2026-06-22
151
التنازل عن القدس خيانة لله ورسوله وللأمَّة كلِّها
نريد من سماحتكم بيان حكم الشرع في موقف الرئيس ياسر عرفات من رفضه التنازل عن «القدس الشريفة» بما فيها من مقدسات إسلاميَّة ومسيحيَّة مثل المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، ومسجد عمر بن الخطاب، وغيرها من الأوقاف الإسلاميَّة كما أنَّ فيها كنيسة القيامة، وطريق الآلام الَّذي مشى فيه المسيح 0 : ، وغير ذلك من المقدسات المسيحيَّة.
وهل كان يسع الرئيس عرفات أن يتنازل عن القدس، استجابةً للضغوط الأمريكيَّة والإسرائيليَّة؟ وهل يسع العرب والمسلمين في أنحاء العالم السكوت عن هذه الفعلة لو ارتكبت؟
شباب من أبناء غزة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يجوز للرئيس ياسر عرفات، ولا غيره أن يتنازل عن أيِّ جزءٍ من أرض الإسلام، فأرض الإسلام ليست ملكًا لرئيس ولا لأمير، ولا لوزير ولا لجماعة من الناس، حتَّى نتنازل عنها تحت أي ضغط أو ظرف؛ وإنَّما الواجب على الأفراد والجماعات الجهاد والنفير، والمقاومة لتحرير أي أرض احتلها الأعداء، أو لاستعادتها إذا اغتصبها مغتصب، والأمة كلها مسؤولة بالتضامن عن ذلك، لا يملك حاكم ولا محكوم التفريط في هذا الأمر!
وإذا عجز جيل من أجيال الأمة أو تقاعس، فلا يجوز له أن يفرض عجزه أو تقاعسه، على كل أجيال الأمة القادمة إلى يوم القيامة، فيتنازل عمَّا لا يجوز له التنازل عنه.
ولهذا أصدرنا فتوانا بتحريم بيع الأرض للأعداء، أو قبول التعويض عن أرض فلسطين بالنسبة للاجئين المشرَّدين في أنحاء العالم، ولو بلغ ما بلغ من المليارات، فأوطان الإسلام لا تقبل البيع ولا التنازل أو التعويض عنها بحال من الأحوال. ومن فعل ذلك فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين.
وإذا كان هذا الحكم في شأن أي أرض إسلاميَّة، فكيف إذا كانت هذه الأرض هي القدس الشريف، أولى القبلتين، وبلد المسجد الأقصى، وثالث المدن المعظمة في الإسلام بعد مكة والمدينة، والأرض الَّتي انتهى إليها الإسراء، وابتدأ منها المعراج. وحسبنا في فضلها قول الله تعالى:﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًۭا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَٰتِنَآ﴾[الإسراء: 1].
ولهذا كان للقدس مكان في قلب كل مسلم، في المشرق أو المغرب، تمس شغافه، وتتغلغل في أعماقه، حبًّا لها، وحرصًا عليها، وغيرةً على حرماتها، واهتمامًا بشأنها. ومن أجلها أصبحت قضية فلسطين هي قضية المسلمين الأولى، لها يفزعون، وعليها يحافظون، وفي سبيلها يدافعون ويقاتلون، ولا يضنون عليها بنفس ولا نفيس.
والقدس هي رمز قضية فلسطين، المشير إليها والمعبر عنها، وهي جوهر القضية وروحها، وهي كما قال القائل(1):
فـمـــا مـعـنــى فـلسـطيــنٍ
بلا أقصى ولا قُدْسِ؟
فلسطينُ بلا قدسٍ
كجثمانٍ بـلا رَأْسِ!
ولقد أحسن الرئيس عرفات في رفضه المساومة على القدس في قمة «كامب ديفيد» الثانية، وإن أخفقت وفشلت هذه القمة، فهذا الفشل هو عين النجاح، ولا غرو أن يُستقبل عرفات بعد عودته بكل الترحاب والتكريم.
وقال عرفات في ذلك كلمة حق تحسب له، في رفض التنازل عن القدس: حتَّى إذا كان في ذلك قتلي، فلأن أقتل بيد إسرائيلي متعصب خير من أن أقتل بيد عربي مسلم!
إنَّ القدس ليست ملك الفلسطينيين وحدهم، إنَّها ملك المسلمين جميعًا، عربهم وعجمهم، كما أنَّها ملك العرب كافة، مسلميهم ومسيحيِّيهم.
