أخرى من الأفلاك كالشمس والقمر، أو من الحيوانات كالبقر، أو من النبات كالشجر، أو من الجن والبشر، أو من الوثن والحجر. وهذا هو الَّذي شاع في أمم شتى، وأرسل الله الرسل ليحرِّر البشر منه. ولهذا كان النداء الأول في كل رسالة:﴿يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ[الأعراف: 59].
وكان العرب في الجاهليَّة على هذا الشرك قبل أن يؤمنوا برسالة التوحيد الَّتي بُعث بها محمد .
وهناك الكفر بدين الإسلام، وبرسالة محمد ، فكل مَن لم يؤمن بأنَّ محمدًا رسول من عند الله، وأنَّ القرآن كلام الله المنزل عليه من ربه، فهو كافر برسالة محمد، وبالقرآن وبدين الإسلام، وإن كان من أهل الكتاب، أي يهوديًّا أو نصرانيًّا، فكفره هنا ليس بمعنى أنَّه وثني مشرك، ولا بمعنى أنَّه جاحد ملحد، ولكن بمعنى كفره بدين محمد. فهو من أهل الكتاب حقيقة، ولكنَّه من الذين كفروا من أهل الكتاب، كما قال تعالى:﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ[البينة: 1].
وكل ذي دين يعتبر المخالف لدينه كافرًا به، وهذا من حقِّه، ولا حرج عليه. ومن المعلوم أنَّ الفاتيكان لا يعترف إلى اليوم بأنَّ الإسلام دين سماوي.
وفي مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي الَّذي عقد في القاهرة منذ أسابيع رفض بعض الإخوة المشاركين اعتبار الإسلام ضمن الأديان السماوية، واعتبار قيمه ضمن القيم الربانية.
ثانيًا: إذا عرفنا مفهوم الكفر بأحد المعاني الثلاثة السابقة، استطعنا أن نحكم على الغرب وأهله ـ وخصوصًا الولايات المتحدة ـ بما يناسبها من الكفر الَّذي ذكرناه. فليسوا كفَّارًا بمعنى أنَّهم ملحدون، وإن كان منهم ملحدون ومن لا يؤمنون بأيِّ دين، وليسوا كفَّارًا بمعنى أنَّهم وثنيون؛ ولكنَّهم كفار بدين محمد.. وهذه حقيقة لا أحسبهم يجحدونها، وإلَّا لآمنوا به وبكتابه. قال تعالى: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، وأعتقد أنَّ ما يجري من نزاع بين كثير من المسلمين والولايات المتحدة، ليس بسبب الكفر، بل بسبب الظلم، فهم يصفون الأمريكيين بأنَّهم ظالمون، منحازون للصهيونية، مستكبرون في الأرض بغير الحق، كما نراهم اليوم في موقفهم في محاربة ما سمَّوْه «الإرهاب» الَّذي يحددونه على هواهم، ويدخلون فيه كل جماعات المقاومة المشروعة، ثم يقولون: من ليس معنا فهو مع الإرهاب.
ثالثًا: إذا كان لا بدَّ من مسلمين وكفار، فكيف تكون علاقة المسلمين بهؤلاء الذين كفروا بدينهم؟ أهي علاقة حوار أم علاقة صراع؟ أهي علاقة سلم أم علاقة حرب؟ أهي علاقة تعصُّب أم علاقة تسامح؟
أودُّ أولًا أن أقرر أنَّ القرآن لم ينادِ أحدًا من مخالفيه بصيغة «الكفار» بل كان ينادي مشركي مكة بعبارة «يا أيها الناس» وينادي اليهود والنصارى بعبارة «يا أهل الكتاب» باستثناء مرَّة واحدة نادى فيها المشركين بلفظ الكفر، لقطع المساومات في عبادة غير الله، كما كانوا يعرضون على النبي ، فقال: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ ١ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٢ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ٣ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ٤ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ٥ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾[الكافرون: 1 ـ 6]، وبهذا جمعت السورة في بدايتها بين نهاية التمسك بالتوحيد والرفض للشرك، ونهاية التسامح بختامها:﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾.
وأنا شخصيًّا لا أستعمل في كتاباتي ومحاضراتي كلمة «الكفَّار» بل أوثر دائمًا أن أستخدم بدلها «غير المسلمين». وهذا من الجدال بالتي هي أحسن، الَّذي أمرنا به.
ثم أقول ثانيًا: إنَّ علاقة المسلم بمخالفيه في الدين هي علاقة حوار وتسامح وسلام؛ فالمسلم مأمور بحوار غيره في قوله تعالى: ﴿وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، كما أنَّه مطالب بالتسامح مع الآخرين، ومن المعروف أنَّ الإسلام يتسامح مع أهل الكتاب أكثر من غيرهم، حتَّى إنَّه أجاز مصاهرتهم والتزوج من نسائهم، كما أعلن القرآن أنَّ النصارى أقرب مودة للمسلمين من غيرهم. كما قال الرسول في حديثه: «أنا أولى النَّاس بعيسى ابن مريم في الدُّنيا والآخرة»(1).
وهناك جملة اعتبارات عقدية وفكرية وخلقية تجعل المسلم رحْبَ الأفق، عظيم التسامح مع مخالفيه. منها:
أ ـ اعتبار أنَّ اختلاف الخلق في الدين واقع بمشيئة الله تعالى المرتبطة بحكمته، كما قال تعالى:﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ[يونس: 99].
