2026-06-22
111
علاقتنا بإسرائيل.. لا موادَّة بيننا وبين القتلة السفَّاحين
سمعنا أنَّ سفارة العدو الإسرائيلي في القاهرة، تنوي إقامة مأدبة لإفطار الصائمين الفقراء طوال شهر رمضان، كما أنَّ السفير الإسرائيلي حاول الحصول على فتوى من لجنة الفتوى بالأزهر: تجيز مشروعية إفطار المسلم على نفقة اليهودي، والسؤال الآن شيخنا الجليل: هل يحق لليهودي أن يقيم مأدبة الرحمٰن في رمضان؟ وهل يحقُّ للمسلم الصائم أن يفطر على هذه المائدة؟ وما الرأي فيمن يقبل دعوة اليهودي للإفطار معه على طاولة واحدة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد وضع الإسلام دستورًا للعلاقات مع غير المسلمين، يتمثَّل في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة «الممتحنة» حيث يقول سبحانه:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[الممتحنة: 8، 9].
فالإسلام لا ينهانا عن البرِّ والقسط مع المخالفين، إذا كانوا لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا، وخصوصًا إذا كانوا أهل كتاب، حتَّى إنَّ الإسلام أجاز مؤاكلتهم ومصاهرتهم باعتبارهم أهل دين سماوي في الأصل، وإن حرفوا فيه وبدلوا.
أمَّا المخالفون الذين ينهانا الله تعالى أن نتولاهم ونتودَّد إليهم ونقترب منهم، فهم الذين قاتلونا في الدين، وأخرجونا من ديارنا، وظاهروا على إخراجنا ـ وهذا هو شأننا مع يهود اليوم عامة، والإسرائيليين منهم خاصَّة ـ فهؤلاء قد حادُّوا الله ورسوله، وعادوا أمة الإسلام، وحاربوا العرب والمسلمين، وفرضوا كيانهم الدخيل المغتصب بقوة الحديد والنار، والعنف والدم. فالمعركة بيننا وبينهم قائمة منذ اغتصبوا أرض الإسراء والمعراج، وأسروا المسجد الأقصى، وسفكوا دماء أبناء فلسطين، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق إلَّا أن يقولوا: ربنا الله، ولا زالوا إلى اليوم يتبجَّحون ويعلنون بدعاويهم العريضة، وأحلامهم الكبيرة عن «إسرائيل الكبرى» الَّتي طالما قالوا عنها: إنَّها من الفرات إلى النيل، ومن الأرْز إلى النخيل!
ورغم تخاذل «المهرولين» من العرب الذين رفعوا رايات السلام، مخالفين قول الله عز وجل:﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ﴾[محمد: 35].
لا زلنا نرى الصهاينة ـ منذ عهد رابين إلى عهد نتنياهو ـ يعلنون صباح مساء: أنَّ القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل؛ وقد حفروا الأنفاق تحت المسجد الأقصى، ولا زالت الحفريات جارية، ولا ندري تمامًا ما مصير المسجد؟!
ولا زالت مشكلة «الاستيطان» اليهودي كما هي، إضافة إلى المشكلات الأساسية المستعصية؛ مثل مشكلة اللاجئين، ومشكلة الحدود، ومشكلة الدولة الفلسطينيَّة؛ الَّتي قال نتنياهو: إنَّها لن تقوم في يومٍ ما!
وهؤلاء الأعداء القتلة السفَّاحون، المغتصبون المحاربون، المستكبرون في الأرض، المغرورون بقوتهم وترسانتهم النووية، المتعزِّزون بأمريكا وقوتها العالمية.. كيف يجوز لمسلم أن يقترب منهم، ويتودَّد إليهم، ويأكل طعامهم، وهو طعام مغموس بالدم، دم إخوانه في القدس والخليل، دم الذين قتلوا من أجل القدس، والذين قتلوا وهم رُكَّع وسجود في المسجد الإبراهيمي، وغيرهم، وغيرهم؟!
بل إنِّي لأعجب كيف يجترئ هؤلاء على مجرَّد الإعلان عن هذا الأمر، وكأنَّهم بذلك يسخرون من أمة العرب، وأمة الإسلام.. يذبحونهم باليمين، ويقدمون لهم الفتات المسموم بالشمال.
إنَّ المسلم الَّذي يصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا، لا يتصوَّر منه أن يصوم عمَّا أحله الله تعالى، ثم يفطر على ما حرم الله: على طعام خبيث يقدمه اليهود أكلة الربا والسحت، والذين لا يزالون يغتصبون أراضي الفلسطينيين جهارًا نهارًا كل يوم أمام أعيننا، وعلى مرأى ومسمع من العالم المتحضر!
إنَّ الشعب المصري الَّذي لقَّنهم درسًا لم ينسوه، ولم يستجب لفكرة التطبيع المزعومة هو الَّذي سيعلِّمهم اليوم ـ لو تبجحوا أو فعلوا ـ أنَّه لن يأكل طعامهم، ولن يفسد صومه ويضيع أجره بارتكاب هذه الجريمة؛ في اللحظة الَّتي يقول فيها: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله.
إنَّ السفير الإسرائيلي يظنُّ أنَّه سيستغل فقر بعض المصريين، ليتودَّد إليهم، ونسي السفير أنَّ أفقر مصري أغنى من مليونيرات الصهاينة! وهو ينفر من أولئك الذين لعنهم الله، وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ثم ما هذا الكرم الَّذي نزل فجأةً على اليهود، فأمسوا يطعمون الطعام، ويجودون بالمال، وهم أعرق خلق الله في الشحِّ والبخل؛ وكما وصفهم الله بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾[النساء: 53]. إنَّنا لا نريد من الصهاينة أن يجودوا بالمال، إنَّما نريد منهم أن يردُّوا الأموال الَّتي نهبوها جهرة، أو اختلسوها خفية، إلى أصحابها الشرعيين، إن كانوا صادقين.
ولا أدري كيف اجترأ هؤلاء الأفَّاكون على طلب الفتوى من شيخ الأزهر، ولا أحسب شيخ الأزهر ولا من دونه يجيبهم إلى ما يريدون، وهم في كل يوم يقترفون ما يقترفون من الجرائم والموبقات.
إنَّ الَّذي بيننا وبين هؤلاء الصهاينة: شيء واحد، ولا شيء غيره، ولن يذعنوا لسواه، وهو «الجهاد» في سبيل الله؛ حتَّى نستردَّ الأرض المغصوبة، ونسترجع الكرامة المسلوبة، ونعيد المشردين إلى ديارهم معزَّزين مكرَّمين.
وشهر رمضان بما فيه من ذكريات النصر المبين في يوم الفرقان في بدر، ويوم الفتح الأعظم بمكة: جدير أن يمدَّنا بالأمل والرجاء في غدٍ آتٍ لا ريب فيه،﴿وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥ وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌۭ وَلَعِبٌۭ ۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾[الروم: 4 ـ 6].