ولا يجوز للفلسطينيين وحدهم أن يتصرَّفوا في مصير القدس، ويفتئتوا على المسلمين في أنحاء الأرض. وهذا بالتالي يوجب على المسلمين ـ حيثما كانوا ـ أن يقوموا بواجبهم في الدفاع عن بيت المقدس، والمسجد الأقصى، وهذا فرض عليهم جميعًا، يتكافلون في الذود عنه بأنفسهم وأموالهم، وكل ما ملكت أيديهم، وإلَّا حقَّت عليهم عقوبة الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38، 39].
وكثيرًا ما سألني شباب مسلمون في جولاتي المختلفة في بلاد الإسلام، وضعوا رؤوسهم على أكفهم، وقالوا بحرارة وحرقة: كيف نبرئ ذمَّتنا ونسقط الفرض الواجب في أعناقنا في الدفاع عن القدس؟ وكيف الطريق إليها؟
ولقد رأينا كيف هاج العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، حينما حاول يهودي متعصب إحراق المسجد الأقصى سنة 1969 م، فتنادى المسلمون في كل مكان، وعقدت القمة الإسلاميَّة الأولى، الَّتي انبثق عنها إنشاء «منظمة المؤتمر الإسلامي».
وحينما احتلَّ الصليبيُّون القدس قديمًا، كان الذين عملوا على تحريرها مسلمين من غير العرب، مثل عماد الدين زنكي التركي، وابنه نور الدين محمود الشهيد، وتلميذه صلاح الدين الأيوبي الكردي، الَّذي تحرَّرت القدس على يديه.
ولا يزال المسلمون في كل مكان ـ أكثر من مليار وثلث ـ مستعدين للبذل والتضحية من أجل القدس العزيز، وهذا ما لمسته لدى كل الشعوب الَّتي زرتها، ابتداءً من الفليبين وإندونيسيا في الشرق، إلى المغرب العربي في الغرب، وإن لم ينعكس هذا بصورة قوية وواضحة لدى حكام المسلمين للأسف، فمعظمهم من أسرى الاستعمار الثقافي، وعبيد الفكر الغربي، هذا إن كان لديهم فكر ما، وكثير منهم إنَّما أكبر همه البقاء في «كرسيِّ الحكم» الَّذي أمسى لهم صنمًا معبودًا، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
ومع هذا لا يستطيع هؤلاء الحكام إلَّا أن ينافقوا شعوبهم، ويعلنوا عن تمسُّكهم بالقدس، لترضى عنهم الجماهير المسلمة.
إنَّ القدس جزءٌ عزيز من دار الإسلام، وأرض الإسلام، ووطن الإسلام، وقد صار للمسلمين فيها أربعة عشر قرنًا من الزمان، ولم يأخذوها من اليهود، فقد انتهى الوجود اليهودي فيها منذ مئات السنين، كما انتهت دولتهم قبل ذلك بمئات السنين، فلم تقم لليهود دولة في فلسطين إلَّا بضع مئات من السنين، وكان العرب اليبوسيون والكنعانيُّون فيها منذ آلاف السنين.
لقد تسلَّم عمر بن الخطاب القدس من «بطريركها» النصراني صفرنيوس، وكان ممَّا شارط عليه عمر: ألَّا يساكنهم فيها يهود!
إنَّ السيادة على القدس يجب أن تكون إسلاميَّة عربية فلسطينيَّة، وهذا لا يمنع المسيحي، كما لا يمنع اليهودي، أن يقيم شعائر دينه فيها بكل حرية وسماحة، عرف بها الإسلام على توالي العصور.
على أنَّ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ـ رغم تحيُّزها في كثير من الأحيان ضد العرب والمسلمين ـ تؤكِّد أنَّ القدس ضمن الأراضي العربية المحتلة منذ سنة 1967م.
ومن ثم نجد الأدلة كلها من التاريخ ومن الدين ومن القانون الدولي: متضافرة على إثبات حقِّ الفلسطينيين في القدس. ويجب أن يكون موضوع «القدس» هو البند الأول في جدول أعمال «القمة الإسلاميَّة» الَّتي ستعقد في دولة قطر في شهر نوفمبر سنة 2000م.
﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[يوسف: 21].
(1) انظر القصيدة بكاملها في ديواننا: المسلمون قادمون صـ 93 ـ 97، نشر دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ط 1، 2000م.