ب ـ أنَّ الَّذي سيحاسب الكافرين على كفرهم ويجازيهم عليه، هو خالقهم سبحانه، وليس الإنسان، وموعده في الآخرة، وليس في الدنيا، ولذا قال القرآن:﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ٦٨ ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[الحج: 68، 69]، ﴿ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ[الشورى: 15].
ج ـ أنَّ الإسلام يحترم الإنسان، ويؤمن بكرامته من حيث هو آدمي، كما قال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ[الإسراء: 70]، وروى البخاري عن قيس بن سعد وسهل بن حنيف أنَّهم مروا على رسول الله بجنازة «ميت» فقام لها واقفًا، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّها جنازة يهودي! فقال: «أليست نفسًا؟»(2). فما أروع الموقف، وما أروع التعليل!
رابعًا: إنَّ القرآن الكريم حدَّد العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم في آيتين من كتاب الله، تعتبران بمثابة الدستور في هذا المجال، وذلك في قوله تعالى:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ[الممتحنة: 8، 9].
والمسالمون من الكفار ـ أو من غير المسلمين كما أوثر التعبير ـ لهم البر والقسط من جانب المسلمين، والقسط هو العدل، والبر هو الإحسان، وهو فوق العدل.
العدل: أن تعطي الواجب، والبر أن تعطي فوق الواجب.. العدل أن تأخذ حقك، والبر أن تتنازل عن بعض حقك. ويكفي أنَّ القرآن اختار في معاملة المسالمين من غير المسلمين كلمة ﴿تَبَرُّوهُمْ، وهي كلمة يعبر بها المسلمون عن أقدس الحقوق بعد حق الله، وهي كلمة «بر الوالدين».
فليس بالضرورة إذن أن تكون علاقتنا مع الكفار علاقة قتال وحرب، ما داموا لم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، ولم يظاهروا على إخراجنا. وقد قال تعالى:﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّـهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا[النساء: 90].
إنَّما يقاتل المسلمون من يقاتلونهم، ويعتدون على أرضهم وحرماتهم، كما قال تعالى:﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ[البقرة: 190].
والقتال في الإسلام له آدابه وأخلاقياته وضوابطه الشرعيَّة، فلا يقتل إلَّا من يقاتل، ولهذا حين رأى النبي في إحدى المعارك امرأةً مقتولة، أنكر ذلك، فقال: «ما كانت هذه لتُقاتل»(3) ونهى عن قتل النساء والصبيان والشيوخ الكبار، كما نهى خلفاؤه الراشدون: أبو بكر وعمر عن قتل الرهبان في الصوامع، وعن قتل الحرَّاثين الذين لا ينصبون لهم الحرب، وعن قتل التجار وأمثالهم من المدنيين.
خامسًا: لا تُستعاد حقوق المسلمين بالعمليات الإرهابية الَّتي يقتل فيها المدنيون البرآء، الذين لا ناقة لهم في السياسة ولا جمل، بل ربَّما ألَّبت النَّاس على المسلمين، ومن خصائص الإسلام أنَّه لا يقبل مبدأ أنَّ الغاية تبرر الوسيلة، ولا يرضى الوصول إلى الغاية الشريفة إلَّا بالوسيلة النظيفة.
ولقد أصدرت فتوى منذ ما يقرب من عشرين عامًا حرَّمت فيها خطف الطائرات، ولو من أجل نصرة قضية عادلة، لأنَّك تروع برآء لا ذنب لهم، وتعاقب أقوامًا بجرائم غيرهم، ولا تزر وازرة وزر أخرى. ولكن من المهم هنا أن نفرِّق بين ما حدث في تفجيرات نيويورك، وما يحدث من عمليات استشهاديَّة ضدَّ الكيان الصهيوني في إسرائيل. فالمجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري كله، رجاله ونساؤه مجندون، ثم إنَّ الفلسطيني يقاوم الغزاة المحتلين، وحق الدفاع عن الوطن حق مشروع بلا ريب، ثم هو لا يستخدم أحدًا في الهجوم على الأعداء، ولكن يضحي بنفسه، ليرهب عدو الله وعدوه.
سادسًا: قضية تكفير الأفراد والمجتمعات قضية في غاية الخطورة، وقد حذَّر الرسول الكريم من التكفير أشد التحذير، فلا يجوز أن يُتَّهم أحد من المسلمين بالكفر إلَّا بأدلة قاطعة، لأنَّ إسلامه ثابت بيقين، واليقين لا يزال بالشك، والاحتمال يفسَّر لمصلحة إسلام المسلم، والحكم بالردَّة والكفر على مسلم إنَّما هو من اختصاص القضاء وحده؛ فلا يجوز لأحد أن يجعل من نفسه مفتيًا وقاضيًا ومنفذًا، فيفتي بكفر الشخص ويصدر حكمه عليه بالقتل، ويتولى تنفيذه.
أمَّا غير المسلمين في الوطن الإسلامي، فهم من أهل دار الإسلام، كما قرر الفقهاء.. أي بتعبيرنا المعاصر: مواطنون، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. ودماؤهم وأموالهم معصومة، وحرماتهم وأعراضهم مصونة، فلا يجوز لأحدٍ الاعتداء عليهم بغير حق، ومن فعل ذلك استحق عقوبة الدنيا، وعذاب الآخرة.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم